تشير دراسات الإدارة الاستراتيجية إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه المؤسسات لا يكمن في وضع الاستراتيجية، وإنما في تنفيذها وتحويلها إلى واقع ملموس تحقق القيمة المضافة للمستفيدين وأصحاب المصلحة، فالاستراتيجية تعتبر الإطار المرجعي الذي يحدد توجهات المؤسسة طويلة المدى، وطموحاتها وأهدافها المستقبلية. لذلك فإن عملية تحويل الاستراتيجية إلى خطة عمل تمثل مرحلة منهجية متكاملة تهدف إلى الربط بين الرؤية الاستراتيجية والأنشطة التشغيلية اليومية، بما يضمن مواءمة الموارد والقدرات المؤسسية مع الأهداف الاستراتيجية المنشودة، ويوفر إطارًا واضحًا للمساءلة والمتابعة وقياس الأداء.
في هذه المرحلة تأتي ما يعرف بالخريطة الاستراتيجية، فما هي تلك الخريطة؟
الخريطة الاستراتيجية
رأينا في كثير من المؤسسات ملفات الاستراتيجية مركونة في مكاتب المسؤولين فقط، والسبب ليس دائمًا في ضعف الاستراتيجية، بل ضعف ترجمتها. وهنا تأتي أهمية الخريطة الاستراتيجية.
فالخريطة الاستراتيجية ليست لوحة جميلة، وليست رسمًا تنظيميًا، وليست ملخصًا تسويقيًا للخطة، وإنما هي أداة إدارية توضّح منطق الاستراتيجية: ما الذي نريد تحقيقه، وما القدرات والعمليات والسلوكيات التي يجب أن تتحسن حتى نصل إلى النتائج المطلوبة، أين نريد أن نصل، وكيف نصل، وماذا يحدث إن واجهتنا عوائق؟
حتى نرسم هذه الخريطة فإنه يجب أن تكون لدينا خطة استراتيجية وضعت بناء على أهداف التنمية المستدامة وأنظمة الحوكمة المؤسسية من الأساس، بهدف أن ننطلق لوضع الخريطة التي تتكون من المراحل الآتية:
المرحلة الأولى: وهي مرحلة تفكيك الاستراتيجية؛ والهدف من هذه المرحلة هو تفريغ الوثيقة الاستراتيجية إلى مكوناتها الأساسية، وهي:
1. الرؤية والرسالة، التي تعني ماذا نريد أن نصبح؟
2. دراسة الأهداف الاستراتيجية الكبرى وهي عادة مكونة من 3 إلى 5 أهداف، التي تجيب عن التساؤل: ماذا يجب أن يتحقق خلال فترة الاستراتيجية (ربما 5 سنوات أو أكثر)؟
3. ما الأولويات والمحاور التي تريد المؤسسة التركيز عليها خلال السنوات القادمة؟
وهذا يعني بوضوح أنه ينبغي التأكد من وضوح عناصر الاستراتيجية وفهم العلاقات المنطقية بينها، مثل:
* الأنشطة.
* مراجعة وثيقة الاستراتيجية وبشفافية.
* تحليل الرؤية والرسالة والقيم.
* مراجعة الغايات والأهداف الاستراتيجية.
* تحديد الأولويات الاستراتيجية.
* تحديد الفجوات بين الوضع الحالي والمستهدف.
ويمكننا أن نصنع جدول يستخرج من كل فقرة في وثيقة الاستراتيجية (الفعل) الكامن فيها. مثال: (نطمح إلى ريادة السوق)، وهذا فعل ضمني يعني زيادة الحصة السوقية.
المرحلة الثانية: الترجمة إلى أهداف قابلة للقياس؛ نعرف أن لكل هدف استراتيجي غاية وغرض، لذلك فإنه يجب أن نحوّله إلى:
1. صياغة تنفيذية وفق منهجية الأهداف الذكية.
2. نضع مؤشر أداء رئيسيا (KPI) واحدا أو أكثر لكل هدف، لذلك فإنه من الواجب مراجعة كل هدف على حدة.
3. نرسم خط أساس (Baseline) وقيمة مستهدفة، لتحديد النتائج المتوقعة لكل هدف.
وهذا يعني أنه في هذه المرحلة نضع مصفوفة الربط بين الأهداف الاستراتيجية والتنفيذية، وذلك من خلال استخدام أطر (الأهداف والنتائج الرئيسية) و(مؤشرات الأداء) أو (بطاقة الأداء المتوازن؛ وهي البطاقة المالية، العملاء، العمليات الداخلية، التعلم والنمو) بحسب طبيعة المؤسسة.
المرحلة الثالثة: اشتقاق المبادرات والمشاريع؛ نهدف من خلال هذه المرحلة إلى تحديد المشروعات والبرامج القادرة على تحقيق الأهداف التنفيذية، إذ إن لكل هدف مؤشر أداء: مثلاً، ما المشاريع أو المبادرات التي إن نُفذت ستحرك هذا المؤشر؟
لذلك فإنه باستخدام بعض الأدوات يمكن أن نعمل جدولا يعرف بجدول (الاشتقاق)، من أجل ربط الأهداف بعيدة المدى بالمبادرات قصيرة المدى، وذلك من خلال:
1. العصف الذهني مع أصحاب المصلحة.
2. تحديد المبادرات المطلوبة.
3. تقييم المبادرات من حيث: الأثر الاستراتيجي، الأولوية، الموارد المطلوبة، المخاطر المحتملة.
4. ترتيب المبادرات وفق مصفوفة الأولويات.
وبناء على ذلك فإننا من خلال جدول الاشتقاق نضع سجل المبادرات الاستراتيجية، وتتضح لنا مصفوفة الأولويات التي يمكن أن نضعها لتحديد خريطة الطريق.
المرحلة الرابعة: إعداد خطة العمل التفصيلية أو التنفيذية؛ نهدف في هذه المرحلة تحويل المبادرات إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ، ليس ذلك فحسب، وإنما يجب أن نعرف في هذه المرحلة: من سيقوم بماذا؟ وذلك من خلال وضع جدول واضح للجميع. وحتى يتم ذلك فإنه يجب أن نفصل كل مبادرة إلى:
1. المخرجات.
2. المهام وذلك بترتيب زمني.
3. من المسؤول عن ماذا؟ ومن هم فريق؟ وكيف نوزع الفريق إلى (المسؤول /المحاسب /المستشار..).
4. ما الموارد المطلوبة (مثل: الميزانية، الأفراد، الأدوات).
5. التعرف على الجدول الزمني (متى البداية/ ومتى النهاية، وما خريطة الطريق).
6. وما المخاطر المحتملة وخطط التخفيف؟
وهذا يعني إننا في هذه المرحلة وضعنا بطاقات المبادرات التنفيذية، بالإضافة إلى رسم الخطة التشغيلية.
المرحلة الخامسة: مرحلة الحوكمة ووضع نظام المتابعة وبناء مؤشرات الأداء؛ إذ إننا نهدف من خلال هذه المرحلة ضمان إمكانية قياس التقدم وتحقيق النتائج، وضمان الرقابة والتوجيه المستمر لعملية التنفيذ ويتم هذا عبر:
1. تحديد دورية المراجعة (شهرية للمشاريع، ربع سنوية للأهداف ...).
2. يجب وضع لوحة قيادة بهدف عرض حالة المؤشرات لحظيًا.
3. وضع آلية تصعيد عند التعثر.
4. تحديد مستويات الحوكمة والصلاحيات.
5. تشكيل لجنة متابعة الاستراتيجية تضم أصحاب الأهداف الرئيسيين.
ويمكن كذلك:
* تحديد مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs).
* تحديد خط الأساس.
* تحديد القيم المستهدفة.
* تحديد دورية القياس.
* تحديد مسؤولية جمع البيانات.
حتى تنجح هذه المرحلة فإنه من الضروري جدًا أن نقوم بتسجيل كل المؤشرات بوضوح في لوحة المتابعة، حتى يتمكن الجميع من قراءتها في أي لحظة يرغب، وإعداد تقارير دورية، وكذلك عقد اجتماعات مراجعة الأداء، بالإضافة إلى تنفيذ الإجراءات التصحيحية.
المرحلة السادسة: إدارة المخاطر؛ ونهدف من هذه المرحلة إلى ضمان استدامة التنفيذ وتقليل احتمالات التعثر، وذلك من خلال الأنشطة الآتية:
1. تحديد المخاطر المحتملة.
2. تقييم أثر واحتمالية كل خطر.
3. تحديد خطط المعالجة.
4. تحديد ملاك المخاطر.
وبناء عليه فإنه يجب وضع سجل المخاطر الاستراتيجية والتنفيذية المحتملة، ومن ثم وضع سيناريوهات لإدارتها في سجلات خاصة وواضحة ويمكن الوصول إليها في أي لحظة، فإن حدثت فإنه يجب تسجيل كل خطوة حدثت ولماذا حدثت وكيف حدثت، حتى إن تكررت ذات يوم فإنه يمكن العودة إلى السجلات لتقليل المرحلة التي نستغرقها في إدارتها.
المرحلة السابعة: التواصل الداخلي والملكية؛ وبعد الانتهاء من كل المراحل فإنه ينبغي:
1. تحويل الأهداف المؤسسية إلى أهداف على مستوى الإدارات ثم الأفراد.
2. ربطها بنظام تقييم الأداء إن أمكن.
3. خطة تواصل داخلي لضمان فهم الجميع لدورهم.
وبذلك يكون كل فرد في المؤسسة قد عرف دوره في هذه الخطة التي كانت حبرًا على ورق، لتصبح واقعا يوميا يعيشه كل موظف وكل إدارة، فتصبح المؤسسة تعمل وفق هذه الاستراتيجية.
هذه ببساطة خريطة طريق لتحويل الاستراتيجية من مجرد كلام موضوع في الأرفف والمخازن، إلى واقع ملموس تعيشه المؤسسة وأفراد المؤسسة، والكلام في هذا الموضوع طويل، ولكن ما تم عرضه خريطة مختصرة.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك