الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
كيف نُعلن الخدمات الإلكترونية بلغة المواطن؟
لا شك أن ما تعلنه الحكومة الموقرة من تطوير مستمر للخدمات الإلكترونية هو إنجاز وطني يستحق الإشادة.. فبالأمس القريب، تم إعلان تطوير 104 خدمات إلكترونية في 19 جهة حكومية خلال الفترة ما بين 15 يناير و16 يوليو 2026. وهو رقم يعكس حجم الجهد المبذول في إطار خطط مواصلة رفع مستوى جودة الخدمات الحكومية وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.
وقبل ذلك توالت الأخبار عن أرقام جديدة: مئات الخدمات، ملايين المعاملات، نسب إنجاز عالية، وتقليل في زمن الانتظار.. هذه أرقام تليق بدولة تسابق الزمن نحو التحول الرقمي الشامل.. ولكن دعوني أسأل سؤالاً بصراحة: كم مواطناً بحرينياً استفاد فعلياً من هذه الـ104 خدمات؟ وكم شخصاً قرأ الخبر وتوقف عند العنوان والرقم، ثم عاد في اليوم التالي ليقف في طابور مراجعة؟ هنا بيت القصيد..!!
المشكلة ليست في حجم الإنجاز.. المشكلة في طريقة إعلانه.. نحن مازلنا نخاطب المواطن بلغة «الخبر الإنشائي» و«التصريح المدعوم بالأرقام».. وهذا مهم بلا شك للإعلام والتوثيق، ولكن هل هو كافٍ ليحول الخبر إلى سلوك يومي؟ التجربة تقول لا.
كم مرة ذهب مواطن إلى جهة حكومية، فقال له الموظف: «هذه الخدمة متوافرة إلكترونياً ولا تحتاج حضورك».. وتكون ردة الفعل عند المواطن: «متى؟ أول مرة أدري!». رغم أن «خبر» تطوير الخدمة صدر منذ أشهر بل ربما سنوات..!!
المواطن اليوم لا يملك وقتاً لقراءة خبر طويل في الصفحة الثالثة.. المواطن يريد أن يعرف: «وش أسوي؟ وكيف أسوي؟ وكم دقيقة تأخذ مني؟».. المواطن يريد رسالة سريعة، محددة، وعملية.. لذلك أقول: آن الأوان لخطاب إعلامي جديد.. خطاب لا يكتفي بإعلان الإنجاز، بل يعرض الإنجاز.
تخيلوا معي هذا المشهد: فيديو مدته 30 ثانية على انستغرام وتيك توب وسناب شات.. مواطن بحريني يريد تجديد رخصة محل، يظهر وهو يمسك هاتفه، يدخل تطبيق «بحرين» أو موقع الجهة، يرفع المستندات، يدفع، ويتسلم الرخصة وهو جالس في مكانه.. وفي آخر الفيديو تظهر جملة واحدة: «104 خدمات تطورت.. لا تضيع وقتك.. خلصها من تليفونك». هذا هو الإعلان. هذا هو التسويق.. هذه هي الرسالة الواضحة والمحددة والسريعة التي تصل إلى العقل قبل أن تصل إلى العين.
نحن بحاجة إلى أن نحول كل خدمة جديدة إلى «مشهد تمثيلي» قصير.. نُظهر المشكلة قبل التطوير وبعده.. نُظهر الوقت الذي كان يضيع، والوقت الذي وفرناه.. نُظهر الجهد الذي كان يُبذل، والضغطة الواحدة التي تحل الموضوع اليوم.. الأرقام مهمة للمسؤولين والإعلام، ولكن المواطن يتأثر بالمشهد.. يتأثر بالقصة.. يتأثر عندما يرى نفسه في الإعلان.
الحكومة مشكورة تبذل جهوداً جبارة في التحول الرقمي، وتستثمر الملايين في البنية التحتية والتطبيقات.. ولكن قيمة هذا الاستثمار لن تكتمل إلا إذا وصل للمواطن وعرفه واستخدمه.. «ليس الخبر كالمعاينة».. الخبر يقول لك: «تم تطوير الخدمة».. أما المشهد فيجعلك تقول: «أنا أقدر أسويها الحين».
فلننقل منظومة التطوير من زاوية «إعلان خبر» إلى زاوية «عرض خدمة».. من التقرير المطول إلى الفيديو القصير.. من الرقم المجرد إلى الفائدة الملموسة.. عندها فقط سنضمن أن كل جهد حكومي، وكل دينار يُصرف على التطوير، سيعود بالنفع المباشر على المواطن والمقيم.. وعندها فقط سنقول إننا نجحنا.. ليس فقط في تطوير الخدمة، بل في توصيل الخدمة وتنفيذها وإنجازها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك