يبدو أن هذا السؤال مازال مبكراً، والأرجح أن ثمة مغامرة في إثارته، في ظل ما هو معروف من تعقيدات تحيط به، وفي ظل ضعف اليقين حول الكثير من إشكالاته وملامحه.
دعونا نتأمل في معطيات هذا السؤال، الذي مازال افتراضياً حتى الآن، ودعونا نسأل بعض الأسئلة التي ستساعدنا، كما آمل، على شق الطريق أمام الجواب عنه، وربما الأجوبة، وليس الجواب الوحيد عليه.
السؤال الأول: هل نتحدث هنا عن حزب جديد يخرج من رحم الحزب الديمقراطي، على سبيل المثال، أو حزب جديد آخر ينشق عن الحزب الجمهوري؟
السؤال الثاني: لماذا لا يكون الحزب الجديد حزباً جديداً فعلياً؟ ولماذا لا يضم جناحاً من الحزب الديمقراطي، وآخر من الحزب الجمهوري، في نوع من الائتلاف الجديد بين الأجيال الشابة من كلا الحزبين؟
وهنا لا بد من طرح السؤال الثالث، للدخول في صلب الموضوع: ما هو القاسم المشترك الأعظم الذي يمكن أن يتحول إلى برنامج سياسي وطني جامع وشامل وكامل، يؤدي إلى نتيجة كهذه؟
السؤال الذي يلي ذلك مباشرة: هل يوجد من الأسباب الموجبة لتمرد أو انشقاق هذين الجناحين من حزبهما؟ وهل بالإمكان ألا يكون لهذه العملية من ردود الفعل عليها ما يجهضها، وما يعيق نجاحها، وربما ما يهدد انطلاقها؟ نكتفي بهذا القدر من الأسئلة الاستكشافية عند هذه المرحلة من التوجه للكتابة والتفكير والتأمل أيضاً في هذه الإمكانية، على أمل أن تتوافر معطيات ووقائع جديدة تخصها.
الكتابة والتفكير بهذه المسألة، مسألة إمكانية الطريق الثالث، هي من اختصاص الكثير من النخب الفلسطينية والعربية والأمريكية قبل غيرها، وهم يعرفون الواقع الأمريكي، منهم الأكاديمي والمفكر والكاتب والإعلامي والصحفي والناشط السياسي والاجتماعي، ومنهم المنخرط في المعمعان السياسي الأمريكي بصورة يومية ومباشرة.
أقصد أن أمثالنا، نحن من نكتب بهذا الشأن، ليسوا هم الأقدر، وليسوا هم الأمثل بالتصدي لهذه المسألة. ربما لأن الأمر مازال مبكراً، وربما لأن بعضهم يعتبر أن المسألة برمتها مازالت حالة جنينية مفترضة، أو أنها ستبدو حالة استباق مفتعلة.
وربما كل هذا صحيح وحقيقي، لكن الأمر، كما أراه، يستدعي المبادرة ويستحق الاهتمام. أين تكمن هذه الأهمية؟ وأين جوهر هذا الاستحقاق؟
لا يستطيع أحد أن ينكر أن ثمة تفاعلات كبيرة قد جرت، ومازالت تجري، في المجتمع الأمريكي في السنوات الأخيرة، أدت، من بين ما أدت إليه حتى الآن، إلى اتساع منسوب دور ومكانة أجيال أمريكية جديدة وشابة في المجتمع الأمريكي.
صحيح أن هذه التفاعلات قد تبلورت بصورة أكبر وأوضح في صفوف الحزب الديمقراطي الأمريكي، ممثلة بالتيار الذي يتزعمه السيناتور بيرني ساندرز. والصحيح أن هذا التيار كان، ومازال، يثبت حضوراً مميزاً في المشهد السياسي الأمريكي كله.
والصحيح أن ظاهرة الإعلامي الشهير (تاكر كارلسون) المنشق عن الحزب الجمهوري هي ظاهرة جديدة نسبياً مقارنة بالتيار الديمقراطي الاشتراكي داخل الحزب الديمقراطي. إلا أن الصحيح أيضاً أن ثمة علاقة مشتركة قائمة، وستقوم واقعياً وموضوعياً، بين الحالتين.
والحقيقة أن المسألة الجوهرية المشتركة بينهما هي، ويا للمفارقة الكبرى والمدوية، دولة الاحتلال الصهيوني، والموقف من سياسات وممارسات هذه الدولة، وأخطار هذه السياسات على المجتمع الأمريكي، من زوايا ربما تكون مختلفة، لكنها تلتقي عند مصالح مشتركة، حتى لو أتت على خلفيات متغايرة من حيث بعض الاعتبارات وبعض المنطلقات، ومن حيث الأبعاد الثقافية والفكرية.
فظاهرة الإعلامي تاكر كارلسون ترى في إسرائيل كياناً يهدد كامل استراتيجية «أمريكا أولاً»، ولا إمكانية أن تتحقق هذه الاستراتيجية في ظل تحكم هذه الدولة بمؤسسات النظام السياسي الأمريكي على مستويات عدة، وخصوصاً الإدارة الأمريكية والكثير من الإدارات والوزارات، إضافة إلى الدور الذي تلعبه اللوبيات الصهيونية والإسرائيلية في تكبيل آليات انتخاب المجلسين، وفي آليات الإعلام السياسي، وفي آلية ضمان الدعم الأمريكي لهذا الكيان وأولويته المطلقة غالباً، وعلى حساب المصالح الأمريكية أحياناً كثيرة، وبما يحول الولايات المتحدة إلى دولة خاضعة.
ومن ثم، ليست الحقوق الفلسطينية وعدالتها هي المنطلق الأهم، لكنها في الواقع ستتحول تدريجياً إلى مثل هذه المواقف. ليست الحقوق المدنية، ولا حتى الاعتبارات الديمقراطية للمجتمع الأمريكي، بما في ذلك حقوق الفقراء ومطالبهم، ولا حتى مصالحهم، ومصالح اجتماعية واسعة بدأت تئن تحت ضغوطات اقتصادية مرهقة جراء حروب أمريكا، وجراء حرب الألف يوم التي يراها كارلسون والمؤيدون الحاليون والمحتملون أنها حرب خيضت لمصلحة دولة الاحتلال أولاً وثانياً وعاشراً.
مقابل ذلك، يرى التيار الاشتراكي بزعامة السيناتور ساندرز أن الحقوق المدنية والمسائل الديمقراطية المطلبية هي جوهر سياسات هذا التيار من موقع الدور الإمبريالي لأمريكا، بما في ذلك دعم دولة الاحتلال، الذي يرى فيها ذراعاً ضاربة لهذه الإمبريالية، ويرى في الحقوق الفلسطينية حقوقاً عادلة، ولها الأولوية المطلقة، في إشارات ساطعة على أنها مواقف أخلاقية وإنسانية وسياسية، في مواجهة سياسات الإبادة الجماعية، وفي مجابهة عنصرية دولة الاحتلال، وكعار يلحق بأمريكا وشعبها ومجتمعها، طالما أن المؤسسة الأمريكية مستمرة بدعم سياسات وممارسات دولة الاحتلال.
هذا كله يعطينا فكرة أولية عن حجم الكارثة التي تمر بها دولة الاحتلال في أمريكا، التي هي القلعة الأخيرة لها في العالم كله. ويعطينا فكرة أخرى عن حالة العزلة والمنبوذية السياسية التي وصلت إليها في الحصن المتبقي لها، أو كانت تظن أنه الحصن المنيع، بعد أن انفجر في وجهها وعي أوروبي وعالمي جديد، أطاح بكل ما راكمته من أرصدة على مدار عقود كاملة من التزييف والتلفيق والتزوير، ومن ترويج الأكاذيب، ومن فبركة الخرافات والأساطير، وما ألحقته بالوعي الإنساني من أضاليل، وما لوثت به الفكر والثقافة البشرية.
أما الفكرة الأهم التي يجدر بنا أن نفكر بها ملياً فهي أن حرب الإبادة التي أعقبت السابع من أكتوبر قد خلقت من الوقائع والحقائق ما يؤسس أرضية صلبة لتحقيق أهدافنا الوطنية الفلسطينية، أو جزء جوهري منها، وأن مرحلة تاريخية جديدة تؤسس لتصدع المشروع الصهيوني، بعد أن أصبحت دولة الاحتلال مطاردة من شعوب العالم كله، ومن المجتمعات المدنية في هذا العالم، وهي مرشحة قوية لكي تطارد من دول الغرب، مهما بدت الأمور وكأنها مازالت بعيدة.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك