الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
في المنتدى العربي للإعلام المسؤول
يقول أفلاطون: «إن أول ضحايا الحرب هي الحقيقة»، وفي الأزمات والتحولات الكبرى، يتغير دور الإعلام جذرياً. إذ لم يعد مجرد ناقل خبر، بل يتحول إلى خط دفاع أول عن الوعي والأمن القومي. وفي لحظة الأزمة، يكون الإعلام إما «حصناً» يحمي الجبهة الداخلية، أو «ثغرة» ينفذ منها الخوف والشائعة والعدو.
من هذا المنطلق شاركت بالأمس في المنتدى العربي الثالث للإعلام المسؤول بورقة عمل تناولت تجربة إعلامنا البحريني في مواجهة التحديات. وقلت: إن الأزمات تنتج فراغاً معلوماتياً رهيباً، ومن يملأ هذا الفراغ أولاً يكسب العقول.. وهنا يبرز دور الإعلام المسؤول في إدارة الخوف لا نقل الخوف، فبدلاً من تضخيم الهلع، يقدم المعلومة الدقيقة في وقتها، ويمنح الناس طمأنينة مبنية على حقائق.. بهذا يتوحد الصف ويتماسك المجتمع.. ففي الأزمات يظهر معدن الإعلام.. فإما أن يكون وطنياً مسؤولاً، أو أن يصبح أداة لهدم ما نحاول بناءه.
كما قدمت في الورقة نموذجاً مشرفاً نعتز به جميعاً: تجربة مملكة البحرين الإعلامية أثناء الاعتداءات الأخيرة.. حيث كان المشهد عبارة عن «خلية نحل واحدة»، عملت وكالة أنباء البحرين «بنا» كمرجعية رسمية موثوقة، بالتزامن والتكامل الكامل مع وزارة الإعلام، ومركز الاتصال الوطني، والصحف الوطنية، والتلفزيون والإذاعة، وحسابات التواصل.. وكانت النتيجة: وحدة خطاب، لا تناقض، ولا سبق صحفي على حساب الأمن القومي.
وقد تمحور هذا النموذج حول 3 ركائز، أولا: إبراز القيادة مصدراً للطمأنينة.. حيث تم تسليط الضوء على كلمات وتوجيهات جلالة الملك المعظم باعتبارها مرجعية للحسم والثبات. كما تم إبراز المتابعة الميدانية الحكيمة لـ صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في إدارة الأزمة. وتم عرض قوة الردع بشفافية، من خلال بيانات قوة دفاع البحرين ووزارة الداخلية التي نُشرت باحترافية.. وكان واضحا أن الهدف لم يكن الاستعراض، بل إيصال رسالة واضحة: «الدولة يقظة وقادرة».
ثانيا: التعبئة المجتمعية الإيجابية، فالإعلام البحريني لم ينقل الخبر فقط، بل صنع المعنويات، وأبرز صور التطوع، وكلمات الشعراء، وحول الخوف إلى قوة، والقلق إلى تماسك.
ثالثا: الحرب على الشائعات.. ذلك أن أخطر ما في الأزمات هو الشائعة، لذلك اعتمد الإعلام البحريني استراتيجية مزدوجة: السرعة والردع، مع التصدي السريع لأي شائعة عن «ضربات» أو «إصابات»، حيث كان يُرد عليها خلال دقائق عبر «بنا» والحسابات الرسمية بالصوت والصورة والدليل، كما تم التذكير بصرامة أن «حرية التعبير تنتهي حيث تبدأ سلامة الوطن»، وتطبيق القانون لم يكن ضد الإعلام، بل لحماية الإعلام الصادق من عبث المغرضين، وتحول كل مواطن إلى «مراسل مسؤول».
رابعا: الرؤية لما بعد الأزمة.. فالحرب والاعتداءات حتما ستنتهي، لكن معركة الوعي مستمرة، ودور الإعلام الآن هو تحويل الأزمة إلى رصيد من خلال توثيق قصة صمود البحرين كـ«سردية وطنية» للأجيال القادمة، والانتقال من إعلام «صد الهجمات» إلى إعلام «صناعة المستقبل».
يقول نابليون: «صحف معادية أخطر من ألف مدفع».. ونحن نقول اليوم: «إعلام وطني واحد أصدق وأقوى من ألف شائعة»، وقد أثبتت تجربة مملكة البحرين أن الإعلام الوطني ليس «سلطة رابعة» فقط، بل هو «سلطة سيادة»، فقد نجحنا لأننا عملنا كـ«فريق البحرين»، ومن الواجب الاستثمار في «إعلام الأزمات» في وقت السلم، من خلال التدريب، والرصد، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وصناعة محتوى يسبق الشائعة بخطوة.. فالجاهزية الإعلامية هي نصف المعركة.
مع خالص الشكر والتقدير، للشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية وكافة الشركاء، على حسن التنظيم والإعداد المتميز للمنتدى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك