العدد : ١٧٦٤٢ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٢ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

العرب وتحديات مرحلة التحول في قمة النظام العالمي

بقلم: جميل مطر

الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

العالم،‭ ‬ونحن‭ ‬جزء‭ ‬منه،‭ ‬يمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬انتقالية،‭ ‬وقد‭ ‬علمتنا‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬المراحل‭ ‬الانتقالية،‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬فيها‭ ‬الأمم‭ ‬فجأة‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬إلى‭ ‬حال‭ ‬شديد‭ ‬الاختلاف،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬بإرادتها‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭ ‬والتهديد‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬بعقائد‭ ‬إلى‭ ‬الإيمان‭ ‬بعقائد‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬فيها‭ ‬بعض‭ ‬النخب‭ ‬الحاكمة‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬بقواعد‭ ‬وأساليب‭ ‬ثقافة‭ ‬أو‭ ‬حضارة‭ ‬بعينها‭ ‬إلى‭ ‬تبنى‭ ‬قواعد‭ ‬وأساليب‭ ‬ثقافة‭ ‬أو‭ ‬حضارة‭ ‬أخرى،‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬علمتنا‭ ‬أنها‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬مهمة‭ ‬وإن‭ ‬صعبة‭ ‬وفى‭ ‬الغالب‭ ‬حرجة‭ ‬وعصية‭ ‬على‭ ‬التنبؤ‭ ‬بمستقبلها‭ ‬ومستقبلنا‭.‬

العالم‭ ‬الواسع،‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه،‭ ‬يمر‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقال‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬أحادي‭ ‬القطبية‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬لم‭ ‬تتحدد‭ ‬بعد‭ ‬هويته‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع‭. ‬نقلت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬عن‭ ‬مرحلة‭ ‬أو‭ ‬مراحل‭ ‬انتقالية‭ ‬سابقة‭ ‬درجة‭ ‬عليا‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬العنف‭. ‬كنا،‭ ‬كعرب‭ ‬مثلًا،‭ ‬ضحية‭ ‬خطة‭ ‬مدروسة‭ ‬لممارسة‭ ‬حملات‭ ‬عسكرية‭ ‬نفذتها‭ ‬جيوش‭ ‬القطب‭ ‬الدولي‭ ‬الساعي‭ ‬للانتقال‭ ‬وجيوش‭ ‬حليفة‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬تصورته‭ ‬بعض‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية،‭ ‬فى‭ ‬مقدمها‭ ‬تيار‭ ‬‮«‬المحافظون‭ ‬الجدد‮»‬،‭ ‬خطرًا‭ ‬جاثمًا‭ ‬يهدد‭ ‬حضارة‭ ‬الغرب‭ ‬وفى‭ ‬وسطه‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أما‭ ‬الخطر‭ ‬الذي‭ ‬تصوروه‭ ‬فكان‭ ‬يقوم‭ ‬حول‭ ‬عصب‭ ‬استجد‭ ‬فور‭ ‬بدء‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬الإسلام‭ ‬الجهادي‭ ‬الزاحف‮»‬‭ ‬في‭ ‬نظرهم‭. ‬نعرف‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬نشر‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬البعبع‮»‬‭ ‬كان‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬مفاصل‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭.‬

نعرف،‭ ‬بفضل‭ ‬ما‭ ‬نشر‭ ‬من‭ ‬تقارير‭ ‬ومذكرات،‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬وواشنطن‭ ‬عندما‭ ‬فجرت‭ ‬الطائرات‭ ‬بنايات‭ ‬ضخمة‭ ‬أو‭ ‬هددت‭ ‬سلامة‭ ‬‮«‬البنتاجون‮»‬‭ ‬عقل‭ ‬أمريكا‭ ‬العسكري‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬تدبير‭ ‬وتنفيذ‭ ‬أجهزة‭ ‬تخضع‭ ‬لسيطرة‭ ‬قادة‭ ‬سياسيين‭ ‬أمريكيين،‭ ‬كان‭ ‬بينهم‭ ‬إسرائيليون‭ ‬بحسب‭ ‬اجتهادات‭ ‬تجاسرت‭ ‬وبحثت‭ ‬بعمق‭ ‬وشجاعة‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬بمغامرة‭ ‬أو‭ ‬أحداث‭ ‬11‭ ‬سبتمبر،‭ ‬وهي‭ ‬المغامرة‭ ‬التي‭ ‬مهدت‭ ‬لزعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬ودول‭ ‬أخرى‭.‬

شهدت‭ ‬المرحلة‭ ‬أيضا‭ ‬ثمار‭ ‬أو‭ ‬عواقب‭ ‬انفراط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬القطب‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ومنها‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صدارتها‭ ‬نشوب‭ ‬‮«‬الثورات‭ ‬الملونة‮»‬‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬دول‭ ‬شرق‭ ‬أوروبا‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الثورات‭ ‬ثورة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬تطورت‭ ‬لتصبح‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬يقودها‭ ‬حلف‭ ‬يضم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬دولة،‭ ‬هدفها‭ ‬استنزاف‭ ‬روسيا‭ ‬باعتبارها‭ ‬خليفة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬ووأد‭ ‬كل‭ ‬الفرص‭ ‬الممكنة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الفرص‭ ‬أرصدة‭ ‬قوة‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬روسيا‭ ‬لتجدد‭ ‬بها‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القادم‭.‬

الحرب‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬مكلفة‭ ‬للغاية،‭ ‬مكلفة‭ ‬لأوكرانيا،‭ ‬القصة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ترو‭ ‬بصدق‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ومكلفة‭ ‬لدول‭ ‬حلف‭ ‬الأطلسي‭ ‬ولروسيا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭. ‬وفي‭ ‬ظني‭ ‬أنه‭ ‬لولا‭ ‬الدعم‭ ‬الصيني‭ ‬المستتر‭ ‬غالبا‭ ‬والصريح‭ ‬أحيانا‭ ‬لما‭ ‬تمكنت‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬الصمود‭ ‬حماية‭ ‬لهيبتها‭ ‬ووقف‭ ‬تدهورها‭. ‬

في‭ ‬ظني‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬روسيا‭ ‬مزدوجة‭ ‬الأهداف‭. ‬هدف‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬روسيا‭ ‬عسكريا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬والهدف‭ ‬الثاني،‭ ‬ويبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬متناقضا‭ ‬مع‭ ‬الهدف‭ ‬الأول،‭ ‬يحاول‭ ‬إبقاء‭ ‬الباب‭ ‬مفتوحا‭ ‬أمام‭ ‬روسيا‭ ‬لإقامة‭ ‬علاقات‭ ‬صداقة‭ ‬وتهادن‭ ‬بين‭ ‬الرئيسين‭ ‬الروسي‭ ‬والأمريكي،‭ ‬أملا‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬إرادة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تسارعت‭ ‬وتعددت‭ ‬خطوات‭ ‬واشنطن‭ ‬نحو‭ ‬تعظيم‭ ‬الهيمنة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحرمان‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬زيادة‭ ‬إمكاناتها‭ ‬الاقتصادية‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬منهما،‭ ‬الصين‭ ‬وأمريكا،‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬الآخر‭ ‬بضرورة‭ ‬تنحية‭ ‬الخيار‭ ‬العسكري‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬نظريا‭ ‬لأي‭ ‬منهما‭ ‬للصعود‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخر‭. ‬يدرك‭ ‬الطرفان‭ ‬أن‭ ‬نظاما‭ ‬دوليا‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية،‭ ‬القطبان‭ ‬فيه‭ ‬هما‭ ‬الصين‭ ‬وأمريكا،‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬نظاما‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية‭ ‬الحضارية،‭ ‬حضارة‭ ‬أوروبا‭ ‬مقابل‭ ‬حضارة‭ ‬آسيا،‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬نظاما‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية‭ ‬العقائدية‭ ‬إمبراطورية‭ ‬كانت‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭.‬

كلها،‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬أمريكا،‭ ‬عمليات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وعسكرية‭ ‬تجتمع‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬أوضاع‭ ‬تمهد‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال‭ ‬لقيام‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬تعود‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قطبًا‭ ‬أوحد‭ ‬ومهيمنًا،‭ ‬أو‭ ‬لقيام‭ ‬نظام‭ ‬تكون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فيه‭ ‬قطبا‭ ‬أول‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭. ‬لاحظ‭ ‬معي‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬منهما،‭ ‬وبمعنى‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬سوف‭ ‬تبقى‭ ‬أغلب‭ ‬أمم‭ ‬العالم‭ ‬مهددة‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬أحوالها‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضيها‭ ‬وممتلكاتها‭ ‬ومعادنها‭ ‬الثمينة‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬تكتمل‭ ‬فيه‭ ‬عمليات‭ ‬تشكيل‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭.‬

نتحول‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬الدولي‭ ‬هو‭ ‬مستوى‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ونخص‭ ‬بالذكر‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬مرحلته‭ ‬الانتقالية‭ ‬الثانية‭. ‬نعرف‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬اللاحقة‭ ‬مباشرة‭ ‬للحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية،‭ ‬تشكلت‭ ‬أول‭ ‬معالم‭ ‬ما‭ ‬أطلقنا‭ ‬عليه‭ ‬نظامًا‭ ‬إقليميًا‭ ‬عربيًا،‭ ‬تشكلت‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬تفاعلات‭ ‬واتصالات‭ ‬ونوايا‭ ‬وبدايات‭ ‬أنشطة‭ ‬تكاملية‭ ‬بين‭ ‬وحدات،‭ ‬وأقصد‭ ‬دولا،‭ ‬النظام‭ ‬وعددها‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬ومع‭ ‬الوقت‭ ‬تجاوز‭ ‬العشرين‭.‬

دول‭ ‬تكونت‭ ‬بحدود‭ ‬وعلامات‭ ‬واضحة‭ ‬ولبعضها،‭ ‬رغم‭ ‬عفوية‭ ‬وحداثة‭ ‬مؤسساتها‭ ‬البيروقراطية،‭ ‬أقيمت‭ ‬دساتير‭ ‬وحكومات‭ ‬وشعوب‭ ‬تدين‭ ‬بالولاء‭ ‬والفخر‭ ‬لرموز‭ ‬وطنية،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬قومية‭. ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مرحلة‭ ‬استقرار‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬بطن‭ ‬حرب‭ ‬باردة‭ ‬أسفرت‭ ‬عنها‭ ‬تسويات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

حدث‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الألفية‭ ‬أن‭ ‬اهتزت‭ ‬بشدة،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عنف،‭ ‬أركان‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭ ‬في‭ ‬السطور‭ ‬الأولى،‭ ‬ولم‭ ‬يفلت‭ ‬منها‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي،‭ ‬إذ‭ ‬تحول‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬ليصير‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬عديدة‭ ‬جرى‭ ‬استخدامها‭ ‬ليحقق‭ ‬طرف‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬وخاصة‭ ‬الطرف‭ ‬الأمريكي‭ ‬أهدافًا‭ ‬له‭ ‬مستفيدًا‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬المتعمدة‭ ‬التي‭ ‬التصقت‭ ‬بممارسات‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭. ‬حدث،‭ ‬وبفعل‭ ‬فاعلين‭ ‬كثر‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬وأكثر‭ ‬منه‭:‬

أولًا‭: ‬انفراط‭ ‬وحدات،‭ ‬أي‭ ‬دول،‭ ‬عديدة‭ ‬إلى‭ ‬تفرعات‭ ‬متنوعة‭ ‬بتنوع‭ ‬الأصول‭. ‬غابت‭ ‬أو‭ ‬كادت‭ ‬تغيب‭ ‬الدولة‭ ‬الحاكمة‭. ‬غاب‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الكيان‭ ‬ووحدة‭ ‬السلاح‭.‬

ثانيا‭: ‬توقف‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬ومؤسسات‭ ‬التكامل،‭ ‬وكلها‭ ‬بدأ‭ ‬تشغيلها‭ ‬وبعضها‭ ‬عمل‭ ‬بنجاح‭ ‬ملموس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أغرقها‭ ‬أو‭ ‬أبطلها‭ ‬طوفان‭ ‬الانفراط‭.‬

ثالثا‭: ‬تراجع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالعمل‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬القومي‭ ‬كتنسيق‭ ‬المواقف‭ ‬وتطوير‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬وتوقف‭ ‬المبادرات‭ ‬ذات‭ ‬الصفة‭ ‬القومية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭.‬

رابعا‭: ‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬قيمة‭ ‬الأنشطة‭ ‬السياسية‭ ‬الخارجية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬تطور‭ ‬أو‭ ‬تدهور‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬بعض‭ ‬الأنشطة‭ ‬الخارجية‭ ‬المنفردة‭ ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬شريكة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬يذكر‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬مارست‭ ‬منفردة‭ ‬نشاطا‭ ‬أضر‭ ‬بأهداف‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬ومؤسساته‭ ‬كانت‭ ‬مدينة‭ ‬بوجودها‭ ‬لجهود‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬أخرى‭ ‬ولتضحيات‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المؤسسة‭ ‬للنظام‭.‬

خامسًا‭: ‬كان‭ ‬منطقيا‭ ‬ومتوقعا‭ ‬أن‭ ‬انفراط‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬داخلها‭ ‬وتعدد‭ ‬عمليات‭ ‬الانفراط‭ ‬سوف‭ ‬يشجع‭ ‬الدول‭ ‬الأجنبية‭ ‬غير‭ ‬العربية‭ ‬المتاخمة‭ ‬للإقليم‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أقصى‭ ‬استفادة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الإضرار‭ ‬المتعمد‭ ‬بكل‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬على‭ ‬حدة‭. ‬وبكل‭ ‬المعايير‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬نتيجة‭ ‬هذه‭ ‬الاستباحة‭ ‬وبعضها‭ ‬متفاقم‭ ‬حتى‭ ‬لحظة‭ ‬كتابة‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭.‬

سادسًا‭: ‬الانتشار‭ ‬المثير‭ ‬للدهشة‭ ‬والغضب‭ ‬والشك‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ركن‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬تحت‭ ‬عناوين‭ ‬إسلامية‭ ‬متطرفة،‭ ‬تستخدم‭ ‬أساطيل‭ ‬سيارات‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن‭ ‬ويحصل‭ ‬أفرادها‭ ‬على‭ ‬مرتبات‭ ‬خيالية‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬ولا‭ ‬جهة‭ ‬واحدة‭ ‬تحققت‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭.‬

لن‭ ‬يتسع‭ ‬المجال‭ ‬هنا‭ ‬لسرد‭ ‬عدد‭ ‬وحجم‭ ‬الإساءات‭ ‬الدامية‭ ‬والخسائر‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬تبعاتها‭ ‬ومستجداتها‭. ‬أخطر‭ ‬وأدهى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الآونة‭ ‬الدقيقة‭ ‬تلخصه‭ ‬الكلمات‭ ‬القليلة‭ ‬التالية،‭ ‬نظامنا‭ ‬العربي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬آيلًا‭ ‬للسقوط،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬مهددًا‭ ‬بالإحلال‭ ‬بمشروع‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطي‭ ‬تحاول‭ ‬ان‭ ‬تهيمن‭ ‬عليه‭ ‬إسرائيل‭ ‬بضغوط‭ ‬أمريكية‭.‬

المؤكد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬أننا،‭ ‬كنظام‭ ‬إقليمي‭ ‬عربي‭ ‬وكتجربة‭ ‬فريدة‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنجح،‭ ‬سقطنا‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬لنا‭ ‬مع‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬مر‭ ‬بها‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬أقل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬لمواطن‭ ‬عربي‭ ‬غاضب‭ ‬أن‭ ‬يقوله‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬نحن‭ ‬الآن،‭ ‬وبعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬خيبات‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬تكامل‭ ‬إقليمي‭ ‬مفيد‭ ‬ومجد،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬حساباتنا‭ ‬بشأن‭ ‬المستقبل‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬حولنا‭.‬

لقد‭ ‬جاء‭ ‬جيلنا‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬لم‭ ‬تكتمل،‭ ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬أيضا‭ ‬بدورها‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومحلل‭ ‬سياسي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا