العدد : ١٧٦٤٢ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٢ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الطمأنينة.. وإيمان بعد إيمان!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

الإيمان‭ ‬كلمة‭ ‬حين‭ ‬تنكّر‭ ‬تعني‭ ‬التكرار‭ ‬والتجدد،‭ ‬وحين‭ ‬تعرّف‭ ‬بـ‭(‬ال‭) ‬التعريف‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬هي‭.. ‬مهما‭ ‬تعددت،‭ ‬وتكرر‭ ‬ورودها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نص،‭ ‬والاطمئنان‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬اليقين،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬أبي‭ ‬الأنبياء‭ ‬إبراهيم‭ ‬على‭ ‬رسولنا‭ ‬وعليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭: ‬‮«‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬إبراهيم‭ ‬رب‭ ‬أرني‭ ‬كيف‭ ‬تحيي‭ ‬الموتى‭ ‬قال‭ ‬أولم‭ ‬تؤمن‭ ‬قال‭ ‬بلى‭ ‬ولكن‭ ‬ليطمئن‭ ‬قلبي‭ ‬قال‭ ‬فخذ‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬الطير‭ ‬فصرهن‭ ‬إليك‭ ‬ثم‭ ‬اجعل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬جبل‭ ‬منهن‭ ‬جزءًا‭ ‬ثم‭ ‬ادعهن‭ ‬يأتينك‭ ‬سعيًا‭ ‬واعلم‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬عزيز‭ ‬حكيم‮»‬‭ ‬البقرة‭: ‬260‭.‬

إذًا،‭ ‬فنبي‭ ‬الله‭ ‬إبراهيم‭ (‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬السلام‭) ‬يريد‭ ‬إيمان‭ ‬المشاهدة،‭ ‬أما‭ ‬إيمان‭ ‬العلم‭ ‬فهو‭ ‬متحقق،‭ ‬فنبي‭ ‬الله‭ ‬إبراهيم‭ ‬يريد‭ ‬إيمانا‭ ‬يطمئن‭ ‬إليه‭ ‬قلبه،‭ ‬وتطمئن‭ ‬إليه‭ ‬نفسه،‭ ‬قال‭ ‬سبحان‭ ‬وتعالى‭: ‬‮«‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬وتطمئن‭ ‬قلوبهم‭ ‬بذكر‭ ‬الله‭ ‬ألا‭ ‬بذكر‭ ‬الله‭ ‬تطمئن‭ ‬القلوب‮»‬‭ ‬الرعد‭: ‬28‭.‬

كذلك‭ ‬يضرب‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬الأمثال‭ ‬على‭ ‬اليقين‭ ‬المتحقق،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬ضرب‭ ‬الله‭ ‬مثلا‭ ‬قرية‭ ‬كانت‭ ‬آمنة‭ ‬مطمئنة‭ ‬يأتيها‭ ‬رزقها‭ ‬رغدًا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬فكفرت‭ ‬بأنعم‭ ‬الله‭ ‬فأذاقها‭ ‬الله‭ ‬لباس‭ ‬الجوع‭ ‬الخوف‭ ‬بما‭ ‬كانوا‭ ‬يصنعون‮»‬‭ ‬النحل‭: ‬112‭.‬

وسبب‭ ‬هذه‭ ‬المرتبة‭ ‬العظيمة‭ ‬من‭ ‬اليقين‭ ‬التي‭ ‬بلغتها‭ ‬هذه‭ ‬القرية‭ ‬أن‭ ‬رزقها‭ ‬الخاص‭ ‬بها‭ ‬يأتيها‭ ‬رغدًا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬فوافقت‭ ‬أحوالها‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬ضمان‭ ‬المعيشة‭ ‬الهنيئة‭ ‬لها،‭ ‬وهذا‭ ‬الاطمئنان‭ ‬أو‭ ‬الطمأنينة‭ ‬التي‭ ‬ينشدها‭ ‬المؤمن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الشك‭ ‬فيقدر‭ ‬الإيمان‭ ‬على‭ ‬جلاء‭ ‬الهموم،‭ ‬ولقد‭ ‬سئل‭ ‬الإمام‭ ‬علي‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬عن‭ ‬أشد‭ ‬جنود‭ ‬الله؟‭ ‬فقال‭: ‬‮«‬أشد‭ ‬جنود‭ ‬الله‭ ‬عشرة‮»‬‭: ‬الجبال‭ ‬الرواسي،‭ ‬والحديد‭ ‬يقطع‭ ‬الجبال،‭ ‬والنار‭ ‬تذيب‭ ‬الحديد،‭ ‬والماء‭ ‬يطفئ‭ ‬النار،‭ ‬والسحاب‭ ‬يحمل‭ ‬الماء،‭ ‬والريح‭ ‬تحمل‭ ‬السحاب،‭ ‬وابن‭ ‬آدم‭ ‬يغلب‭ ‬الريح،‭ ‬يستتر‭ ‬بالثوب‭ ‬ويمضي‭ ‬لحاجته،‭ ‬والنوم‭ ‬يغلب‭ ‬ابن‭ ‬آدم،‭ ‬والهم‭ ‬يغلب‭ ‬النوم،‭ ‬فأشد‭ ‬جنود‭ ‬الله‭ ‬الهم‭! ‬

ولا‭ ‬أدري‭ ‬هل‭ ‬توقف‭ ‬الإمام‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬أم‭ ‬نسي‭ ‬الراوي‭ ‬جنديًا‭ ‬من‭ ‬جنود‭ ‬الله‭ ‬هو‭ ‬الإيمان؛‭ ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬الهم‭ ‬طوال‭ ‬حياته،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬تغلب‭ ‬الهم،‭ ‬وتسلم‭ ‬المؤمن‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬والاطمئنان،‭ ‬يشعر‭ ‬بعدها‭ ‬بالتصالح‭ ‬مع‭ ‬حياته‭. ‬

ومن‭ ‬أسباب‭ ‬الاطمئنان‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المؤمن‭ ‬رضاه‭ ‬عما‭ ‬ينزل‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قضاء‭ ‬وقبوله‭ ‬وحبوره‭ ‬لما‭ ‬يلقاه‭ ‬من‭ ‬جزاء،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬يا‭ ‬أيتها‭ ‬النفس‭ ‬المطمئنة‭ (‬27‭) ‬ارجعي‭ ‬إلى‭ ‬ربك‭ ‬راضية‭ ‬مرضية‭ (‬28‭) ‬فادخلي‭ ‬في‭ ‬عبادي‭ (‬29‭) ‬وادخلي‭ ‬جنتي‭ (‬30‭)‬‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬الفجر‭. ‬إذًا،‭ ‬فتحقق‭ ‬الطمأنينة‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬الرضا‭ ‬بما‭ ‬يجريه‭ ‬عليك‭ ‬ربك‭ ‬من‭ ‬قضاء،‭ ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬امتحان‭ ‬لإيمانك‭ ‬وقوة‭ ‬يقينك‭ ‬فإن‭ ‬صبرت‭ ‬ورضيت‭ ‬بما‭ ‬قسمه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬والسلب،‭ ‬فقد‭ ‬فزت‭ ‬ونجوت،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تصبر‭ ‬ولم‭ ‬ترض‭ ‬فإن‭ ‬حظك‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬قليل،‭ ‬ونصيبك‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬عليه‭ ‬يسير،‭ ‬والآيات‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الفجر‭ ‬ينادي‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬فيها‭ ‬النفوس‭ ‬المؤمنة‭ ‬بأن‭ ‬يرجعوا‭ ‬إلى‭ ‬ربهم‭ ‬راضين‭ ‬عن‭ ‬البلاء‭ ‬الذي‭ ‬أنزله‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بهم‭ ‬مرضيين‭ ‬بالجزاء‭ ‬الذي‭ ‬أجراه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لهم‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬إسلامنا‭ ‬العظيم،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬شرعه‭ ‬القويم،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬صراطه‭ ‬المستقيم‭ ‬الذي‭ ‬استوعب‭ ‬كل‭ ‬خلق‭ ‬كريم‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا