عندما يصبح التحدي اختبارا لتعميق الهوية الوطنية، فإن الصعوبات والأزمات تتحول من مجرد عقبات عابرة إلى محرك أساسي للبناء والابتكار وصناعة الإنجازات فتصبح الأمة بأكملها أكثر تلاحما وتتجذر قيم التضامن والعمل المشترك في الوجدان الجمعي ما يعزز مناعة الدولة وقدرتها على تحويل التهديدات إلى فرص للتقدم والتطور.
تتسم الدول والمجتمعات التي تتبنى هذا النهج بعدة سمات وفوائد؛ منها توظيف المرونة الاستراتيجية في تحويل الأزمات إلى نقطة انطلاق لتطوير استراتيجيات مستدامة تبني عليها الدول خططها بل وحتى تعميق هويتها الوطنية، كذلك تعزيز التلاحم المجتمعي وتوحيد الصفوف وتجاوز التحديات الداخلية والخارجية تحت مظلة الانتماء الوطني صفاً واحداً خلف القيادة الحكيمة في كل الظروف، وبلا شك فإن تحفيز الابتكار والريادة من الاتجاهات المهمة في تحويل ندرة الموارد أو التهديدات الخارجية وكذلك الداخلية إلى حافز قوي لتوليد الأفكار الخلاقة والحلول غير التقليدية وتحويل أي تحدي وطني سواء كان بيئيا أو اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا إلى عناصر دعم للهوية الوطنية ومقومات ثقافة الوعي الاجتماعي.
إن تجربة قرية أو بلدة كاليتا تورتيل الواقعة في إقليم آيسن في منطقة باتاغونيا بجنوب تشيلي جديرة بالتأمل، فالقرية تعاني من طبيعة جغرافية قاسية حيث أُسست البلدة عام 1955 في منطقة وعرة للغاية بين مصب نهر بيكر والمنحدرات الصخرية والمستنقعات، وبسبب الطبيعة الإسفنجية الرطبة للتربة والمنحدرات الحادة كان من المستحيل شق طرق تقليدية أو استخدام السيارات.
لقد خلقت هذه المعضلة البيئية تحديا كبيرا لدى الأهالي ما دفعهم الى ابتكار الممرات الخشبية للتغلب على هذه العقبة، حيث قام الأهالي ببناء شبكة ضخمة من الممرات والجسور والسلالم المرتفعة باستخدام خشب شجر السرو المحلي والمقاوم للرطوبة والعفن وتمتد هذه الممرات الخشبية لأكثر من 7 كيلومترات، وهي الوسيلة الوحيدة للتنقل والمشي والربط بين المنازل المبنية على ركائز خشبية والمرافق العامة والأرصفة البحرية.
ونظراً إلى تميز هذا الطراز المعماري الاستثنائي أعلنت الحكومة التشيلية بلدة كاليتا تورتيل منطقة تراثية محمية ونطاقاً هندسياً فريداً، وفي عام 2001 تحولت هذه الممرات من مجرد حل هندسي للمشكلة إلى رمز للهوية الوطنية وجاذب سياحي عالمي يقصده الزوار لاختبار الحياة الهادئة الخالية من ضوضاء المحركات وعوادم السيارات.
وهناك أيضا النموذج الرواندي الذي خرج من ركام الحرب الأهلية فتحدي الانقسام الاجتماعي لينطلق الى الريادة الاقتصادية، وكان ذلك نتيجة للأحداث الدموية والإبادة الجماعية المأساوية التي شهدتها رواندا عام 1994، إذ كانت رواندا عبارة عن دولة ممزقة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً بالكامل، وتعيش تحت وطأة الصدمة الإنسانية، ونتيجة لهذا الألم وسيل نزيف الدماء البشرية سعت الدولة إلى تحويل هذا التحدي الرهيب إلى ركيزة لبناء هوية وطنية جامعة تركز على التصالح والتنمية، وذلك عبر تفعيل قيم المحاسبة وتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة البيروقراطية ونبذ التطرف ومحاربة الصراعات العرقية بكل أشكالها وتوجيه سياسات الدولة للتركيز على التحول الرقمي وتمكين المرأة، وفي ضوء ذلك أصبحت رواندا اليوم نموذجاً إفريقياً وعالمياً في النمو الاقتصادي السريع والأمن واستقطاب الاستثمارات.
إن هذه التجارب تقودنا إلى مفهوم غاية في الأهمية ألا وهو أهمية صناعة الهوية من قلب التحدي، فعندما تتحول التحديات إلى ركائز لبناء الهوية الوطنية فإن الدولة لا تكتفي بمواجهتها بل تجعل التكيف معها والتميز في إدارتها جزءاً من شخصيتها الوطنية ورؤيتها للمستقبل، فما بدأ كحل اضطراري قد يتحول بفعل الزمن والاعتزاز الشعبي إلى علامة فارقة وهوية بصرية وطنية، وهذا يوضح أن الريادة والابتكار يمكن ان يولدا من رحم المعاناة والرغبة بالتكيف مع التحديات وتحويلها إلى مكسب وطني يعزز من مكانة الدولة ومسيرة البناء والتنمية فيها، بل يُصبح سمة وطنية تتفاخر بها الأجيال القادمة.
إن القاسم المشترك بين هذه التجارب هو الإرادة والسياسة التنموية الموجهة حيث لم تُترك الأزمات لتقود الشعوب نحو الإحباط، بل جُعلت وقوداً لشحذ الهمم وتأكيد الريادة لذلك، فإن بناء الهوية الوطنية على أساس القدرة على التكيف والإنجاز وابتكار حلول لا على استمرار الأزمة نفسها هو النهج الأكثر استدامة.
{باحث وكاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك