العدد : ١٧٦٣٨ - الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٨ - الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يحق لمجلس السلام إلغاء دور وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»؟!

بقلم: واصل الخطيب

الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬خطوة‭ ‬تحمل‭ ‬دلالات‭ ‬سياسية‭ ‬عميقة،‭ ‬أثار‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أسسه‭ ‬الرئيس‭ ‬الامريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الوقف‭ ‬المزعوم‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الجدل‭ ‬مجددًا‭ ‬بشأن‭ ‬مستقبل‭ ‬وكالة‭ ‬غوث‭ ‬وتشغيل‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ (‬الأونروا‭) ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعوته‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬دور‭ ‬الوكالة‭ ‬وإلغاء‭ ‬مقارها‭ ‬في‭ ‬القطاع‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الدعوة‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬السياسي‭ ‬الأوسع،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مشاريع‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬غزة‭ ‬وما‭ ‬يرافقها‭ ‬من‭ ‬مقترحات‭ ‬حول‭ ‬هوية‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬القطاع‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭.‬

وتطرح‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬أسئلة‭ ‬مصيرية‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬قضية‭ ‬اللاجئين،‭ ‬والترتيبات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭..‬‭. ‬فلم‭ ‬تقتصر‭ ‬تصريحات‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الإداري،‭ ‬بل‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬سياسية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تفريغ‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭ ‬كقضية‭ ‬شعب‭ ‬يئن‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاسرائيلي،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬مساعدات‭ ‬إنسانية‮»‬‭. ‬

‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬كما‭ ‬وصفته‭ ‬‮«‬لجان‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‮»‬،‭ ‬يمثل‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬تدمير‭ ‬شامل‭ ‬يستهدف‭ ‬الشعب‭ ‬والقضية‭ ‬معًا‮»‬‭. ‬فـ«الأونروا‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مؤسسة‭ ‬إغاثية؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تجسيد‭ ‬للاعتراف‭ ‬الدولي‭ ‬باستمرارية‭ ‬حق‭ ‬العودة،‭ ‬ورمز‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬استهدافها‭ ‬يُقرأ‭ ‬كمحاولة‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬سياسي‭ ‬جديد‭ ‬يلغي‭ ‬البعد‭ ‬الوطني‭ ‬للصراع‭.‬

وترى‭ ‬الفصائل‭ ‬والقوى‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬‮«‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬انحياز‭ ‬واضح‭ ‬للأجندة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬بهدف‭ ‬إلغاء‭ ‬حق‭ ‬العودة‭ ‬وتقويض‭ ‬الحقوق‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الثابتة‮»‬‭. ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الوكالة‭ ‬أنشئت‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬رقم‭ ‬302‭ ‬لعام‭ ‬1949،‭ ‬وأن‭ ‬حلها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬إلا‭ ‬بقرار‭ ‬مماثل‭ ‬من‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬القانوني‭ ‬يمنح‭ ‬‮«‬الأونروا‮»‬‭ ‬حصانة‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬قرارات‭ ‬أحادية،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬محاولة‭ ‬تجاوزها‭ ‬لا‭ ‬تلغي‭ ‬الحقوق‭ ‬التاريخية‭ ‬والقانونية‭ ‬للاجئين‭. ‬وقد‭ ‬حذر‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أنطونيو‭ ‬جوتيريش‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬مساس‭ ‬بعمل‭ ‬الوكالة‭ ‬أو‭ ‬ممتلكاتها‭ ‬يُعد‭ ‬انتهاكًا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬واتفاقية‭ ‬حصانات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لعام‭ ‬1946‭ .‬

تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬توجهات‭ ‬أمريكية‭ ‬وإسرائيلية‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬‮«‬الأونروا‮»‬،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬هو‭ ‬‮«‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬الاستراتيجية‮»‬‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭.‬

ويُطرح‭ ‬سيناريو‭ ‬استبدالها‭ ‬بوكالات‭ ‬أممية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬برنامج‭ ‬الأغذية‭ ‬العالمي‭ ‬ومنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬أو‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬محلية‭ ‬مدعومة‭ ‬بقوات‭ ‬عربية‭ ‬ودولية‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬يواجه‭ ‬عقبات‭ ‬جمة؛‭ ‬أبرزها‭ ‬الفراغ‭ ‬الخدماتي‭ ‬الهائل‭ ‬الذي‭ ‬ستخلفه‭ ‬الوكالة،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬سلطة‭ ‬محلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التعقيدات‭ ‬البيروقراطية‭ ‬واللوجستية‭ ‬لنقل‭ ‬مهام‭ ‬توظف‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬29‭ ‬ألف‭ ‬موظف،‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬أنفسهم‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الخانقة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مساس‭ ‬بعمل‭ ‬‮«‬الأونروا‮»‬‭ ‬يُعد‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لحياة‭ ‬الملايين؛‭ ‬فالوكالة‭ ‬تُعتبر‭ ‬‮«‬العمود‭ ‬الفقري‮»‬‭ ‬لتقديم‭ ‬التعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والمساعدات‭ ‬الغذائية‭ ‬لما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬5‭.‬9‭ ‬ملايين‭ ‬لاجئ‭ ‬فلسطيني‭. ‬وقد‭ ‬طالبت‭ ‬الفصائل‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بضرورة‭ ‬تعزيز‭ ‬دعم‭ ‬‮«‬الأونروا‮»‬‭ ‬وضمان‭ ‬استمراريتها،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬إنسانية‭ ‬حادة،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يمثل‭ ‬‮«‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬المسؤولية‮»‬‭. ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإلغاء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬تعميقًا‭ ‬للمعاناة‭ ‬وخلقًا‭ ‬لفراغ‭ ‬إنساني‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أطراف‭ ‬أخرى‭ ‬تعويضه‭.‬

يحمل‭ ‬ملف‭ ‬‮«‬الأونروا‮»‬‭ ‬أبعادًا‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية،‭ ‬حيث‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كساحة‭ ‬للصراع‭ ‬على‭ ‬النفوذ؛‭ ‬فالدول‭ ‬المانحة‭ ‬والجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬الدولية‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطًا‭ ‬متباينة‭ ‬بين‭ ‬الدعوات‭ ‬للإصلاح‭ ‬أو‭ ‬الإلغاء‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تسعى‭ ‬لمنح‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬صلاحيات‭ ‬واسعة‭ ‬تشبه‭ ‬‮«‬أمما‭ ‬متحدة‭ ‬جديدة‮»‬‭ ‬تقوم‭ ‬فيها‭ ‬دول‭ ‬مختارة‭ ‬بصنع‭ ‬القرار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬تخوفات‭ ‬غربية‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬آلية‭ ‬موازية‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سند‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭.‬

إن‭ ‬دعوة‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬لإلغاء‭ ‬عمل‭ ‬‮«‬الأونروا‮»‬‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬إداري،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حلقة‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬سياسي‭ ‬طويل‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭-‬الإسرائيلي،‭ ‬وهنا‭ ‬نستذكر‭ ‬مقولة‭ ‬حكيم‭ ‬الثورة‭ ‬الراحل‭ ‬جورج‭ ‬حبش‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الصراع‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬مائة‭ ‬عام‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬فعلى‭ ‬قصيري‭ ‬النفس‭ ‬أن‭ ‬يتنحوا‭ ‬جانبا‮»‬‭.‬

ورغم‭ ‬التحديات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الوكالة‭ ‬فإن‭ ‬محاولة‭ ‬شطبها‭ ‬تتصادم‭ ‬مع‭ ‬الحقائق‭ ‬القانونية‭ ‬والإنسانية‭ ‬والسياسية‭. ‬فـ«الأونروا‮»‬‭ ‬تظل،‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة،‭ ‬السقف‭ ‬الدولي‭ ‬لحق‭ ‬اللاجئين‭ ‬والضامن‭ ‬الأبرز‭ ‬لاستمرار‭ ‬قضيتهم‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال‭ ‬الدولي،‭ ‬وأي‭ ‬محاولة‭ ‬لتجاوزها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬شاملة،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬أحادية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬بالقوة‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا