العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا يكرر العرب تجارب التفاوض الفاشلة مع إسرائيل؟

بقلم: معتصم حمادة {

الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

إن‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬فيه‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المخاطرة‭ ‬والمغامرة،‭ ‬بل‭ ‬المقامرة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الأحيان‭.‬

فإسرائيل‭ ‬ترضى‭ ‬بالذهاب‭ ‬إلى‭ ‬المفاوضات‭ ‬حين‭ ‬تفشل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬كل‭ ‬أهدافها‭ ‬بالقوة‭ ‬وبالحرب،‭ ‬لذا‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬المفاوضات‭ ‬لتحقق‭ ‬بالدبلوماسية‭ ‬وبالمفاوضات‭ ‬ما‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬تحقيقه‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬حين‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬إخماد‭ ‬نار‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الوطنية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ (‬مؤتمر‭ ‬مدريد‭)‬،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تقيم‭ ‬أي‭ ‬احترام‭ ‬لأي‭ ‬نصوص‭ ‬واتفاقات‭ ‬يتم‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬مع‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭.‬

يقول‭ ‬إسحق‭ ‬رابين‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الأسبق‭ ‬تعليقا‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬نصوص‭ ‬مقدسة‭. ‬نحن‭ ‬نطبق‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬ما‭ ‬يخدم‭ ‬مصلحة‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأمنها،‭ ‬وعندما‭ ‬يتضح‭ ‬لنا‭ ‬أثناء‭ ‬التطبيق‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬نصاً‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬إسرائيل،‭ ‬نلجأ‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬تعديله‭ ‬في‭ ‬الميدان،‭ ‬فنطبق‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬خدمتنا،‭ ‬ولا‭ ‬نكلف‭ ‬أنفسنا‭ ‬عناء‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭ ‬لتعديل‭ ‬النص‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬إسرائيل‭ ‬حين‭ ‬أسقطت‭ ‬تاريخ‭ ‬13‭/‬12‭/‬1993‭ ‬من‭ ‬حساباتها،‭ ‬ورفض‭ ‬الشروع‭ ‬بالتفاوض‭ ‬حول‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬وأريحا،‭ ‬وأجل‭ ‬رابين‭ ‬التطبيق‭ ‬إلى‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬رأى‭ ‬أنها‭ ‬المناسبة‭ ‬لإسرائيل‭.‬

وعلى‭ ‬الدوام‭ ‬يصرح‭ ‬قادة‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬جمهورهم،‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الاتفاق،‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬كاشف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نصوص‭ ‬الاتفاق‭ ‬لا‭ ‬يلزمها‭ ‬بتطبيقه‭. ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬أعلن‭ ‬رابين‭ ‬خلافاً‭ ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو،‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لن‭ ‬تنسحب‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬وأنها‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬بإقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إسرائيل‭. ‬حديث‭ ‬رابين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مناورة‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬اعترافاً‭ ‬بأن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬توقعه‭ ‬إسرائيل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬مشروعها‭ ‬الاستعماري‭ ‬الأساسي،‭ ‬ولن‭ ‬يلغيه‭. ‬وما‭ ‬تعيشه‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬الآن‭ ‬يؤكد‭ ‬صحة‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬أقوال‭ ‬رابين،‭ ‬عن‭ ‬الإجماع‭ ‬الصهيوني‭ ‬على‭ ‬إعدام‭ ‬أي‭ ‬فرصة‭ ‬لإقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إسرائيل‭.  ‬لأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬مازالت‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية،‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للدولة،‭ ‬هو‭ ‬إعلان‭ ‬ببداية‭ ‬نهاية‭ ‬إسرائيل،‭ ‬لذا‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توافق‭ ‬عليه‭ ‬إسرائيل‭ ‬عبر‭ ‬المفاوضات،‭ ‬هو‭ ‬حكم‭ ‬إداري‭ ‬ذاتي‭ ‬محدود‭ ‬الصلاحيات‭ ‬والولاية‭ ‬الجغرافية‭.‬

أما‭ ‬الراعي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬كما‭ ‬اعترف‭ ‬المفاوض‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬فليس‭ ‬راعياً‭ ‬محايداً‭ ‬أو‭ ‬نزيهاً‭ ‬أو‭ ‬شفافاً‭. ‬يقول‭ ‬كبير‭ ‬المفاوضين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬السابق‭ ‬الراحل‭ ‬د‭. ‬صائب‭ ‬عريقات‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬الحياة‭ ‬مفاوضات‮»‬‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭:‬

الراعي‭ ‬الأمريكي‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬منحازاً‭ ‬للجانب‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ولم‭ ‬نكن‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطراف‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬بل‭ ‬كنا‭ ‬طرفين‭ ‬اثنين،‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والأمريكي‭ ‬والإسرائيلي‭ ‬معا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

ويضيف‭ ‬عريقات‭: ‬عند‭ ‬تفسير‭ ‬النصوص‭ ‬كان‭ ‬الراعي‭ ‬الأمريكي‭ ‬يفسرها‭ ‬لمصلحة‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وعندما‭ ‬كان‭ ‬الأمريكي‭ ‬يحضر‭ ‬للمفاوضات،‭ ‬يتشاور‭ ‬معنا‭ ‬مسبقاً‭ ‬باقتراحاته،‭ ‬وينقل‭ ‬رأينا‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬قبل‭ ‬الجلوس‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يطلعنا‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬مشاوراته‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

ويؤكد‭ ‬الراحل‭ ‬عريقات‭ ‬أن‭ ‬الراعي‭ ‬الأمريكي‭ ‬كان‭ ‬دائماً‭ ‬من‭ ‬التيار‭ ‬الصهيوني،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬إسرائيل،‭ ‬منهم‭ ‬مثلاً‭ ‬دينيس‭ ‬روس‭ ‬‮«‬الوسيط‭ ‬الشهير‭ ‬الذي‭ ‬امتاز‭ ‬بصهيونيته‭ ‬وانحيازه‭ ‬الفاقع‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬انحيازه‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بالمقالات‭ ‬التي‭ ‬ينشرها‭ ‬عبر‭ ‬معهد‭ ‬واشنطن‭ ‬للشرق‭ ‬الأدنى‭.‬

وتجربة‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وسوريا،‭ ‬كما‭ ‬كشف‭ ‬عنها‭ ‬كبير‭ ‬المفاوضين‭ ‬السوري‭ ‬آنذاك‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬فاروق‭ ‬الشرع‭ ‬في‭ ‬مذكراته،‭ ‬‮«‬الجانب‭ ‬الآخر‮»‬‭ ‬كشف‭ ‬ألاعيب‭ ‬المفاوضات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ومناوراتها،‭ ‬وعندما‭ ‬أوقف‭ ‬المفاوضات‭ ‬لعقمها‭ ‬وكونها‭ ‬باتت‭ ‬تشكل‭ ‬خدمة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬اتهم‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬بيل‭ ‬كلينتون‭ ‬سوريا‭ ‬بتعطيل‭ ‬المفاوضات‭ ‬وعرقلتها،‭ ‬ومَنَحَ‭ ‬إسرائيل‭ ‬البراءة‭ ‬التامة‭.‬

رب‭ ‬قائل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق؛‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬التفاوضية‭ ‬لمصر‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬كانت‭ ‬ناجحة،‭ ‬وأن‭ ‬القاهرة‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬إلى‭ ‬سيادتها‭ ‬كل‭ ‬شبر‭ ‬من‭ ‬أرضها،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬طابا‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬قضية‭ ‬خلافية‭ ‬نجحت‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬استعادتها‭ ‬عبر‭ ‬التحكيم‭ ‬الدولي‭.‬

أقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭: ‬إن‭ ‬قضية‭ ‬طابا‭ ‬هي‭ ‬الاستثناء‭ ‬وليست‭ ‬القاعدة‭. ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬استعيد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬عن‭ ‬اتفاق‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد‭ ‬بجوانبه‭ ‬المختلفة‭ ‬لولا‭ ‬صلابة‭ ‬الدول‭ ‬المصرية‭ ‬لما‭ ‬رضخت‭ ‬إسرائيل‭ ‬لقرار‭ ‬هيئة‭ ‬التحكيم‭ ‬الدولية،‭ ‬فالمعروف‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭ ‬أنها‭ ‬دولة‭ ‬متمردة‭ ‬على‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬وقوانينها‭ ‬منذ‭ ‬القرار‭ ‬181،‭ ‬الذي‭ ‬قضى‭ ‬بإقامة‭ ‬دولتين،‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬فلسطينية‭.‬

العبرة‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬طابا‭ ‬أن‭ ‬المفاوضات‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تدبيج‭ ‬الكلمات،‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬النصوص‭ ‬القانونية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭ ‬هي‭ ‬التعبير‭ ‬الصادق‭ ‬عن‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬الميدان‭.‬

ولولا‭ ‬مكانة‭ ‬مصر‭ ‬وقوتها‭ ‬وصلابتها‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬لما‭ ‬تم‭ ‬تنفيذ‭ ‬قرار‭ ‬التحكيم‭ ‬في‭ ‬طابا،‭ ‬فعندما‭ ‬يكون‭ ‬فريقك‭ ‬إلى‭ ‬المفاوضات‭ ‬صلباً‭ ‬وقوياً،‭ ‬وجاهزاً‭ ‬لقلب‭ ‬الطاولة،‭ ‬ليس‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬عضلاته‭ ‬الجسدية‭ ‬أو‭ ‬الفكرية،‭ ‬بل‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬الميدان،‭ ‬يصبح‭ ‬مهما‭ ‬ان‭ ‬تلحق‭ ‬الهزيمة‭ ‬بالعدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ميدانيا‭ ‬لكي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نلحق‭ ‬به‭ ‬الهزيمة‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭.‬

{ عضو‭ ‬المكتب‭ ‬السياسي‭ ‬للجبهة

الديمقراطية‭ ‬لتحرير‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا