صاحبة قصة طفولية بطولية لمحاربة السرطان ومبادرتي «معكم نصنع فرحة محارب» و«قوتي أكبر من كل تحد» بالتعاون مع المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية.. شاركت في قمة المليار متابع.. الطالبة رقية عبدالرؤوف أشكناني لـ«أخبار الخليج»:

يقول الكاتب الأمريكي مايكل دوريس: «لا يستطيع السرطان أن يعيق الحب.. ولا أن يحطم الأمل.. ولا أن يقهر الروح»!
بالفعل، السرطان لا يتمكن إلا ممن ضعفت روحهم ولم يروا زهور حدائقهم فذبلت، وما أصعب أن يكون المريض طفلا لا يزال في مقتبل العمر، هنا تتضاعف المعاناة والمنافسة والتحديات، وفي هذه السطور نحن بصدد حالة كانت قادرة على أن تعيد مرضها عاريا وحيدا إلى بيته، لتمضي في حياتها أقوى من ذي قبل وبكل أمل وتفاؤل ورضا.
ما أحقر أوجاعنا أمام مرض الطفل، الذي يعكس براءته وقدرته على التحمل، وفي الوقت ذاته يختبر صبر وقوة الآباء ومدى قناعتهم بأنه مجرد غيمة سوف تمر لتتجلى بعدها عظمة الشفاء، وأن ابتلاء الأبناء هو حكمة بالغة يعلمها الله سبحانه وتعالى، سيتلوه أمل بغد مشرق وبصحة تعود تملأ المكان بهجة.
رقية عبد الرؤوف أشكناني طالبة في الصف الثالث الاعدادي، اختبرها القدر في أعز ما تملك الا وهي الصحة، وذلك حين اكتشفت عند عمر 12 عاما مرضها بسرطان الدم، لتنقلب حياتها رأسا على عقب، عبر خوض رحلة طويلة من العلاج والألم، حتى وصلت إلى مرحلة التشافي، تاركة خلفها كل ذكرياتها المؤلمة، بعد أن قررت أن تفتح صفحة جديدة من حياتها ملؤها الأمل في غد أفضل.
حين تتحدث إليها تشعر وكأنك تتحدث إلى شابة يافعة اجتازت مرحلة الطفولة منذ سنوات، وذلك لما تحمله من فلسفة حياتية سابقة لعمرها بمراحل، وخاصة حين أكدت أن الله اختارها للمرور بهذا الاختبار لحبه لها الذي يميزها عن الآخرين، وهنا تصبح التجربة جديرة بالتوقف عند أهم تفاصيلها وذلك في الحوار الآتي:
بداية الرحلة مع السرطان؟
البداية مع مرض السرطان كانت مبكرة، فقد كنت طفلة مثلي مثل أي طفلة أخرى في عمري تعيش حياتها بكل براءة ومرح وهدوء، ألهو وأستمتع بحياتي، وذلك حتي بلغ عمري 12 عاما وظهرت علي أعراض غريبة مثل الإجهاد والارهاق وشحوبة لون الوجه ودقات قلب متسارعة وغيرها، فقررت والدتي الذهاب بي إلى الطبيب الذي شخص حالتي أنها إصابة بمرض اللوكيميا (سرطان الدم)، وبالطبع كانت صدمة شديدة بالنسبة إلينا، وقد تم تحويلي إلى جناح 2002 وهو جناح الأورام بمجمع السلمانية الطبي، ولم أكن أعلم في هذه السن أن هناك مرض سرطان غير ذلك الذي يصيب الثدي، وبدأت رحلة العلاج المكثف.
كيف كان التعاطي مع هذه الصدمة؟
في البداية شعرنا جميعا أنا وأسرتي وأهلي بصدمة رهيبة، ولكن مع الوقت استطعنا تقبل الأمر والتعايش معه شيئا فشيئا وبصدر رحب، وكانت والدتي تقول لي دائما إن الله سبحانه وتعالى اختارك بهذا الابتلاء لأنه يحبك ولأنك مميزة عن الآخرين، وبالفعل كرست هذه القناعة بداخلي الأمر الذي منحني الكثير من القوة والشجاعة، وأذكر أنني للوهلة الاولي حين تم إبلاغي بالمرض تبادر إلى ذهني سؤال هو: هل سيتساقط شعري؟! فجاءني الجواب بنعم أو لا، لأنه ليس هناك شيء مؤكد، وكل حالة تختلف عن الأخرى.
بداية العلاج؟
بالطبع لم أكن أستوعب حجم هذا المرض ومشاكله والمعاناة منه، وقد بدأت العلاج الكيماوي مباشرة كما وصف لي نظام غذائي خاص، ولعل أكثر ما آلمني هو عدم تمكني من الذهاب إلى المدرسة خلال العام الأول من اكتشاف المرض نظرا إلى حالتي الصحية الصعبة وعدم قدرتي على الحركة، والحرص على عدم التعرض لأي عدوى، وأذكر انه خلال الشهرين الأولين من العلاج لم أشعر بأي ألم إلا أنني بعد ذلك عشت رحلة الألم، ولكني صبرت وتحملت ودربت نفسي عليه وكان ذلك في الصف الأول الإعدادي.
وماذا عن دراستك؟
لقد تعاونت معي إدارة المدرسة والمشرفات والمعلمات كثيرا وإلى أبعد حد حيث تم مراعاة ظروفي الصحية بشكل كبير، وكانت بعض المعلمات يقمن بزيارتي، ويرسلن إلي المراجعات، حتى إنني أديت امتحان الفصل الثاني في المستشفى، وفي الصف الثاني الاعدادي أصبح بإمكاني الذهاب إلى المدرسة وقت الاختبارات، ثم بدأت الانتظام الحضوري خلال الشهادة الإعدادية في الفصل الأول، إلى أن اندلعت الحرب الإيرانية بالمنطقة وأصبحت الدراسة أون لاين، وكنت أستخدم قناة اليوتيوب للتعلم وبنفسي.
أصعب موقف؟
من أصعب المواقف التي مرت بي كان حين بدأت الذهاب إلى المدرسة ذات يوم في الصف الثاني الاعدادي، ثم جاءت تعليمات الأطباء بأنه يجب التوقف عن الحضور الفعلي رغم اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة نظرا إلى إمكانية التعرض لمخاطر صحية جراء التردد على المدرسة يوميا، الأمر الذي أشعرني بحزن شديد، ولكن صديقاتي ومعلماتي كن دائما معي وحاولن تخفيف وطأة هذا الحرمان عن كاهلي، وقد عزمت على محو أي ذكريات مؤلمة من ذاكرتي، ولم يبق بها سوى الأشياء الإيجابية فقط، وقد كان مجمع السلمانية الطبي بمثابة بيتي الثاني الذي احتضنني في أصعب فترة مرت بي.
مصدر قوتك؟
أنا أجد أن عائلتي وأهلي هم مصدر قوتي، وقد كان أبي يقول لي دوما إن مرض السرطان له علاج، ومن ثم يمكن الشفاء منه، وذلك مقارنة بأمراض أخرى مستعصية ويعاني أصحابها منها طوال العمر، ومع الوقت أدركت صحة وقيمة ذلك الكلام واليوم وصلت إلى مرحلة التشافي ولله الحمد، وذلك بعد رحلة طويلة وصعبة من العلاج والألم، فقط اخضع لفحوصات طبية دورية وأصبحت أعيش حياتي طبيعية، وكانت لحظة إبلاغي بالتعافي من أجمل اللحظات التي أعجز عن التعبير عنها بعد أن انتظرتها طويلا.
رسالتك لأي طفل مصاب؟
أقول لأي طفل مصاب بهذا المرض ويمر بنفس الظروف التي مرت بي إنه لا يزال في بداية العمر وعليه الشعور بالتفاؤل والأمل في غد أفضل، وأن ابتلائه هذا هو اختبار من الله سبحانه وتعالي لمعرفة مدى ايمانه وصبره، وأن اختياره من بين غيره جاء لأنه يحبه، وهذا ما كانت تردده لي والدتي دوما، فالحياة ليست فقط راحة وسعادة بل مزيجا من الألم والفرح، لذلك عليه أن يعيش اللحظة ويستمتع بها، وحين يمر بأوقات صعبة لا يستسلم أو يسقط، تجنبا لحدوث أي انتكاسة، بل يصبر ويواجه أي تحد بكل قوة وإيمان، وحرصا مني على مساعدة مرضى السرطان شاركت في عدة أنشطة ومبادرات.
مثل ماذا؟
لقد أطلقت فكرة مبادرتين لدعم مرضى السرطان؛ الأولى بعنوان «قوتي أكبر من كل تحد» بدعم من المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، والثانية بعنوان «معكم نصنع فرحة محارب» بهدف التركيز على نفسية المحارب ودعمه معنويا بالتعاون مع مبادرة ابتسامة، وكم أنا سعيدة بالمشاركة في قمة المليار متابع حيث وقع علي الاختيار لنشر قصتي مع مرضي.
هل تعيشين اليوم حياة طبيعية؟
نعم إلى حد كبير، فأنا أعيش اليوم حياة شبه طبيعية بعد وصولي إلى مرحلة التعافي، مثلي مثل غيري، اللهم مع وجود بعض الارشادات والمحاذير فيما يتعلق بالسفر والألعاب الخطرة والغذاء وبعض الأمور الأخرى، ولله الحمد ملتزمة بتعليمات الأطباء تماما، وأمارس هواياتي المحببة لي كالرسم والتصوير وغيرهما، وكم أتمنى أن ادرس التمريض أو تخصص الأمراض الوراثية لمساعدة المرضى على الشفاء سواء دوائيا أو نفسيا.
حلمك الحالي؟
أتمنى أن أقوم بدور اجتماعي لمساعدة مرضى السرطان بشكل عام معنويا، وليس ماديا، لأن الشفاء من هذا المرض يعتمد على العامل النفسي بنسبة تصل إلى 85%، وخاصة أن هناك مرضى غير متقبلين لمرضهم ومن ثم يعيشون حالة نفسية صعبة، وأذكر انني جلست مع مريضة عمرها عشر سنوات، وكانت حالتها النفسية سيئة للغاية ووصلت إلى مرحلة من الدمار النفسي الشديد ، وبعد أن تحاورت معها مدة ساعتين تقريبا تحسنت حالتها بدرجة كبيرة بعد أن حاولت أن أوصل إليها أنني مررت بنفس التجربة وفي العمر ذاته، ومع ذلك تقبلت الأمر وتعايشت معه بكل قوة وإيمان وصبر، الأمر الذي أثر فيها بالإيجاب ومنحها حالة من الهدوء النفسي من المؤكد أنها ستنعكس على وضعها الصحي، وهذا هو المطلوب بصورة ملحة بالنسبة إلى هذه الفئة من المرضي.
كلمة أخيرة؟
كلمتي الأخيرة تحمل كل معاني الشكر والامتنان لكل من دعمني وساندني في أزمة مرضي ورحلة علاجي، وأخص بالذكر هنا كلا من الاستاذتين شروق ومريم لوجودهما بجانبي وفي ظهري في كل لحظة صعبة مررت بها، ولولاهما لما استطعت إكمال دراستي وتحقيق النجاح، فضلا عن دور عائلتي وأهلي جميعا الذين قدموا لي كل الدعم الذي مكنني من مواصلة مشواري بكل قوة وبمنتهى الأمل في حياة أفضل؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك