يعد أمن دول الخليج العربي أحد المرتكزات الأساسية للاستقرار الإقليمي والدولي، نظراً إلى ما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية واقتصادية وسياسية، إذ تضم أهم الممرات البحرية ومصادر الطاقة العالمية، ومن ثم، فإن أي تهديد يطول أمن هذه الدول لا يقتصر أثره على حدودها الوطنية، بل يمتد إلى الأمن والسلم الدوليين.
إذ تشهد منطقة الخليج العربي مرحلة دقيقة تتسم بتنامي التحديات الأمنية الناتجة عن تصاعد نشاط المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران في عدد من دول المنطقة، ولم تعد هذه الجماعات تمثل مجرد فاعلين غير حكوميين، بل أصبحت أحد أبرز مصادر التهديد للأمن الإقليمي، لما ينسب إليها من استهداف للمنشآت الحيوية، وتهديد للممرات البحرية، واستخدام للصواريخ والطائرات المسيّرة في نزاعات عابرة للحدود.
ومن أبرز التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة تنامي نفوذ المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران في عدد من دول الشرق الأوسط، وما ينسب إليها من تنفيذ عمليات عسكرية أو إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة أو تهديد خطوط الملاحة والمنشآت الحيوية، وتكتسب هذه التهديدات أهمية استثنائية بالنظر إلى المكانة الجيوسياسية لدول الخليج، التي تشكل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية، ومن ثم، فإن أي اعتداء على أمن هذه الدول لا ينعكس على محيطها الإقليمي فحسب، بل يمتد أثره إلى الأمن والسلم الدوليين، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بتطورات المنطقة.
ولا يقتصر أثر هذه المليشيات على الجانب العسكري، بل يمتد إلى زعزعة الاستقرار السياسي، وإطالة أمد النزاعات الداخلية، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية في عدد من الدول العربية، بما ينعكس سلباً على جهود التنمية والاستثمار والتكامل الاقتصادي الإقليمي. وقد أدى هذا الواقع إلى تعقيد البيئة الأمنية في الخليج، وإثارة تساؤلات قانونية وسياسية بشأن تعزيز منظومة الأمن الجماعي الخليجي ومسؤولية الدول التي تنشط فيها أنشطة الجماعات المسلحة وتدعمها أو تمولها أو توجهها.
فمن الناحية القانونية، يقوم النظام الدولي المعاصر على مبادئ راسخة، في مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. كما أن تقديم الدعم المالي أو العسكري أو اللوجستي للجماعات المسلحة التي تنفذ أعمالاً عدائية ضد دول أخرى قد يثير مسؤولية الدولة الداعمة متى توافرت الشروط القانونية اللازمة لإسناد تلك الأفعال إليها وفق قواعد المسؤولية الدولية.
وفي مواجهة هذه التحديات والتساؤلات تبرز أهمية تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين دول الخليج، وتطوير منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي والأمن السيبراني، وتكثيف التنسيق الاستخباراتي، إلى جانب توحيد المواقف الدبلوماسية في المحافل الدولية، بما يسهم في حماية الأمن الجماعي وردع مصادر التهديد.
ومن هنا فإن تعزيز الأمن الخليجي لا يقتصر على تطوير القدرات الدفاعية، وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل التعاون الاستخباراتي، وتبادل المعلومات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي والبحري، وتوحيد المواقف الدبلوماسية في مواجهة التهديدات المشتركة، مع الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، ومن ثم فإن احترام سيادة الدول، ومنع دعم الجماعات المسلحة، والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي، تظل الركائز الأساسية لبناء شرق أوسط أكثر استقراراً وأمناً، بعيداً عن منطق الوكلاء والسلاح خارج إطار الدولة.
{رئيس قسم القانون العام
- جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك