لم يكن غريبا أن تستغل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مراسم جنازة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي لتحويلها إلى عملية استعراضية غريبة عن البروتوكولات الدبلوماسية العالمية المتبعة في مثل هذه المناسبات لتوديع رؤساء الدول أو القيادات في الدول في مختلف أنحاء العالم بعيدا عن لحظات الوداع وذلك من خلال إطالة أمد هذه الجنازة حيث ما تم إعلانه أكثر من أسبوع تقريبا إضافة إلى إعلان خارطة غريبة لهذا التوديع تبدأ من الأراضي الإيرانية إلى الأراضي العراقية ذهابا وإيابا وهذا أمر لا يحدث مثله في أي بلد من بلدان العالم.
الأمر الثاني الغريب الذي خالفت فيه إيران المعتاد والبرتوكول استخدام الآيات القرآنية الشريفة والمباركة وتوظيفها الدبلوماسي وأيضا الرسائل السياسية المشفرة أو الواضحة خلال تلقي العزاء من وفود الدول الإسلامية وغير ذلك بدلا من الاستقبال وقبول التعازي المعتادة حيث استخدم الإيرانيون الآيات القرآنية التي اختيرت بكل عناية لتلاوتها مع كل وفد من الوفود لتوصيل رسالة سياسية محددة حيث تابع المشاهدون ما عبر القنوات الفضائية العالمية مثل هذه الاستعراضات السياسية باستخدام الآيات القرآنية لإحراج العديد من الدول التي جاءت أصلا أو أرسلت وفودها لتقديم التعازي احتراما للعلاقات بينها وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولكن وفودها تعرضت لنوع من الإحراج المبرمج مسبقا باختيار آيات محددة اخرجت من سياقها لتتلاءم مع الرسالة التي تريد القيادة الإيرانية الجديدة إيصالها إلى هذه الوفود ومن ثم إيصالها إلى الدول، رأينا ذلك مع أكثر من وفد من وفود الدول الإسلامية بوجه خاص.
الأمر الثالث، وظفت إيران هذه الجنازة المطولة زمنيا والواسعة جغرافيا بنوع من الاستعراض الضخم تزامنا مع احتفالات الولايات المتحدة الأمريكية بعيد الاستقلال، وبمناسبة مرور 250 سنة على نشأة هذه الدولة وذلك للإيحاء بوجود نوع من النصر والقوة والوحدة وراء النظام الجديد في إيران وكأنه نجح في تجاوز آثار الحرب المدمرة والضربات القاصمة التي تلقاها هذا النظام خلال الأشهر الماضية.
الأمر الرابع، بالرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح إيران مهلة مدة أسبوع لتنظيم الجنازة وتوديع مرشدها السابق فإنها حاولت استخدام وجود هذه الوفود من مختلف دول العالم كنوع من الدروع البشرية لحماية القيادة الإيرانية المتبقية من أي استهداف يمكن أن يحدث وخاصة من جانب إسرائيل حيث تم تحويل العاصمة الإيرانية طهران إلى ما يشبه الدرع الكبير لحماية هذه القيادات باستخدام هذه الوفود من قادة ودبلوماسيين من مختلف دول العالم التي حضرت لتقديم العزاء.
الأمر الخامس، استغلال النظام الحاكم في إيران هذا الاستعراض الكبير للإيحاء بأن النظام مستتب وأن القوات المسلحة والحرس الثوري يعملان بكفاءة وقادران على ضبط الشارع الإيراني والسيطرة على الفوضى الأمنية التي توقعتها العديد من المتابعين أو توقعها بعض المحللين.
لقد حملت جنازة علي خامنئي العديد من الرسائل السياسية والأمنية التي تحدثت عنها وسائل الإعلام في أكثر من صحيفة وقناة فضائية ولكنها كالعادة تجاوزت البروتوكولات المستخدمة والمعتادة في العالم حيث استخدم المتشددون في طهران كل السبل الدعائية لإيصال رسائلهم السياسية بالإيحاء بأن النظام الجديد لم يتغير ولن يتغير وأنه سوف يتبع نفس النهج المتطرف وأن العالم بوجه عام والمنطقة بوجه خاص سوف تواجه مخاوف وتحديات أمنية مع بقاء هذا النظام، وأن الأمل شبه مفقود بتغير نهج هذا النظام العدواني الذي لم يستخلص الدروس من المواجهات العديدة منذ عام 1979 حتى اليوم.
ولهذا، فمن الواضح انه قد تختلف الأسماء والوجوه ويختلف الحكام في إيران ولكن سياساتهم ورغبتهم بالهيمنة على المنطقة وسياساتهم المتطرفة لن تتغير.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك