حين يمر أمامنا شخص نعرف أنه مدمن، نشد أطفالنا بهدوء ونغير الاتجاه. فعل تلقائي تمليه الغريزة ويُسكّته العقل. ومع ذلك، في تلك المسافة التي نصنعها، نكون قد أضفنا عزلة فوق عزلته.
الإدمان كالثقب الأسود، لا يُرى من الخارج إلا بعد أن يكون قد ابتلع صاحبه. وحين يصحو هذا الأخير على حقيقته، لا توجد حافة يتمسك بها.
داخل هذا الثقب يتغير الإنسان بصمت. لا يختفي دفعة واحدة، بل يتآكل تدريجياً، تتراجع طموحاته وتضيق علاقاته، ويصبح همه الوحيد إسكات شيء بداخله لا يتوقف عن الصراخ.
المجتمع من جهته لا يرى كل هذا. يرى السلوك الظاهر ويبتعد، وهو فعل طبيعي تمليه الغريزة. لكن هذا الابتعاد يصنع حول المدمن سجناً آخر، أشد وطأة لأنه مبني من نظرات الناس.
كثيرون ممن وقعوا في هذا الفخ لم يكونوا يبحثون عن الإدمان، كانوا في سن لا يرى فيها الإنسان أبعد من لحظته. المراهقة فضول بطبعها، والذي يستغل هذا الفضول يعرف تماماً ما يفعل، أما من وقع فلا يكتشف الفخ إلا حين يكون قد أُحكم.
من يقرر التعافي يكتشف أن المعركة لها جبهتان. جبهة الإدمان في داخله، وجبهة المجتمع الذي يريده أن يتغير لكنه نادراً ما يمنحه الفضاء الذي يجعل هذا التغيير ممكناً. التعافي الحقيقي يحتاج مساحة، والمساحة لا يصنعها الفرد وحده.
القانون البحريني في هذا الشأن أكثر إنسانية مما يعرفه كثيرون. من يتقدم طوعاً للعلاج لا تقام عليه دعوى جنائية، والسرية مكفولة، لكن هذا النص القانوني لا يكتمل أثره ما لم يشعر المدمن أن المجتمع من حوله مستعد لاستقباله بعد أن يخرج.
المتعافي الذي يعود الى مجتمعه يحمل ثقلين، ما مرّ به وما ينتظره. فرص العمل تضيق أمامه، والعلاقات تتحفظ عليه، وكأن مجرد الماضي يلغي كل ما بذله من جهد للخروج منه. يخرج من معركة استنزفت كل ما فيه ليجد معركة أخرى في انتظاره. وفي هذا الضغط تحديداً تكمن أعلى نسب الانتكاس.
دول كثيرة اكتشفت أن العقوبة وحدها تعالج الجريمة وتترك السبب. حين تحولت من ملاحقة المدمن إلى احتضانه، انخفضت نسب الإدمان. الفرق كان في قرار المجتمع أن يرى في المدمن إنساناً قبل أن يراه مشكلة.
البحرين تسير في هذا الاتجاه بخطوات ملموسة، عبر منظومة من البرامج الحكومية والأهلية التي تنظر إلى المدمن بعين العلاج لا العقوبة. برنامج «تعافي»، مثلاً، الذي تشرف عليه الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، يقوم على فكرة بسيطة وعميقة: أن المتعاطي ليس مجرماً إنما هو إنسان يستحق فرصة، وأن كسر حاجز الخوف من طلب المساعدة هو نصف المعركة. والطموح قائم دائماً لتطوير هذه البرامج وتوسيع أثرها ليصل إلى من يحتاج إليه أكثر.
الأسرة في هذه المعادلة طرف محوري. هي الأقدر على رؤية البدايات قبل أن تستفحل، وعلى فتح باب الحوار في اللحظة التي يحتاج إليها أكثر مما يحتاج أي شيء آخر. الصمت الأسري حول هذا الموضوع أحياناً يكلّف أكثر مما يحمي.
طريقة المجتمع في التعامل مع أضعف حلقاته تكشف عن طبيعته أكثر مما تكشف عنه قوانينه. المدمن ليس استثناء خارج النسيج الاجتماعي، بل هو جزء منه واجه مرضاً لم يجد من يعالجه في بداياته، واحتاج من يمسك بيده لا من يدير له ظهره.
التعافي الحقيقي يعني أن يتوقف الإنسان عن التعاطي ويجد مكاناً له في المجتمع بعد ذلك. هذا المكان تبنيه إرادة المجتمع قبل أن تبنيه المؤسسات، ويبدأ من اللحظة التي يقرر فيها المجتمع أن الفرصة الثانية حق لا منحة.
عندما أفكر في هذا كله، يستوقفني هذا السؤال: كم شاباً وصل إلى تلك النقطة وحوله من كان يمكنه أن يلاحظ، لكنه آثر الصمت أو الابتعاد؟ القرب الإنساني في اللحظة المناسبة يصنع فارقاً لا تصنعه أي مؤسسة.
وفي قلب هذه المعركة التي يخوضها وحيداً، هناك طرف لا يُذكر بما يكفي، يقف عند بداية الطريق ويعرف تماماً ما يفعل. المروّج لا يبيع مادة، يبيع وهم الخروج من الألم لمن هو في أضعف لحظاته. يستهدف المراهق تحديداً لأنه يعرف أن الفضول في تلك السن أقوى من الحذر، ويختار لحظات الهشاشة لأنها أرض خصبة لزرع ما يريد. يدخل حياة ضحيته بوجه الصديق ويخرج منها بعد أن يحكم القيد. وبينما يغرق من اصطاده في ثقبه الأسود، يمضي هو بحثاً عن ضحية أخرى.
الثقب الأسود في علم الفلك يُهزم بفهم قوانينه. وكذلك الإدمان، سلاحنا الحقيقي في مواجهته هو الفهم والقرب والنظرة الإنسانية. الثقب الأسود يبتلع الضوء، لكن نظرة واحدة من مجتمعنا قد تكون أقوى من الجاذبية كلها.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك