العدد : ١٧٦٤٥ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٥ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

تنافسية «التوصيل» لا تبرر الاستغلال

لم‭ ‬تعد‭ ‬رسوم‭ ‬توصيل‭ ‬الطلبات‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬خدمة‭ ‬إضافية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬يومي‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬المواطن،‭ ‬ويقضم‭ ‬من‭ ‬أرباح‭ ‬المطاعم‭ ‬والمشاريع‭ ‬الصغيرة‭. ‬

ما‭ ‬بدأ‭ ‬كتسهيل‭ ‬لخدمة‭ ‬الناس،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬سوقاً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬تتحكم‭ ‬فيه‭ ‬الشركات‭ ‬بلا‭ ‬سقف‭ ‬ولا‭ ‬ضابط‭.. ‬تتصاعد‭ ‬شكاوى‭ ‬المواطنين‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭.. ‬فاتورة‭ ‬طلب‭ ‬بـ‭ ‬4‭ ‬دنانير‭ ‬يضاف‭ ‬إليها‭ ‬2‭ ‬دينار‭ ‬توصيل،‭ ‬وأحياناً‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الذروة‭ ‬أو‭ ‬للمناطق‭ ‬البعيدة‭. ‬

والأغرب‭ ‬أن‭ ‬المشاريع‭ ‬المنزلية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬شباب‭ ‬وبنات‭ ‬البحرين‭ ‬صارت‭ ‬تدفع‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬رسوم‭ ‬توصيل‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها‭.. ‬مشروع‭ ‬منزلي‭ ‬يبيع‭ ‬بسكويت‭ ‬أو‭ ‬وجبات،‭ ‬يجد‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬ربحه‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬شركة‭ ‬التوصيل،‭ ‬أما‭ ‬أصحاب‭ ‬المطاعم،‭ ‬فشكواهم‭ ‬أكبر‭.. ‬يقولونها‭ ‬صراحة‭: ‬‮«‬شركات‭ ‬التوصيل‭ ‬تقاسمنا‭ ‬في‭ ‬رزقنا‮»‬‭.. ‬عمولات‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬25‭% ‬و30‭% ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الطلب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬رسوم‭ ‬تسويق‭ ‬ورسوم‭ ‬أخرى‭ ‬خفية‭.. ‬مطعم‭ ‬يعمل‭ ‬بهامش‭ ‬ربح‭ ‬15‭% ‬كيف‭ ‬يستمر‭ ‬إذا‭ ‬أخذت‭ ‬المنصة‭ ‬الضعف؟‭ ‬النتيجة‭: ‬إغلاق‭ ‬مطاعم،‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬على‭ ‬المستهلك،‭ ‬أو‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬موظفين‭. ‬

هنا‭ ‬يأتي‭ ‬تأييدنا‭ ‬لما‭ ‬طرحه‭ ‬‮«‬النائب‭ ‬جلال‭ ‬كاظم‮»‬‭ ‬من‭ ‬ضرورة‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬لتحديد‭ ‬سقف‭ ‬لرسوم‭ ‬التوصيل‭ ‬ونسبة‭ ‬عمولة‭ ‬المنصات‭.. ‬فترك‭ ‬الأمر‭ ‬لمبدأ‭ ‬‮«‬التنافسية‮»‬‭ ‬وحده‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقبولاً،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬التنافسية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للضرر‭ ‬بالمواطن‭ ‬والتاجر‭. ‬

التجربة‭ ‬أمامنا‭ ‬واضحة‭.. ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬أصدرت‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬2026‭ ‬لائحة‭ ‬تنظم‭ ‬القطاع‭ ‬بالكامل‭: ‬سقف‭ ‬رسم‭ ‬التوصيل‭ ‬دينار‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قيمة‭ ‬الطلب،‭ ‬وسقف‭ ‬عمولة‭ ‬المنصة‭ ‬17‭% ‬كحد‭ ‬أقصى‭.. ‬والكويت‭ ‬أكبر‭ ‬مساحة‭ ‬جغرافياً‭ ‬من‭ ‬البحرين،‭ ‬وتكاليف‭ ‬التوصيل‭ ‬فيها‭ ‬أعلى،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬ضوابط‭ ‬تحمي‭ ‬الجميع،‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬نحذو‭ ‬حذوها؟‭ ‬

هذه‭ ‬القضية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تركها‭ ‬للسوق‭ ‬وحده،‭ ‬نحتاج‭ ‬دوراً‭ ‬فاعلاً‭ ‬من‭ ‬3‭ ‬جهات‭: ‬وزارة‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبادر‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬لائحة‭ ‬تنظيمية‭ ‬تحدد‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬للرسوم‭ ‬والعمولات،‭ ‬وتمنع‭ ‬الممارسات‭ ‬الاحتكارية‭.. ‬وكذلك‭ ‬هي‭ ‬غرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تمثل‭ ‬صوت‭ ‬المطاعم‭ ‬والمشاريع‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وتفاوض‭ ‬على‭ ‬اتفاقيات‭ ‬عادلة‭ ‬مع‭ ‬المنصات‭.. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك،‭ ‬فمن‭ ‬الواجب‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بمتابعة‭ ‬الشكاوى‭ ‬وضمان‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬السعر‭ ‬النهائي‭ ‬قبل‭ ‬تأكيد‭ ‬الطلب‭. ‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬ليس‭ ‬إغلاق‭ ‬المنصات‭ ‬أو‭ ‬محاربتها‭.. ‬بالعكس،‭ ‬هي‭ ‬شريك‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬ووفرت‭ ‬وظائف‭ ‬كثيرة،‭ ‬لكن‭ ‬الشراكة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬العدل‭.. ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬ينمو‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬موت‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭. ‬وفي‭ ‬الحديث‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف،‭ ‬قاعدة‭ ‬ذهبية‭ ‬بشأن‭ ‬العدل‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬التنافسية‭: ‬‮«‬الناس‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭: ‬الماء‭ ‬والكلأ‭ ‬والنار‮»‬‭.. ‬وفي‭ ‬زماننا‭ ‬أضفنا‭ ‬لها‭: ‬‮«‬الرزق‮»‬‭.. ‬الرزق‭ ‬لا‭ ‬يحتكر،‭ ‬ولا‭ ‬يُقتسم‭ ‬بالإكراه‭.. ‬من‭ ‬حق‭ ‬شركة‭ ‬التوصيل‭ ‬أن‭ ‬تربح،‭ ‬ومن‭ ‬حق‭ ‬المطعم‭ ‬أن‭ ‬يعيش،‭ ‬ومن‭ ‬حق‭ ‬المواطن‭ ‬أن‭ ‬يأكل‭ ‬بسعر‭ ‬عادل‭. ‬

مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬دولة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ودولة‭ ‬القانون،‭ ‬واقتصادنا‭ ‬قوي‭ ‬بتنوعه،‭ ‬وبصغاره‭ ‬قبل‭ ‬كباره‭.. ‬فحماية‭ ‬المشاريع‭ ‬المنزلية‭ ‬والمطاعم‭ ‬الوطنية‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والاجتماعي‭.. ‬وقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬‮«‬دع‭ ‬السوق‭ ‬يحلها‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬نظّم‭ ‬السوق‭ ‬ليحلها‭ ‬بالعدل‮»‬‭.. ‬فالتنافسية‭ ‬التي‭ ‬تضر‭ ‬بالمواطن‭ ‬ليست‭ ‬تنافسية،‭ ‬بل‭ ‬استغلالا‭ ‬مقنعا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا