العدد : ١٧٦٤٤ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٤ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مستقبل القضية الفلسطينية بعد ألف يوم من «طوفان الأقصى»

بقلم: د. حسن نافعة

الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬وأثناء‭ ‬إلقاء‭ ‬خطاب‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬السنوي‭ ‬للجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬أمسك‭ ‬نتنياهو‭ ‬بورقة‭ ‬طبعت‭ ‬عليها‭ ‬خريطة‭ ‬لمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ظهرت‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬دولة‭ ‬كبرى‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬مجال‭ ‬حيوي‭ ‬واسع‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬‮«‬النيل‭ ‬إلى‭ ‬الفرات‮»‬‭.‬

حينها،‭ ‬تصور‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو‭ ‬يهذي،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬عرضه‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬كونه‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬أضغاث‭ ‬أحلام‮»‬‭ ‬تتراءى‭ ‬له‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬آنذاك‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭. ‬فخلال‭ ‬فترة‭ ‬حكمه‭ ‬الطويلة‭ ‬للكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬استطاع‭ ‬نتنياهو‭ ‬إفشال‭ ‬‮«‬اتفاقية‭ ‬أوسلو‮»‬‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية،‭ ‬وقام‭ ‬بفرض‭ ‬حصار‭ ‬شامل‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬براً‭ ‬وبحراً‭ ‬وجواً،‭ ‬وتوسع‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المستوطنات‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يستعد‭ ‬لضمّها‭ ‬رسميا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬والأهم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬لن‭ ‬يعيق‭ ‬علاقته‭ ‬بالدول‭ ‬العربية‭.‬

بعد‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬شنّت‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬على‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬أطلقت‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬،‭ ‬تمكنت‭ ‬خلالها‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المستوطنات‭ ‬المتاخمة‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وشلّ‭ ‬القاعدة‭ ‬العسكرية‭ ‬الرئيسية‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬القطاع‭ ‬الجنوبي،‭ ‬وقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1000‭ ‬جندي‭ ‬ومستوطن،‭ ‬وأسر‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬250‭ ‬آخرين‭.‬

ولأن‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬فاجأت‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬وكبّدته‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬وغير‭ ‬متوقعة،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬بمنزلة‭ ‬هزيمة‭ ‬استراتيجية‭ ‬كبرى‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬العسكري‭ ‬والاستخباري،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يتسم‭ ‬رده‭ ‬عليها‭ ‬بعنف‭ ‬مفرط،‭ ‬أطلق‭ ‬العنان‭ ‬لجولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬المواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬ساحاتها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وإنما‭ ‬راح‭ ‬نطاقها‭ ‬يتسع‭ ‬تدريجياً‭ ‬ليشمل‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬ولبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬شنت‭ ‬عليها‭ ‬إسرائيل‭ ‬حرباً‭ ‬شاملة،‭ ‬بالاشتراك‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬استهدفت‭ ‬إسقاط‭ ‬نظامها‭ ‬الحاكم‭.‬

بعد‭ ‬1000‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬‮«‬الطوفان‮»‬،‭ ‬مازال‭ ‬الجدل‭ ‬محتدماً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬حول‭ ‬جدواه‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أضر‭ ‬بالقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أم‭ ‬أفادها‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬لهذا‭ ‬الجدل‭ ‬ظلالاً‭ ‬وتشعبات‭ ‬عديدة،‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬توجهين‭ ‬متناقضين‭ ‬أمراً‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السمات‭ ‬الغالبة‭ ‬عليه‭ ‬تغري‭ ‬بتقسيم‭ ‬المشاركين‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬فريقين‭ ‬يقفان‭ ‬فعلاً‭ ‬على‭ ‬طرفي‭ ‬نقيض،‭ ‬أحدهما‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬كارثية،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وحدها‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬مجمل‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وفي‭ ‬المنطقة‭ ‬ككل،‭ ‬والآخر‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬كان‭ ‬حتمياً‭ ‬وأعاد‭ ‬إحياء‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬كاد‭ ‬يطويها‭ ‬النسيان،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬فداحة‭ ‬الأضرار‭ ‬المادية‭ ‬والبشرية‭ ‬التي‭ ‬نجمت‭ ‬عنه‭.‬

ولأنني‭ ‬لا‭ ‬أميل‭ ‬بطبعي‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المسائل‭ ‬الخلافية‭ ‬عبر‭ ‬منظور‭ ‬استقطابي،‭ ‬ينحو‭ ‬نحو‭ ‬اختزال‭ ‬النقاش‭ ‬في‭ ‬ثنائيات‭ ‬متعارضة‭ ‬يتعين‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬أحدهما،‭ ‬فقد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬التقييم‭ ‬الموضوعي‭ ‬لأي‭ ‬حدث‭ ‬يتطلب‭ ‬الاتفاق‭ ‬أولاً‭ ‬على‭ ‬معاييره‭ ‬الصحيحة،‭ ‬كي‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الحدث‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬العام‭ ‬للدوافع‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إليه‭ ‬والتداعيات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تترتب‭ ‬عليه‭.‬

ولأن‭ ‬الفريق‭ ‬الأول‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬المعيار‭ ‬الوحيد‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬‮«‬الطوفان‮»‬‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر‭ ‬والأضرار‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬فيها،‭ ‬ليس‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬ككل،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬الفريق‭ ‬الثاني‭ ‬أن‭ ‬معيار‭ ‬الخسائر‭ ‬والأضرار‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬وحده‭ ‬لتقييم‭ ‬حدث‭ ‬يمس‭ ‬قضايا‭ ‬التحرر‭ ‬الوطني‭ ‬واستقلال‭ ‬الشعوب،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فالمعيار‭ ‬الأدق‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬في‭ ‬اعتباره‭ ‬أيضاً‭ ‬تأثير‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬حاضر‭ ‬ومستقبل‭ ‬القضية‭ ‬التي‭ ‬يدّعي‭ ‬أنه‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬فحسب،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬حاضر‭ ‬ومستقبل‭ ‬المشروع‭ ‬المعادي‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬ضياع‭ ‬حقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وحرمانه‭ ‬من‭ ‬حقوقه،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬التقييم‭ ‬الدقيق‭ ‬لحدث‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬يستدعي‭ ‬أولاً‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إجراء‭ ‬مقارنة‭ ‬دقيقة‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭ ‬بين‭ ‬الأوضاع‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬قبله،‭ ‬والأوضاع‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬عليها‭ ‬الآن‭ ‬ومسارها‭ ‬المتوقع‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المنظور‭.‬

أظن‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬للتوقف‭ ‬كثيراً‭ ‬عند‭ ‬الأوضاع‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬المنطقة‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬نتنياهو‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تمكن‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬حكمه‭ ‬القصيرة‭ ‬من‭ ‬إفراغ‭ ‬اتفاقية‭ ‬أوسلو‭ ‬من‭ ‬مضمونها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬قضى‭ ‬نهائياً‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة،‭ ‬ويقوم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بفرض‭ ‬حصار‭ ‬شامل‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬ويتوسع‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المستوطنات‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬يستعد‭ ‬لضمّها‭ ‬رسمياً‭.‬

وحين‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬فصائل‭ ‬فلسطينية‭ ‬مسلّحة‭ ‬تدّعي‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬الوحيد‭ ‬لوجودها‭ ‬هو‭ ‬مقاومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتحرير‭ ‬الأرض،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هدفها‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬إلحاق‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬بالاحتلال‭ ‬الصهيوني‭ ‬والذي‭ ‬يحتل‭ ‬أرضها‭ ‬ويغتصب‭ ‬حقوق‭ ‬شعبها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬والفصائل‭ ‬المتحالفة‭ ‬معها‭ ‬ويجب‭ ‬ألا‭ ‬نلومها‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬المحتل‭ ‬أو‭ ‬حساباته‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصعيد‭.‬

للرد‭ ‬على‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬ألحقت‭ ‬بحكومة‭ ‬الكيان‭ ‬هزيمة‭ ‬استراتيجية‭ ‬كبرى‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الاستخباري‭ ‬والنفسي،‭ ‬قرر‭ ‬نتنياهو‭ ‬الهروب‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المحنة‭ ‬إلى‭ ‬منحة‭ ‬والسعي‭ ‬لتحقيق‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬بقوة‭ ‬السلاح‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭: ‬ممارسة‭ ‬أقصى‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬العسكري‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬تهجير‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬منه‭ ‬قسراً‭ ‬تمهيداً‭ ‬لاحتلاله،‭ ‬وتضييق‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬تمهيداً‭ ‬لضمها،‭ ‬وخوض‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬هوادة‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬مكونات‭ ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬،‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬إلحاق‭ ‬هزيمة‭ ‬كاملة‭ ‬بها‭ ‬تمهد‭ ‬لنزع‭ ‬سلاح‭ ‬جميع‭ ‬الفصائل،‭ ‬ومحاولة‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ (‬رأس‭ ‬الأفعى‭) ‬عبر‭ ‬شن‭ ‬حرب‭ ‬إسرائيلية‭- ‬أمريكية‭ ‬مشتركة‭ ‬وشاملة‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬بعض‭ ‬أهدافه،‭ ‬لكنه‭ ‬أخفق‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أهمها‭. ‬فقد‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬بالكامل،‭ ‬ومن‭ ‬قتل‭ ‬وجرح‭ ‬وتشريد‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬ربع‭ ‬مليون‭ ‬من‭ ‬سكانه،‭ ‬ومن‭ ‬احتلال‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬70‭% ‬من‭ ‬مساحته،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬أخفق‭ ‬في‭ ‬إجبار‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬الهجرة،‭ ‬وفي‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬حماس‭ ‬وبقية‭ ‬الفصائل‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسلحة‭. ‬وأسهمت‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬شنها‭ ‬على‭ ‬المكونات‭ ‬المختلفة‭ ‬لمحور‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬واحتلال‭ ‬أراض‭ ‬سورية‭ ‬جديدة‭ ‬تزيد‭ ‬مساحتها‭ ‬على‭ ‬500‭ ‬كم‭ ‬مربع،‭ ‬وفي‭ ‬تكبيد‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬وقتل‭ ‬آلاف‭ ‬اللبنانيين‭ ‬وتدمير‭ ‬مناطق‭ ‬لبنانية‭ ‬واسعة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الضاحية‭ ‬الجنوبية‭ ‬وفي‭ ‬المناطق‭ ‬المتاخمة‭ ‬للحدود،‭ ‬وفي‭ ‬احتلال‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬كم‭ ‬مربع‭ ‬من‭ ‬أراضيه،‭ ‬لكنه‭ ‬أخفق‭ ‬في‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬الموجودة‭ ‬على‭ ‬الساحتين‭ ‬اليمنية‭ ‬والعراقية‭.‬

وقد‭ ‬اعتقد‭ ‬نتنياهو‭ ‬أنه‭ ‬حقق‭ ‬ضربته‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬ستمكنه‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬جميع‭ ‬طموحاته،‭ ‬حين‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬ترامب‭ ‬للمشاركة‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬شن‭ ‬حربين‭ ‬متتاليتين‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬كانت‭ ‬أكبر‭ ‬إخفاقاته‭. ‬فرغم‭ ‬ما‭ ‬لحق‭ ‬بالنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬كبرى،‭ ‬جسدها‭ ‬فقدانه‭ ‬للمرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬ولمعظم‭ ‬قيادات‭ ‬الصف‭ ‬الأول،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬لم‭ ‬يسقط‭.‬

بعد‭ ‬1000‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬،‭ ‬مازالت‭ ‬التداعيات‭ ‬الناجمة‭ ‬عنه‭ ‬تتفاعل‭ ‬وتحدث‭ ‬أثرها‭ ‬العميق‭ ‬والمتراكم‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬المتوقع‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والمشروع‭ ‬الصهيوني‭. ‬بل‭ ‬لا‭ ‬أبالغ‭ ‬إن‭ ‬قلت‭ ‬إن‭ ‬معظم‭ ‬الإنجازات‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬نتنياهو‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬السابقة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الإنجازات‭ ‬التكتيكية،‭ ‬أما‭ ‬المكاسب‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وبالتوازي‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬تكبدها‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

فقد‭ ‬سقطت‭ ‬نهائياً‭ ‬وإلى‭ ‬الأبد‭ ‬صورة‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬كواحة‭ ‬للديمقراطية‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬الاستبداد‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬ككيان‭ ‬مسالم‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬الكراهية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬وتسعى‭ ‬لإلقائه‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الظلمات،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الصهيونية‭ ‬مرادفاً‭ ‬للتفرقة‭ ‬العنصرية‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬والتطهير‭ ‬العرقي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬الكيان‭ ‬ووزير‭ ‬دفاعه‭ ‬السابق‭ ‬وقيادات‭ ‬أخرى‭ ‬مطلوبين‭ ‬للمثول‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬بدأ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وقضيته‭ ‬يحظيان‭ ‬بدعم‭ ‬عالمي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬

لم‭ ‬يتم‭ ‬طي‭ ‬جولة‭ ‬الصراع‭ ‬المسلح‭ ‬التي‭ ‬فجّرها‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مؤشرات‭ ‬عديدة‭ ‬بدأت‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬عصر‭ ‬تفوق‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬بدأ‭ ‬أفوله‭ ‬بالفعل‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬إلا‭ ‬بفضل‭ ‬الدعم‭ ‬الذي‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭. ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصعيد،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بمقدور‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬طويلاً‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭. ‬فالفجوة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الأجيال‭ ‬الأميركية‭ ‬الشابة‭ ‬تزداد‭ ‬اتساعاً‭ ‬كل‭ ‬يوم‭. ‬وحين‭ ‬تصل‭ ‬هذه‭ ‬الأجيال‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيحدث‭ ‬خلال‭ ‬عقدين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬على‭ ‬أقصى‭ ‬تقدير،‭ ‬ستكون‭ ‬الفجوة‭ ‬بينهما‭ ‬قد‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬شرخ‭ ‬عمودي،‭ ‬وعندها‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬أمام‭ ‬الكيان‭ ‬سوى‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬بديلين‭: ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬أيديولوجيته‭ ‬الصهيونية‭ ‬أو‭ ‬الاندثار‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

‭   ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا