العدد : ١٧٦٤٢ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٢ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مواجهة التحديات اختبار لترسيخ قوة وصلابة الهوية الوطنية

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

عندما‭ ‬يصبح‭ ‬التحدي‭ ‬اختبارا‭ ‬لتعميق‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية،‭ ‬فإن‭ ‬الصعوبات‭ ‬والأزمات‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬عقبات‭ ‬عابرة‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬أساسي‭ ‬للبناء‭ ‬والابتكار‭ ‬وصناعة‭ ‬الإنجازات‭ ‬فتصبح‭ ‬الأمة‭ ‬بأكملها‭ ‬أكثر‭ ‬تلاحما‭ ‬وتتجذر‭ ‬قيم‭ ‬التضامن‭ ‬والعمل‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الجمعي‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬مناعة‭ ‬الدولة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التهديدات‭ ‬إلى‭ ‬فرص‭ ‬للتقدم‭ ‬والتطور‭.‬

تتسم‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تتبنى‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬بعدة‭ ‬سمات‭ ‬وفوائد؛‭ ‬منها‭ ‬توظيف‭ ‬المرونة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬لتطوير‭ ‬استراتيجيات‭ ‬مستدامة‭ ‬تبني‭ ‬عليها‭ ‬الدول‭ ‬خططها‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬تعميق‭ ‬هويتها‭ ‬الوطنية،‭ ‬كذلك‭ ‬تعزيز‭ ‬التلاحم‭ ‬المجتمعي‭ ‬وتوحيد‭ ‬الصفوف‭ ‬وتجاوز‭ ‬التحديات‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬الانتماء‭ ‬الوطني‭ ‬صفاً‭ ‬واحداً‭ ‬خلف‭ ‬القيادة‭ ‬الحكيمة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الظروف،‭ ‬وبلا‭ ‬شك‭ ‬فإن‭ ‬تحفيز‭ ‬الابتكار‭ ‬والريادة‭ ‬من‭ ‬الاتجاهات‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬ندرة‭ ‬الموارد‭ ‬أو‭ ‬التهديدات‭ ‬الخارجية‭ ‬وكذلك‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬حافز‭ ‬قوي‭ ‬لتوليد‭ ‬الأفكار‭ ‬الخلاقة‭ ‬والحلول‭ ‬غير‭ ‬التقليدية‭ ‬وتحويل‭ ‬أي‭ ‬تحدي‭ ‬وطني‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬بيئيا‭ ‬أو‭ ‬اجتماعيا‭ ‬أو‭ ‬سياسيا‭ ‬أو‭ ‬اقتصاديا‭ ‬إلى‭ ‬عناصر‭ ‬دعم‭ ‬للهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬ومقومات‭ ‬ثقافة‭ ‬الوعي‭ ‬الاجتماعي‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬تجربة‭ ‬قرية‭ ‬أو‭ ‬بلدة‭ ‬كاليتا‭ ‬تورتيل‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬آيسن‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬باتاغونيا‭ ‬بجنوب‭ ‬تشيلي‭ ‬جديرة‭ ‬بالتأمل،‭ ‬فالقرية‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬جغرافية‭ ‬قاسية‭ ‬حيث‭ ‬أُسست‭ ‬البلدة‭ ‬عام‭ ‬1955‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬وعرة‭ ‬للغاية‭ ‬بين‭ ‬مصب‭ ‬نهر‭ ‬بيكر‭ ‬والمنحدرات‭ ‬الصخرية‭ ‬والمستنقعات،‭ ‬وبسبب‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإسفنجية‭ ‬الرطبة‭ ‬للتربة‭ ‬والمنحدرات‭ ‬الحادة‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬شق‭ ‬طرق‭ ‬تقليدية‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬السيارات‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬خلقت‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬البيئية‭ ‬تحديا‭ ‬كبيرا‭ ‬لدى‭ ‬الأهالي‭ ‬ما‭ ‬دفعهم‭ ‬الى‭ ‬ابتكار‭ ‬الممرات‭ ‬الخشبية‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العقبة،‭ ‬حيث‭ ‬قام‭ ‬الأهالي‭ ‬ببناء‭ ‬شبكة‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الممرات‭ ‬والجسور‭ ‬والسلالم‭ ‬المرتفعة‭ ‬باستخدام‭ ‬خشب‭ ‬شجر‭ ‬السرو‭ ‬المحلي‭ ‬والمقاوم‭ ‬للرطوبة‭ ‬والعفن‭ ‬وتمتد‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬الخشبية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬7‭ ‬كيلومترات،‭ ‬وهي‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬للتنقل‭ ‬والمشي‭ ‬والربط‭ ‬بين‭ ‬المنازل‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬ركائز‭ ‬خشبية‭ ‬والمرافق‭ ‬العامة‭ ‬والأرصفة‭ ‬البحرية‭.‬

ونظراً‭ ‬إلى‭ ‬تميز‭ ‬هذا‭ ‬الطراز‭ ‬المعماري‭ ‬الاستثنائي‭ ‬أعلنت‭ ‬الحكومة‭ ‬التشيلية‭ ‬بلدة‭ ‬كاليتا‭ ‬تورتيل‭ ‬منطقة‭ ‬تراثية‭ ‬محمية‭ ‬ونطاقاً‭ ‬هندسياً‭ ‬فريداً،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬حل‭ ‬هندسي‭ ‬للمشكلة‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬للهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬وجاذب‭ ‬سياحي‭ ‬عالمي‭ ‬يقصده‭ ‬الزوار‭ ‬لاختبار‭ ‬الحياة‭ ‬الهادئة‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬ضوضاء‭ ‬المحركات‭ ‬وعوادم‭ ‬السيارات‭.‬

‭ ‬وهناك‭ ‬أيضا‭ ‬النموذج‭ ‬الرواندي‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬ركام‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬فتحدي‭ ‬الانقسام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لينطلق‭ ‬الى‭ ‬الريادة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬للأحداث‭ ‬الدموية‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬المأساوية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬رواندا‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬رواندا‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬دولة‭ ‬ممزقة‭ ‬اجتماعياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬بالكامل،‭ ‬وتعيش‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الصدمة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬الألم‭ ‬وسيل‭ ‬نزيف‭ ‬الدماء‭ ‬البشرية‭ ‬سعت‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬الرهيب‭ ‬إلى‭ ‬ركيزة‭ ‬لبناء‭ ‬هوية‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬التصالح‭ ‬والتنمية،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬تفعيل‭ ‬قيم‭ ‬المحاسبة‭ ‬وتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومحاربة‭ ‬البيروقراطية‭ ‬ونبذ‭ ‬التطرف‭ ‬ومحاربة‭ ‬الصراعات‭ ‬العرقية‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها‭ ‬وتوجيه‭ ‬سياسات‭ ‬الدولة‭ ‬للتركيز‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬وتمكين‭ ‬المرأة،‭ ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬رواندا‭ ‬اليوم‭ ‬نموذجاً‭ ‬إفريقياً‭ ‬وعالمياً‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السريع‭ ‬والأمن‭ ‬واستقطاب‭ ‬الاستثمارات‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬تقودنا‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬الأهمية‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬أهمية‭ ‬صناعة‭ ‬الهوية‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬التحدي،‭ ‬فعندما‭ ‬تتحول‭ ‬التحديات‭ ‬إلى‭ ‬ركائز‭ ‬لبناء‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬فإن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بمواجهتها‭ ‬بل‭ ‬تجعل‭ ‬التكيف‭ ‬معها‭ ‬والتميز‭ ‬في‭ ‬إدارتها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬شخصيتها‭ ‬الوطنية‭ ‬ورؤيتها‭ ‬للمستقبل،‭ ‬فما‭ ‬بدأ‭ ‬كحل‭ ‬اضطراري‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬بفعل‭ ‬الزمن‭ ‬والاعتزاز‭ ‬الشعبي‭ ‬إلى‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬وهوية‭ ‬بصرية‭ ‬وطنية،‭ ‬وهذا‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬الريادة‭ ‬والابتكار‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يولدا‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬المعاناة‭ ‬والرغبة‭ ‬بالتكيف‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مكسب‭ ‬وطني‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬الدولة‭ ‬ومسيرة‭ ‬البناء‭ ‬والتنمية‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬يُصبح‭ ‬سمة‭ ‬وطنية‭ ‬تتفاخر‭ ‬بها‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭. ‬

إن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬هو‭ ‬الإرادة‭ ‬والسياسة‭ ‬التنموية‭ ‬الموجهة‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تُترك‭ ‬الأزمات‭ ‬لتقود‭ ‬الشعوب‭ ‬نحو‭ ‬الإحباط،‭ ‬بل‭ ‬جُعلت‭ ‬وقوداً‭ ‬لشحذ‭ ‬الهمم‭ ‬وتأكيد‭ ‬الريادة‭ ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬والإنجاز‭ ‬وابتكار‭ ‬حلول‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬نفسها‭ ‬هو‭ ‬النهج‭ ‬الأكثر‭ ‬استدامة‭.‬

{باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا