في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، أثار ما يُعرف بـ«مجلس السلام» الذي أسسه الرئيس الامريكي دونالد ترامب في أعقاب الوقف المزعوم لإطلاق النار في القطاع الجدل مجددًا بشأن مستقبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في غزة، وذلك من خلال دعوته إلى إنهاء دور الوكالة وإلغاء مقارها في القطاع. لا يمكن قراءة هذه الدعوة بمعزل عن السياق السياسي الأوسع، وخاصة في ظل الحديث عن مشاريع إعادة إعمار غزة وما يرافقها من مقترحات حول هوية القائم على إدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.
وتطرح هذه الخطوة أسئلة مصيرية حول مستقبل قضية اللاجئين، والترتيبات الدولية في الأراضي الفلسطينية، وطبيعة الصراع السياسي القائم... فلم تقتصر تصريحات «مجلس السلام» على الجانب الإداري، بل كشفت عن رؤية سياسية تهدف إلى «تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها كقضية شعب يئن تحت الاحتلال الاسرائيلي، والحد من طبيعة الصراع إلى مجرد قضية مساعدات إنسانية».
إن هذا التوجه، كما وصفته «لجان المقاومة في فلسطين»، يمثل «مشروع تدمير شامل يستهدف الشعب والقضية معًا». فـ«الأونروا» ليست مجرد مؤسسة إغاثية؛ بل هي تجسيد للاعتراف الدولي باستمرارية حق العودة، ورمز للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية. ومن هنا فإن استهدافها يُقرأ كمحاولة لفرض واقع سياسي جديد يلغي البعد الوطني للصراع.
وترى الفصائل والقوى الفلسطينية أن هذه الدعوات «تكشف عن انحياز واضح للأجندة الإسرائيلية، بهدف إلغاء حق العودة وتقويض الحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة». وتؤكد أن الوكالة أنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، وأن حلها لا يمكن أن يتم إلا بقرار مماثل من الجمعية العامة.
إن هذا البعد القانوني يمنح «الأونروا» حصانة ضد أي قرارات أحادية، حيث إن محاولة تجاوزها لا تلغي الحقوق التاريخية والقانونية للاجئين. وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من أن أي مساس بعمل الوكالة أو ممتلكاتها يُعد انتهاكًا للقانون الدولي واتفاقية حصانات الأمم المتحدة لعام 1946 .
تشير الدراسات الاستراتيجية إلى وجود توجهات أمريكية وإسرائيلية تدعو إلى تفكيك «الأونروا»، معتبرة أن قطاع غزة هو «نقطة الانطلاق الاستراتيجية» لتحقيق ذلك.
ويُطرح سيناريو استبدالها بوكالات أممية أخرى مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، أو الاعتماد على هيئة محلية مدعومة بقوات عربية ودولية.
لكن هذا الطريق يواجه عقبات جمة؛ أبرزها الفراغ الخدماتي الهائل الذي ستخلفه الوكالة، وخاصة في ظل غياب سلطة محلية قادرة على تحمل المسؤولية، إضافة إلى التعقيدات البيروقراطية واللوجستية لنقل مهام توظف ما يقارب 29 ألف موظف، غالبيتهم من اللاجئين أنفسهم.
في ظل الأزمة الإنسانية الخانقة التي يعيشها قطاع غزة، فإن أي مساس بعمل «الأونروا» يُعد تهديدًا مباشرًا لحياة الملايين؛ فالوكالة تُعتبر «العمود الفقري» لتقديم التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الغذائية لما يزيد على 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني. وقد طالبت الفصائل الفلسطينية بضرورة تعزيز دعم «الأونروا» وضمان استمراريتها، وخاصة في غزة التي تعاني من أزمة إنسانية حادة، مؤكدة أن هذا يمثل «أعلى درجات المسؤولية». لذا فإن الحديث عن الإلغاء في هذا التوقيت يحمل في طياته تعميقًا للمعاناة وخلقًا لفراغ إنساني قد لا تستطيع أطراف أخرى تعويضه.
يحمل ملف «الأونروا» أبعادًا إقليمية ودولية، حيث يُنظر إليه كساحة للصراع على النفوذ؛ فالدول المانحة والجهات الفاعلة الدولية تواجه ضغوطًا متباينة بين الدعوات للإصلاح أو الإلغاء.
وفي هذا السياق، تشير بعض المصادر إلى أن الولايات المتحدة تسعى لمنح «مجلس السلام» صلاحيات واسعة تشبه «أمما متحدة جديدة» تقوم فيها دول مختارة بصنع القرار، وهو ما يثير تخوفات غربية من خلق آلية موازية للأمم المتحدة من دون سند من القانون الدولي.
إن دعوة «مجلس السلام» لإلغاء عمل «الأونروا» في غزة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي حلقة في صراع سياسي طويل يهدف إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهنا نستذكر مقولة حكيم الثورة الراحل جورج حبش: «إن الصراع قد يمتد مائة عام أو أكثر، فعلى قصيري النفس أن يتنحوا جانبا».
ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه الوكالة فإن محاولة شطبها تتصادم مع الحقائق القانونية والإنسانية والسياسية. فـ«الأونروا» تظل، حتى اللحظة، السقف الدولي لحق اللاجئين والضامن الأبرز لاستمرار قضيتهم على جدول الأعمال الدولي، وأي محاولة لتجاوزها تحتاج إلى تسوية سياسية شاملة، وليس إلى قرارات أحادية تهدف إلى فرض واقع جديد بالقوة.
{ كاتب وإعلامي فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك