العدد : ١٧٦٤٣ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٣ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

خلف كل مدمن قصة لم نسمعها

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬يمر‭ ‬أمامنا‭ ‬شخص‭ ‬نعرف‭ ‬أنه‭ ‬مدمن،‭ ‬نشد‭ ‬أطفالنا‭ ‬بهدوء‭ ‬ونغير‭ ‬الاتجاه‭. ‬فعل‭ ‬تلقائي‭ ‬تمليه‭ ‬الغريزة‭ ‬ويُسكّته‭ ‬العقل‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬نصنعها،‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬أضفنا‭ ‬عزلة‭ ‬فوق‭ ‬عزلته‭.‬

الإدمان‭ ‬كالثقب‭ ‬الأسود،‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬ابتلع‭ ‬صاحبه‭. ‬وحين‭ ‬يصحو‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬على‭ ‬حقيقته،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬حافة‭ ‬يتمسك‭ ‬بها‭.‬

داخل‭ ‬هذا‭ ‬الثقب‭ ‬يتغير‭ ‬الإنسان‭ ‬بصمت‭. ‬لا‭ ‬يختفي‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬يتآكل‭ ‬تدريجياً،‭ ‬تتراجع‭ ‬طموحاته‭ ‬وتضيق‭ ‬علاقاته،‭ ‬ويصبح‭ ‬همه‭ ‬الوحيد‭ ‬إسكات‭ ‬شيء‭ ‬بداخله‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬الصراخ‭.‬

المجتمع‭ ‬من‭ ‬جهته‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬كل‭ ‬هذا‭. ‬يرى‭ ‬السلوك‭ ‬الظاهر‭ ‬ويبتعد،‭ ‬وهو‭ ‬فعل‭ ‬طبيعي‭ ‬تمليه‭ ‬الغريزة‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الابتعاد‭ ‬يصنع‭ ‬حول‭ ‬المدمن‭ ‬سجناً‭ ‬آخر،‭ ‬أشد‭ ‬وطأة‭ ‬لأنه‭ ‬مبني‭ ‬من‭ ‬نظرات‭ ‬الناس‭.‬

كثيرون‭ ‬ممن‭ ‬وقعوا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفخ‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬الإدمان،‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬لحظته‭. ‬المراهقة‭ ‬فضول‭ ‬بطبعها،‭ ‬والذي‭ ‬يستغل‭ ‬هذا‭ ‬الفضول‭ ‬يعرف‭ ‬تماماً‭ ‬ما‭ ‬يفعل،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬فلا‭ ‬يكتشف‭ ‬الفخ‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬أُحكم‭.‬

من‭ ‬يقرر‭ ‬التعافي‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬المعركة‭ ‬لها‭ ‬جبهتان‭. ‬جبهة‭ ‬الإدمان‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬وجبهة‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يريده‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬لكنه‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬الفضاء‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬ممكناً‭. ‬التعافي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يحتاج‭ ‬مساحة،‭ ‬والمساحة‭ ‬لا‭ ‬يصنعها‭ ‬الفرد‭ ‬وحده‭.‬

القانون‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية‭ ‬مما‭ ‬يعرفه‭ ‬كثيرون‭. ‬من‭ ‬يتقدم‭ ‬طوعاً‭ ‬للعلاج‭ ‬لا‭ ‬تقام‭ ‬عليه‭ ‬دعوى‭ ‬جنائية،‭ ‬والسرية‭ ‬مكفولة،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬أثره‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يشعر‭ ‬المدمن‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬مستعد‭ ‬لاستقباله‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭.‬

المتعافي‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬الى‭ ‬مجتمعه‭ ‬يحمل‭ ‬ثقلين،‭ ‬ما‭ ‬مرّ‭ ‬به‭ ‬وما‭ ‬ينتظره‭. ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬تضيق‭ ‬أمامه،‭ ‬والعلاقات‭ ‬تتحفظ‭ ‬عليه،‭ ‬وكأن‭ ‬مجرد‭ ‬الماضي‭ ‬يلغي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بذله‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬للخروج‭ ‬منه‭. ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬استنزفت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬ليجد‭ ‬معركة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬انتظاره‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الضغط‭ ‬تحديداً‭ ‬تكمن‭ ‬أعلى‭ ‬نسب‭ ‬الانتكاس‭.‬

دول‭ ‬كثيرة‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬العقوبة‭ ‬وحدها‭ ‬تعالج‭ ‬الجريمة‭ ‬وتترك‭ ‬السبب‭. ‬حين‭ ‬تحولت‭ ‬من‭ ‬ملاحقة‭ ‬المدمن‭ ‬إلى‭ ‬احتضانه،‭ ‬انخفضت‭ ‬نسب‭ ‬الإدمان‭. ‬الفرق‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬المجتمع‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬المدمن‭ ‬إنساناً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يراه‭ ‬مشكلة‭.‬

البحرين‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬بخطوات‭ ‬ملموسة،‭ ‬عبر‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬الحكومية‭ ‬والأهلية‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المدمن‭ ‬بعين‭ ‬العلاج‭ ‬لا‭ ‬العقوبة‭. ‬برنامج‭ ‬‮«‬تعافي‮»‬،‭ ‬مثلاً،‭ ‬الذي‭ ‬تشرف‭ ‬عليه‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للمباحث‭ ‬والأدلة‭ ‬الجنائية،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬بسيطة‭ ‬وعميقة‭: ‬أن‭ ‬المتعاطي‭ ‬ليس‭ ‬مجرماً‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭ ‬يستحق‭ ‬فرصة،‭ ‬وأن‭ ‬كسر‭ ‬حاجز‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬طلب‭ ‬المساعدة‭ ‬هو‭ ‬نصف‭ ‬المعركة‭. ‬والطموح‭ ‬قائم‭ ‬دائماً‭ ‬لتطوير‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬وتوسيع‭ ‬أثرها‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬أكثر‭.‬

الأسرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬طرف‭ ‬محوري‭. ‬هي‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬البدايات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستفحل،‭ ‬وعلى‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يحتاج‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬الصمت‭ ‬الأسري‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬أحياناً‭ ‬يكلّف‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يحمي‭.‬

طريقة‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أضعف‭ ‬حلقاته‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬طبيعته‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تكشف‭ ‬عنه‭ ‬قوانينه‭. ‬المدمن‭ ‬ليس‭ ‬استثناء‭ ‬خارج‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬واجه‭ ‬مرضاً‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يعالجه‭ ‬في‭ ‬بداياته،‭ ‬واحتاج‭ ‬من‭ ‬يمسك‭ ‬بيده‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬يدير‭ ‬له‭ ‬ظهره‭.‬

التعافي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يتوقف‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬التعاطي‭ ‬ويجد‭ ‬مكاناً‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬تبنيه‭ ‬إرادة‭ ‬المجتمع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبنيه‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ويبدأ‭ ‬من‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يقرر‭ ‬فيها‭ ‬المجتمع‭ ‬أن‭ ‬الفرصة‭ ‬الثانية‭ ‬حق‭ ‬لا‭ ‬منحة‭.‬

عندما‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬يستوقفني‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭: ‬كم‭ ‬شاباً‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬النقطة‭ ‬وحوله‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يلاحظ،‭ ‬لكنه‭ ‬آثر‭ ‬الصمت‭ ‬أو‭ ‬الابتعاد؟‭ ‬القرب‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة‭ ‬يصنع‭ ‬فارقاً‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬أي‭ ‬مؤسسة‭.‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المعركة‭ ‬التي‭ ‬يخوضها‭ ‬وحيداً،‭ ‬هناك‭ ‬طرف‭ ‬لا‭ ‬يُذكر‭ ‬بما‭ ‬يكفي،‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬بداية‭ ‬الطريق‭ ‬ويعرف‭ ‬تماماً‭ ‬ما‭ ‬يفعل‭. ‬المروّج‭ ‬لا‭ ‬يبيع‭ ‬مادة،‭ ‬يبيع‭ ‬وهم‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الألم‭ ‬لمن‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬أضعف‭ ‬لحظاته‭. ‬يستهدف‭ ‬المراهق‭ ‬تحديداً‭ ‬لأنه‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الفضول‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السن‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الحذر،‭ ‬ويختار‭ ‬لحظات‭ ‬الهشاشة‭ ‬لأنها‭ ‬أرض‭ ‬خصبة‭ ‬لزرع‭ ‬ما‭ ‬يريد‭. ‬يدخل‭ ‬حياة‭ ‬ضحيته‭ ‬بوجه‭ ‬الصديق‭ ‬ويخرج‭ ‬منها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يحكم‭ ‬القيد‭. ‬وبينما‭ ‬يغرق‭ ‬من‭ ‬اصطاده‭ ‬في‭ ‬ثقبه‭ ‬الأسود،‭ ‬يمضي‭ ‬هو‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬ضحية‭ ‬أخرى‭.‬

الثقب‭ ‬الأسود‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الفلك‭ ‬يُهزم‭ ‬بفهم‭ ‬قوانينه‭. ‬وكذلك‭ ‬الإدمان،‭ ‬سلاحنا‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬مواجهته‭ ‬هو‭ ‬الفهم‭ ‬والقرب‭ ‬والنظرة‭ ‬الإنسانية‭. ‬الثقب‭ ‬الأسود‭ ‬يبتلع‭ ‬الضوء،‭ ‬لكن‭ ‬نظرة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مجتمعنا‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الجاذبية‭ ‬كلها‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا