العدد : ١٧٦٤٤ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٤ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

غسان كنفاني في ذاكرة الثقافة الوطنية الفلسطينية

بقلم: د. منى أبو حمدية

الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الشعوب‭ ‬محطات‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بما‭ ‬مضى‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬سنوات،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تركته‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬المحطات،‭ ‬يقف‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬1972‭ ‬علامةً‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬الفلسطيني؛‭ ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬اغتيـل‭ ‬الأديب‭ ‬والصحفي‭ ‬والمفكر‭ ‬الفلسطيني‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني،‭ ‬لكن‭ ‬الرصاص‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬جسده‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يطول‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬آمن‭ ‬بها،‭ ‬ولا‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬مشروعاً‭ ‬لبناء‭ ‬الوعي‭ ‬وصون‭ ‬الهوية‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬اغتيال‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬استهدافاً‭ ‬لكاتب‭ ‬روائي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬استهدافاً‭ ‬لدور‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭. ‬فمن‭ ‬يقرأ‭ ‬سيرته‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬حضوره‭ ‬تجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الأدب‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬أوسع،‭ ‬حيث‭ ‬التقت‭ ‬الثقافة‭ ‬بالتاريخ،‭ ‬والكتابة‭ ‬بالهوية،‭ ‬والسرد‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحق‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬والانتماء‭. ‬لقد‭ ‬أدرك‭ ‬كنفاني‭ ‬مبكراً‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬الأرض‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬تُكتب‭ ‬عنها،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬رواية‭ ‬قصته‭ ‬يمتلك‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الوجود‭.‬

ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الأدبية،‭ ‬والأبحاث‭ ‬التاريخية،‭ ‬والنقاشات‭ ‬الفكرية،‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬رحيله‭. ‬فالأفكار‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لعمر‭ ‬أصحابها،‭ ‬بل‭ ‬تواصل‭ ‬رحلتها‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال،‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الثقافية‭ ‬للأمم‭.‬

لقد‭ ‬كتب‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬إن‭ ‬قضية‭ ‬الموت‭ ‬ليست‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬قضية‭ ‬الميت،‭ ‬إنها‭ ‬قضية‭ ‬الباقين‮»‬‭. ‬ولعل‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬تختزل‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬اليوم؛‭ ‬فالسؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬متعلقاً‭ ‬بكيفية‭ ‬رحيل‭ ‬المثقف،‭ ‬بل‭ ‬بكيفية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬إرثه‭ ‬الفكري،‭ ‬وصيانة‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬من‭ ‬معرفة،‭ ‬وتحويل‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬مستدام،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬موسمية‭ ‬عابرة‭.‬

لقد‭ ‬أثبت‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الكلمة‭ ‬الحرة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬بالغ‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي،‭ ‬وأن‭ ‬الكتابة‭ ‬ليست‭ ‬فعلاً‭ ‬هامشياً،‭ ‬بل‭ ‬ممارسة‭ ‬حضارية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الهوية‭ ‬من‭ ‬التزييف،‭ ‬وصون‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬النسيان‭. ‬فالرصاصة‭ ‬قد‭ ‬تُنهي‭ ‬حياة‭ ‬إنسان،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إخماد‭ ‬فكرة‭ ‬استقرت‭ ‬في‭ ‬العقول،‭ ‬ولا‭ ‬محو‭ ‬نص‭ ‬أصبح‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬عصره‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ«المقاومة‭ ‬الثقافية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬خطاباً‭ ‬انفعالياً‭ ‬أو‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬المواجهة،‭ ‬بل‭ ‬فعلاً‭ ‬معرفياً‭ ‬وأخلاقياً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬والتوثيق‭ ‬الدقيق،‭ ‬وحفظ‭ ‬الأرشيف،‭ ‬وكتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬بأدوات‭ ‬المنهج‭ ‬الرصين،‭ ‬وإنتاج‭ ‬الأدب‭ ‬والفكر‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬التحريف‭. ‬إنها‭ ‬مقاومة‭ ‬معرفية‭ ‬تبني‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تخاطب‭ ‬العالم،‭ ‬وتؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الثقافة‭ ‬ليست‭ ‬ترفاً،‭ ‬وإنما‭ ‬إحدى‭ ‬ركائز‭ ‬الصمود‭ ‬الحضاري‭.‬

واليوم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الرقمية‭ ‬الهائلة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬معركة‭ ‬الوعي‭ ‬تُخاض‭ ‬في‭ (‬الكتب‭) ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ (‬المنصات‭ ‬الرقمية‭)‬،‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬والأرشيف‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬والفضاء‭ ‬الأكاديمي‭ ‬العالمي‭.‬

ولهذا‭ ‬أصبحت‭ ‬مسؤولية‭ ‬الباحثين‭ ‬والكتّاب‭ ‬والمؤرخين‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وأشد‭ ‬إلحاحاً؛‭ ‬إذ‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتقهم‭ ‬مهمة‭ ‬توثيق‭ ‬الوقائع،‭ ‬وحماية‭ ‬الرواية‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬التشويه،‭ ‬وتقديم‭ ‬المعرفة‭ ‬بلغة‭ ‬علمية‭ ‬رصينة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬العالم‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬رسالة‭ ‬المثقف‭ ‬هي‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة،‭ ‬فإن‭ ‬مسؤوليته‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬التعبير،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬بإنتاج‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتتعمق‭ ‬بالبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وتترسخ‭ ‬بالتوثيق‭ ‬الرصين،‭ ‬لتغدو‭ ‬الكتابة‭ ‬فعلاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬يحفظ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬ويصون‭ ‬الهوية،‭ ‬وينقل‭ ‬الوقائع‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬النسيان‭ ‬أو‭ ‬التشويه‭.‬

إن‭ ‬إحياء‭ ‬ذكرى‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬استذكار‭ ‬سيرته‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬نشر‭ ‬صوره‭ ‬واقتباساته،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مناسبة‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬بوصفها‭ ‬ركيزة‭ ‬من‭ ‬ركائز‭ ‬بناء‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وإلى‭ ‬الكاتب‭ ‬بوصفه‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬عصره،‭ ‬وإلى‭ ‬الباحث‭ ‬بوصفه‭ ‬حارساً‭ ‬للوثيقة،‭ ‬وإلى‭ ‬المؤرخ‭ ‬بوصفه‭ ‬أميناً‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬أصحاب‭ ‬الفكر‭ ‬والقلم‭ ‬ليست‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬أفراد،‭ ‬بل‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬المجتمعات‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬وعن‭ ‬حق‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬رواية‭ ‬موثقة،‭ ‬وعن‭ ‬حق‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬التاريخ‭ ‬ملكاً‭ ‬للحقيقة،‭ ‬لا‭ ‬ضحية‭ ‬للتزييف‭ ‬أو‭ ‬النسيان‭.‬

إن‭ ‬أفضل‭ ‬وفاء‭ ‬لغسان‭ ‬كنفاني‭ ‬في‭ ‬ذكراه‭ ‬الرابعة‭ ‬والخمسين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بالرثاء‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ (‬باستكمال‭ ‬الرسالة‭) ‬التي‭ ‬آمن‭ ‬بها؛‭ ‬رسالة‭ ‬القراءة،‭ ‬والكتابة،‭ ‬والبحث،‭ ‬والتوثيق،‭ ‬وإنتاج‭ ‬المعرفة‭. ‬فكل‭ ‬كتاب‭ ‬يُؤلَّف،‭ ‬وكل‭ ‬وثيقة‭ ‬تُحفَظ،‭ ‬وكل‭ ‬دراسة‭ ‬علمية‭ ‬تُنجَز،‭ ‬وكل‭ ‬رواية‭ ‬تُكتب‭ ‬بصدق،‭ ‬هي‭ ‬إسهام‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬المحو‭.‬

ويبقى‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني،‭ ‬بعد‭ ‬أربعة‭ ‬وخمسين‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬رحيله،‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬الصادقة‭ ‬قد‭ ‬تعيش‭ (‬أكثر‭) ‬من‭ ‬صاحبها،‭ ‬وأن‭ ‬الثقافة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬عبور‭ ‬الزمن،‭ ‬وأن‭ ‬الذاكرة،‭ ‬إذا‭ ‬وجدت‭ ‬من‭ ‬يصونها،‭ ‬تصبح‭ ‬إحدى‭ ‬أقوى‭ ‬صور‭ ‬البقاء‭.‬

{ أكاديمية‭ ‬وباحثة‭ ‬فلسطينية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا