في خطاب المناسبات الوطنية تميل الكلمات الرسمية غالبا إلى صيغة الجماعة الغائبة: «المرأة البحرينية حققت»، «المرأة البحرينية أنجزت». وحدها صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة عاهل البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، بمناسبة اليوبيل الفضي لتأسيس المجلس، اختارت صيغة مختلفة تستحق التوقف عندها: «إن ما تحقق من إنجازات هو ثمرة عزيمتك، وإصرارك، وإيمانك بأهمية المشاركة في بناء الوطن».
إن توافق الاحتفال باليوبيل الفضي للمجلس مع تسمية هذا العام باسم «عيسى الكبير» ليس مصادفة تقويمية طارئة، وإنما إشارة تحمل دلالة فكرية بالغة. فاختيار عام واحد ليحمل ذكرى مؤسس الدولة الحديثة، مع اكتمال ربع قرن على تأسيس مؤسسة رعاية شؤون المرأة في العام نفسه، يفتح سؤالا أوسع: هل بناء الدولة وبناء مكانة المرأة فيها مساران منفصلان يلتقيان أحيانا، أم أنهما في جوهرهما مسار واحد لا ينفصل؟ الإجابة التي تحملها كلمة سموها تؤكد الخيار الثاني، إذ ربطت استمرارية الدولة الحديثة باستمرارية دور المرأة فيها، من دون أن تجعل أحدهما تابعا للآخر.
الفرق بين «هي أنجزت» و«أنتِ أنجزتِ» ليس فرقا نحويا بحتا، وإنما فرق فيمن يتحمل مسؤولية التاريخ. فحين يُقال «المرأة البحرينية»، يتحول الفاعل إلى كيان مجرد لا وجه له ولا اسم، يمكن أن يُنسب إليه أي شيء من دون أن يقف أحد بعينه خلف الجملة. أما حين يُقال «أنتِ»، فالفاعل يستعيد حضوره الفردي: امرأة بعينها اتخذت قرارا بعينه، في لحظة بعينها، من دون ضمان مسبق بأن التاريخ سيكافئها. هذا الخيار اللغوي يحمّل كل امرأة وزن إنجازها الشخصي، عوضا عن أن يذيبه في إنجاز جماعي مجهول الملامح.
هذا الاعتراف اللغوي لا ينفصل عن واقع ملموس يؤكد صحته؛ فمنذ تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، شهدت نسبة تمثيل المرأة في الحقائب الوزارية تضاعفا واضحا، وارتفع حضورها في السلك الدبلوماسي ارتفاعا لافتا، وتوسّع تمثيلها في السلطة التشريعية والقضائية إلى مستويات لم تكن قائمة قبل عقدين.
إن هذا التحول هو الدليل الملموس على أن «عزيمتك» التي خاطبت بها سموها كل امرأة لم تبق حبيسة الخطاب، وإنما تُرجمت إلى مواقع فعلية في صنع القرار.
إن مما يميز مسيرة المجلس الأعلى للمرأة أنه اختار أن يعمل بانفتاح مستمر مع الجمعيات واللجان النسائية الأهلية، وأن يبقي قنوات التشاور معها حاضرة. هذا الانفتاح ليس ملمحا إداريا هامشيا، وإنما امتدادا لنفس المنطق الذي تحدثت عنه سموها في خطابها: أن الإرادة النسائية واحدة أينما وُجدت، سواء تجسدت في مؤسسة رسمية كبرى أو في جمعية أهلية صغيرة، وأن العمل الجاد يقوم على جمع هذه الإرادات لا تفريقها.
فالفارق بين أن تُقال كلمة «شراكة» في خطاب، وأن تتجسد في مقاعد وزارية وقضائية ودبلوماسية فعلية، هو الفارق بين النية الحسنة والإنجاز المؤسسي الفعلي. وهذا بالضبط ما يمنح كلمة سموها ثقلها: أنها لا تصف طموحا مستقبليا، وإنما تُلخّص واقعا تحقق بالفعل على مدى خمسة وعشرين عاما.
إن كلمة سموها لم تتوقف عند الاعتراف بالماضي، وإنما أضافت: «والمستقبل القادم يحمل فرصا أوسع، ومسؤوليات أكبر». هذا يعني أن صيغة المخاطب المباشر ليست أداة لتوزيع الفضل فقط، وإنما أداة لتوزيع المسؤولية أيضا. فإذا قيل «أنتِ» بدل «هي»، فإن المستقبل أيضا يصبح مُلقى على عاتق كل امرأة بعينها، لا على كيان جماعي مجهول يمكن أن يتوارى أحد خلفه.
ولقد ختمت سموها رسالتها بثلاثة أوصاف دقيقة: «شريكة في القرار، وصوتا للحكمة، وعنوانا للعطاء». هذه ليست صفات مترادفة تكرر معنى واحدا، وإنما ثلاثة أدوار متمايزة: الأول سياسي يتمثل في الشراكة في القرار، والثاني فكري تجسّده الحكمة كصوت لا كصفة، والثالث اجتماعي يتبدّى في العطاء كعنوان يُعرف به صاحبه. هذا التقسيم الثلاثي يكشف أن الخطاب لم يكتف بتكريم إنجاز واحد، وإنما رسم خارطة لثلاثة مسارات متوازية تتقدم فيها المرأة معا.
إن هذا ما يجعل خمسة وعشرين عاما من عمل المجلس الأعلى للمرأة أكثر من محطة زمنية تُحصى بالسنوات فحسب. فهي مسافة تحوّلت خلالها كلمة «أنتِ» من نداء رمزي إلى واقع مؤسسي يحمل اسم كل امرأة في موقعها، وقرارها، ومساهمتها. فالتحول الحقيقي يبدأ عندما يشعر الفرد أن الخطاب العام يخاطبه هو تحديدا، لا جماعة مجهولة الملامح.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك