العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أزمة الإعلام العربي وأهمية ثقافة المشاركة

بقلم: د. عواطف عبدالرحمن {

الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

يمر‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬حاليًا‭ ‬بمرحلة‭ ‬تحول‭ ‬انتقالي‭ ‬بالغة‭ ‬الصعوبة‭ ‬والتعقيد،‭ ‬تتشابك‭ ‬فيها‭ ‬التحولات‭ ‬العالمية‭ ‬والدولية‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬المحلية‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والثقافية،‭ ‬ويتم‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬عربي‭ ‬بانورامي‭ ‬يزخر‭ ‬بالتناقضات،‭ ‬حيث‭ ‬يتزامن‭ ‬القديم‭ ‬والجديد،‭ ‬والوافد‭ ‬والموروث‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفاعل‭ ‬حقيقي،‭ ‬وتهيمن‭ ‬فيه‭ ‬السياسة‭ ‬على‭ ‬الثقافة،‭ ‬وتتسع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬التقليدي‭ ‬والعصري‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة،‭ ‬وتخضع‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬لضغوط‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المرئي‭ ‬والمسموع‭.‬

ورغم‭ ‬التحسن‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬إذ‭ ‬اتسعت‭ ‬هوامش‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصحف‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الأفق‭ ‬الرحب‭ ‬الذي‭ ‬أتاحته‭ ‬الفضائيات،‭ ‬لكن‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬التحسن‭ ‬النسبي‭ ‬محدودًا،‭ ‬فهناك‭ ‬صراع‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬تيار‭ ‬الإصلاح‭ ‬المطالب‭ ‬بإطلاق‭ ‬الحريات،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة،‭ ‬والتيار‭ ‬المناهض‭ ‬للحريات،‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬دأبًا‭ ‬لتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬والإعلام‭. ‬والواقع‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للإعلام‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بدوره‭ ‬التنويري‭ ‬سياسيًا‭ ‬وثقافيًا‭ ‬واجتماعيًا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إطار‭ ‬ثقافي‭-‬اجتماعي‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬الممارسة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ومبادئها‭. ‬ويشير‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬تتداخل‭ ‬وتتلاقح‭:‬

1-‭ ‬ثقافة‭ ‬الخضوع‭ ‬والاستكانة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬الأبوية‭ ‬السلطوية‭ ‬للمجتمع‭ ‬العربي‭ ‬البطريركي‭.‬

2-‭ ‬ثقافة‭ ‬التبعية‭ ‬التي‭ ‬تكرس‭ ‬التقليد‭ ‬والاقتباس‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬بشقيها‭ ‬الأنجلوفوني‭ ‬والفرانكفوني،‭ ‬وتسود‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬بين‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وتترسخ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المرئي‭ ‬والمقروء‭ ‬والمسموع‭.‬

3-‭ ‬ثقافة‭ ‬المشاركة‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للممارسة‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وتشهد‭ ‬تراجعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬

وهذا‭ ‬يعنى‭ ‬أن‭ ‬أنماط‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬لا‭ ‬يشجع‭ ‬الممارسة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬بل‭ ‬يساند‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬والإعلامية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التعددية‭ ‬الشكلية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنة‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬والإعلامية‭.‬

وهنا‭ ‬يجب‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬حماية‭ ‬الثقافة‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬السوق‭ ‬وسيادة‭ ‬الطابع‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬التجاري،‭ ‬ومحاولات‭ ‬المستثمرين‭ ‬ورجال‭ ‬المال‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬تسليع‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المسلسلات‭ ‬والمنوعات‭ ‬والإعلانات،‭ ‬وتهميش‭ ‬الثقافات‭ ‬الجادة‭.‬

ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬التحديات‭ ‬المعلوماتية‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬حقيقة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حقيقة‭ ‬ثقافية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬فالمعلومات‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الجموع‭ ‬العريضة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬الريف‭ ‬والحضر‭ ‬بسبب‭ ‬انتشار‭ ‬الفقر‭ ‬والأمية‭ ‬والقيود‭ ‬الاعلامية،‭ ‬ولذلك‭ ‬يعتبر‭ ‬التدفق‭ ‬الحر‭ ‬للمعلومات‭ ‬وسيلة‭ ‬لتدعيم‭ ‬الصمت‭ ‬لدى‭ ‬غالبية‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬الذين‭ ‬يلجأون‭ ‬إلى‭ ‬البرامج‭ ‬الرياضية‭ ‬والترفيهية‭ ‬وغيرها،‭ ‬مثل‭ ‬البرامج‭ ‬الحوارية‭ ‬التي‭ ‬يتحرك‭ ‬معظمها‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬المسموح‭ ‬به‭.‬

وتجسد‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت‭ ‬جماع‭ ‬التناقضات‭ ‬والمزايا‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات،‭ ‬فقد‭ ‬حققت‭ ‬الانتشار‭ ‬والتفوق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الوسائل‭ ‬الإعلامية‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولكن‭ ‬الواقع‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬المستحدثة،‭ ‬مثل‭ ‬الفجوة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تتوج‭ ‬الفجوات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الابتزاز‭ ‬المعلوماتي،‭ ‬وتوطين‭ ‬النزعة‭ ‬الترفيهية،‭ ‬وترويج‭ ‬اتجاهات‭ ‬عنصرية‭.‬

وتشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشغل‭ ‬مواقع‭ ‬المستهلكين‭ ‬للمنتجات‭ ‬المعلوماتية‭ ‬الغربية‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المعلوماتية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عمليات‭ ‬نقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الاتصالية‭ ‬لم‭ ‬يستفد‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬رجال‭ ‬البنوك‭ ‬والتكنوقراط‭ ‬والمعلنين،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬تمركز‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬وحرمان‭ ‬أهالي‭ ‬الريف‭ ‬والبوادي‭ ‬من‭ ‬الصحف،‭ ‬مع‭ ‬ندرة‭ ‬الإذاعات‭ ‬المسموعة‭ ‬والمرئية‭ ‬في‭ ‬الأطراف‭ ‬والمناطق‭ ‬النائية‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬أزمة‭ ‬الإعلاميين‭ ‬العرب،‭ ‬التي‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬برامج‭ ‬التأهيل‭ ‬والتدريب،‭ ‬وغياب‭ ‬التقاليد‭ ‬الديمقراطية‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية،،‭ ‬وعدم‭ ‬توافر‭ ‬وتفعيل‭ ‬ضمانات‭ ‬ممارسة‭ ‬المهنة‭ (‬التشريعات‭ ‬والقوانين‭ ‬ومواثيق‭ ‬الشرف‭)‬،‭ ‬مضافًا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬التأثير‭ ‬السلبي‭ ‬للإعلانات‭ ‬والمعلنين،‭ ‬وضعف‭ ‬النقابات‭ ‬الإعلامية‭ ‬أو‭ ‬غيابها،‭ ‬وهناك‭ ‬غياب‭ ‬للإعلام‭ ‬المعبر‭ ‬عن‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات،‭ ‬وغياب‭ ‬المفهوم‭ ‬التنموي‭ ‬للعمل‭ ‬الأهلي،‭ ‬وعدم‭ ‬قدرة‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الطابع‭ ‬الدعائي‭ ‬للإعلام‭ ‬عن‭ ‬أنشطتهم‭.‬

والسؤال‭ ‬المطروح‭: ‬ما‭ ‬العمل‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تحاصر‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬وتحول‭ ‬دون‭ ‬تفعيل‭ ‬حق‭ ‬المعرفة‭ ‬للمواطنين؟

لا‭ ‬شك‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬وتفعيل‭ ‬ثقافة‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬بدءًا‭ ‬بالأسرة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والثقافية‭ ‬والإعلامية‭.‬

{‭ ‬وكيلة‭ ‬كلية‭ ‬الإعلام

‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة‭ ‬سابقا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا