تزامنا مع احتفال الأمريكيين بالذكرى الـ250 لتأسيس دولتهم رسميا عام 1776، الذي منحهم استقلالا عن التاج البريطاني، جدد المفكرون والمؤثرون الأمريكيون دعوتهم لضرورة استمرار المغامرة الأمريكية، التي بلغت حدودها القصوى الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة، ما منح واشنطن دورا محوريا مهيمنا على الشؤون الدولية بمختلف أركانها.
ورصد عدد من المفكرين ما يحلم به الأمريكيون عند أو قبل الاحتفال بالذكرى الـ300 لتأسيس جمهوريتهم بعد 50 عاما، وتحديدا عام 2076، وذلك بعيدا عن الشؤون السياسية المباشرة.
والتقى أغلب الأمريكيين حول ثلاثة أحلام أو تطلعات طموحة عكست رغبتهم في المزيد من الرفاهية والثروة والصحة؛ رفاهية في الوصول إلى سيارات تطير، والثروة في استغلال واستيطان القمر واستثمار ثرواته، والصحة بالعيش مائة عام أو يزيد.
يُعد الطيران بالسيارات حلما طالما دغدغ خيال الأمريكيين، وكان هذا السيناريو بمثابة نكتة قبل أعوام، وسخر الكثير من صناع السينما من الفكرة في أفلامهم. إلا أنه بعد التطور التكنولوجي الهائل والسريع، لا يستبعد عدد من أباطرة «وأدي السيليكون» -قلب التكنولوجيا الأمريكية النابض- أن يتم تقديم هذا الاختراع للمواطنين خلال عشرين عاما أو أقل.
يبدو أن الأمر لم يعد صعبا أو مستحيلا أمام اختراع سيارات تطير، لكن التعقيدات والصعوبات تتعلق بسرعة هذه السيارات، ودرجة ارتفاعها عن سطح الأرض (الشوارع)، وهل ستسير أم ستطير فقط فوق الشوارع والطرق السريعة المخصصة حاليا للسيارات والحافلات على الأرض؟ وكيف سيتم تقنين صلاحيات السائق (الطيار)؟ وهل سيربك ذلك حركة الطائرات والمسيرات التجارية وكيف؟
يرى أغلب الأمريكيين أن معجزة السيارات الطائرة أقل كثيرا في تعقيداتها ولوجستياتها من مد سكة حديد للقطارات عبر الجبال أو تحت البحار، ويؤمنون أنه بعد توصل صناع التكنولوجيا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي لم يتخيل بشر قبل عامين أو ثلاثة أعوام الوصول إليها، فمن الحق الجموح والتفكير في السيارات الطائرة كي تحل مشكلة التنقل والاختناقات المرورية التي تسببها السيارات التقليدية أو الكهربائية، التي تزداد وطأتها مع زيادة السكان المستمرة، وارتفاع نسب ممتلكي السيارات، وعدم استيعاب البنية التحتية في أغلب دول العالم لهذه السيارات بالسرعة المطلوبة. ويتساءل الكثير من الأمريكيين: متى يصبح الانتقال من هنا إلى هناك أسرع وأكثر حرية، من دون الحاجة إلى انتظار إشارات المرور الخضراء؟
في عام 1969، شاهد الأمريكيون رائدي فضاء يمشيان على سطح القمر بعد وصول مركبة «أبولو»، ما دفعهم إلى الحلم بقرب صعود الكثير منهم إلى القمر الجميل. إلا أنه بعد مرور أكثر من نصف قرن لم يتم تحقيق أي اختراقات كبرى في استكشاف القمر واختبار إمكانية استيطانه واستغلاله.
سبقت السينما -كما هو دوما- خيال المبدعين والعلماء، وصورت القمر كمكان يمكن الاستفادة منه ومن ثرواته المعدنية، بل صورت إمكانية العيش فوق سطحه وبناء منازل ومدن والترحيب بأطفال يولدون بعيدا عن كوكب الأرض. ومع ما يقوم به رجل الأعمال إيلون ماسك وغيره من منافسيه لاستكشاف الفضاء، لم يعد القمر مكانا بعيدا كما كان يتصور البشر.
على مدار 250 عاما من تاريخهم دأب الأمريكيون على توسيع رقعة بلادهم ومد حدودها بطرق شرعية وغير شرعية. ومع ما يبدو كفشل في الاستحواذ على جزيرة جرينلاند، لم يعد الذهاب والتمدد نحو القمر سيناريو بعيدا عن حسابات الاستراتيجيين والعسكريين، وخاصة في ظل سباق مستمر مع الصين على الريادة والهيمنة في عالم الغد.
تتنافس حاليا شركتا «سبيس إكس» و«بلو أوريجين» (المملوكة لمؤسس شركة أمازون) على الوصول أولا إلى القمر، مدفوعتين برغبة مالكيهما إيلون ماسك وجيف بيزوس في تضخيم ثرواتهما المتضخمة بالفعل. ومنذ تأسيس الجمهورية الأمريكية قبل 250 عاما كانت الأموال والضرائب والرغبة في جمع المزيد من الثروات من العوامل الأساسية التي دفعت إلى ثورة الأمريكيين على التاج البريطاني. ومنذ ذلك الوقت أصبح مقدسا لدى العقل الجمعي الأمريكي أن هناك مكانا أبعد وأصعب يمكن الوصول إليه واستغلال ثرواته.
وبعدما ضاقت الأرض عليهم بعد الوصول والسيطرة على الأراضي الواقعة بين المحيطين الأطلنطي والهادئ وما بهما من ثروات، أصبح الذهاب إلى القمر خيارا عمليا للتحدي المتمثل في البحث عن المزيد من الثروات، والانفراد بتطبيق الهيمنة التكنولوجية في مجال جديد وبعيد.
ولم يكتف الأمريكيون بمشاهدة شركاتهم تتسابق نحو الوصول أولا إلى سطح القمر، بل يخطط ويحلم بعضهم بالذهاب إلى هناك وبدء حياة جديدة في عالم جديد كما فعل أسلافهم.
وكان الحلم الثالث هو الأغرب، إذ لا يرتبط بتراكم المزيد من الثروة أو بتسهيل الاستمتاع بالحياة، بل يرتبط بالحياة ذاتها ومدتها. يحلم الأمريكيون بالمزيد من سنوات العمر، ويريدون أن يصبح احتفال الكثير منهم بعيد ميلاده الـ100 هو الشيء العادي وليس الاستثنائي كما هو اليوم.
ويرى الكثير من العلماء والمفكرين أنه مع التطور التكنولوجي السريع تحدث أمام أعيننا ثورة في طرق مكافحة أمراض الشيخوخة، وأمراض القلب، والسرطان، والخرف. وطبقا لشهادة خبير أمريكي يعمل في مجال تطوير الدواء، فإن ما كان يحتاج إلى 6 أشهر من التجارب لمقارنة البيانات الطبية ومضاهاتها لتطوير عقار ما قبل سنتين، أصبح يحدث الآن في أقل من 6 أيام.
من هنا يسهم الذكاء الاصطناعي في خدمة أهداف طبية متنوعة تصب في النهاية في الوصول إلى متوسط عمر يقترب -إن لم يتخطَ- المائة عام قبل حلول عام 2076. وبالطبع، لهذا الحلم تداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية متنوعة، وبعضها كارثي، إلا أن رغبة البشر في المزيد من سنوات العمر لن توقفها أي تحفظات أو محاذير.
على مدار العقود الأخيرة نجح البشر في تمديد متوسط العمر من 40 عاما إلى أكثر من 70 عاما في الكثير من دول العالم. فهل ينجح الأمريكيون في حلم القفز بمتوسط العمر ليصبح 100 عام؟ لا نعرف بعد، لكن قد نعيش ونرى بأنفسنا!
{ كاتب صحفي متخصص
في الشؤون الأمريكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك