العدد : ١٧٦٣٨ - الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٨ - الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

دلالات خطاب صاحبة السمو الأميرة سبيكة للمرأة البحرينية بمناسبة اليوبيل الفضي

بقلم: نبيلة رجب

الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬خطاب‭ ‬المناسبات‭ ‬الوطنية‭ ‬تميل‭ ‬الكلمات‭ ‬الرسمية‭ ‬غالبا‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬الجماعة‭ ‬الغائبة‭: ‬‮«‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬حققت‮»‬،‭ ‬‮«‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬أنجزت‮»‬‭. ‬وحدها‭ ‬صاحبة‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأميرة‭ ‬سبيكة‭ ‬بنت‭ ‬إبراهيم‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬قرينة‭ ‬عاهل‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬رئيسة‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة،‭ ‬بمناسبة‭ ‬اليوبيل‭ ‬الفضي‭ ‬لتأسيس‭ ‬المجلس،‭ ‬اختارت‭ ‬صيغة‭ ‬مختلفة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭: ‬‮«‬إن‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬هو‭ ‬ثمرة‭ ‬عزيمتك،‭ ‬وإصرارك،‭ ‬وإيمانك‭ ‬بأهمية‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الوطن‮»‬‭.‬

إن‭ ‬توافق‭ ‬الاحتفال‭ ‬باليوبيل‭ ‬الفضي‭ ‬للمجلس‭ ‬مع‭ ‬تسمية‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬مصادفة‭ ‬تقويمية‭ ‬طارئة،‭ ‬وإنما‭ ‬إشارة‭ ‬تحمل‭ ‬دلالة‭ ‬فكرية‭ ‬بالغة‭. ‬فاختيار‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬ليحمل‭ ‬ذكرى‭ ‬مؤسس‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬مع‭ ‬اكتمال‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬مؤسسة‭ ‬رعاية‭ ‬شؤون‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬يفتح‭ ‬سؤالا‭ ‬أوسع‭: ‬هل‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬وبناء‭ ‬مكانة‭ ‬المرأة‭ ‬فيها‭ ‬مساران‭ ‬منفصلان‭ ‬يلتقيان‭ ‬أحيانا،‭ ‬أم‭ ‬أنهما‭ ‬في‭ ‬جوهرهما‭ ‬مسار‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬ينفصل؟‭ ‬الإجابة‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬كلمة‭ ‬سموها‭ ‬تؤكد‭ ‬الخيار‭ ‬الثاني،‭ ‬إذ‭ ‬ربطت‭ ‬استمرارية‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬باستمرارية‭ ‬دور‭ ‬المرأة‭ ‬فيها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬أحدهما‭ ‬تابعا‭ ‬للآخر‭.‬

الفرق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬هي‭ ‬أنجزت‮»‬‭ ‬و«أنتِ‭ ‬أنجزتِ‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬فرقا‭ ‬نحويا‭ ‬بحتا،‭ ‬وإنما‭ ‬فرق‭ ‬فيمن‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬التاريخ‭. ‬فحين‭ ‬يُقال‭ ‬‮«‬المرأة‭ ‬البحرينية‮»‬،‭ ‬يتحول‭ ‬الفاعل‭ ‬إلى‭ ‬كيان‭ ‬مجرد‭ ‬لا‭ ‬وجه‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬اسم،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُنسب‭ ‬إليه‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬أحد‭ ‬بعينه‭ ‬خلف‭ ‬الجملة‭. ‬أما‭ ‬حين‭ ‬يُقال‭ ‬‮«‬أنتِ‮»‬،‭ ‬فالفاعل‭ ‬يستعيد‭ ‬حضوره‭ ‬الفردي‭: ‬امرأة‭ ‬بعينها‭ ‬اتخذت‭ ‬قرارا‭ ‬بعينه،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬بعينها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضمان‭ ‬مسبق‭ ‬بأن‭ ‬التاريخ‭ ‬سيكافئها‭. ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬اللغوي‭ ‬يحمّل‭ ‬كل‭ ‬امرأة‭ ‬وزن‭ ‬إنجازها‭ ‬الشخصي،‭ ‬عوضا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يذيبه‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬جماعي‭ ‬مجهول‭ ‬الملامح‭.‬

هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬اللغوي‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭ ‬يؤكد‭ ‬صحته؛‭ ‬فمنذ‭ ‬تأسيس‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة،‭ ‬شهدت‭ ‬نسبة‭ ‬تمثيل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الحقائب‭ ‬الوزارية‭ ‬تضاعفا‭ ‬واضحا،‭ ‬وارتفع‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬السلك‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬ارتفاعا‭ ‬لافتا،‭ ‬وتوسّع‭ ‬تمثيلها‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬والقضائية‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قائمة‭ ‬قبل‭ ‬عقدين‭. ‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬هو‭ ‬الدليل‭ ‬الملموس‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬عزيمتك‮»‬‭ ‬التي‭ ‬خاطبت‭ ‬بها‭ ‬سموها‭ ‬كل‭ ‬امرأة‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬حبيسة‭ ‬الخطاب،‭ ‬وإنما‭ ‬تُرجمت‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬فعلية‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭.‬

إن‭ ‬مما‭ ‬يميز‭ ‬مسيرة‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة‭ ‬أنه‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬بانفتاح‭ ‬مستمر‭ ‬مع‭ ‬الجمعيات‭ ‬واللجان‭ ‬النسائية‭ ‬الأهلية،‭ ‬وأن‭ ‬يبقي‭ ‬قنوات‭ ‬التشاور‭ ‬معها‭ ‬حاضرة‭. ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬ليس‭ ‬ملمحا‭ ‬إداريا‭ ‬هامشيا،‭ ‬وإنما‭ ‬امتدادا‭ ‬لنفس‭ ‬المنطق‭ ‬الذي‭ ‬تحدثت‭ ‬عنه‭ ‬سموها‭ ‬في‭ ‬خطابها‭: ‬أن‭ ‬الإرادة‭ ‬النسائية‭ ‬واحدة‭ ‬أينما‭ ‬وُجدت،‭ ‬سواء‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬رسمية‭ ‬كبرى‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬جمعية‭ ‬أهلية‭ ‬صغيرة،‭ ‬وأن‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬الإرادات‭ ‬لا‭ ‬تفريقها‭.‬

فالفارق‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬تُقال‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬شراكة‮»‬‭ ‬في‭ ‬خطاب،‭ ‬وأن‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬مقاعد‭ ‬وزارية‭ ‬وقضائية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬فعلية،‭ ‬هو‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬النية‭ ‬الحسنة‭ ‬والإنجاز‭ ‬المؤسسي‭ ‬الفعلي‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬كلمة‭ ‬سموها‭ ‬ثقلها‭: ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تصف‭ ‬طموحا‭ ‬مستقبليا،‭ ‬وإنما‭ ‬تُلخّص‭ ‬واقعا‭ ‬تحقق‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عاما‭.‬

إن‭ ‬كلمة‭ ‬سموها‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالماضي،‭ ‬وإنما‭ ‬أضافت‭: ‬‮«‬والمستقبل‭ ‬القادم‭ ‬يحمل‭ ‬فرصا‭ ‬أوسع،‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬أكبر‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬صيغة‭ ‬المخاطب‭ ‬المباشر‭ ‬ليست‭ ‬أداة‭ ‬لتوزيع‭ ‬الفضل‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬أداة‭ ‬لتوزيع‭ ‬المسؤولية‭ ‬أيضا‭. ‬فإذا‭ ‬قيل‭ ‬‮«‬أنتِ‮»‬‭ ‬بدل‭ ‬‮«‬هي‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬المستقبل‭ ‬أيضا‭ ‬يصبح‭ ‬مُلقى‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬كل‭ ‬امرأة‭ ‬بعينها،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬كيان‭ ‬جماعي‭ ‬مجهول‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتوارى‭ ‬أحد‭ ‬خلفه‭.‬

ولقد‭ ‬ختمت‭ ‬سموها‭ ‬رسالتها‭ ‬بثلاثة‭ ‬أوصاف‭ ‬دقيقة‭: ‬‮«‬شريكة‭ ‬في‭ ‬القرار،‭ ‬وصوتا‭ ‬للحكمة،‭ ‬وعنوانا‭ ‬للعطاء‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬صفات‭ ‬مترادفة‭ ‬تكرر‭ ‬معنى‭ ‬واحدا،‭ ‬وإنما‭ ‬ثلاثة‭ ‬أدوار‭ ‬متمايزة‭: ‬الأول‭ ‬سياسي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الشراكة‭ ‬في‭ ‬القرار،‭ ‬والثاني‭ ‬فكري‭ ‬تجسّده‭ ‬الحكمة‭ ‬كصوت‭ ‬لا‭ ‬كصفة،‭ ‬والثالث‭ ‬اجتماعي‭ ‬يتبدّى‭ ‬في‭ ‬العطاء‭ ‬كعنوان‭ ‬يُعرف‭ ‬به‭ ‬صاحبه‭. ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ ‬الثلاثي‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬الخطاب‭ ‬لم‭ ‬يكتف‭ ‬بتكريم‭ ‬إنجاز‭ ‬واحد،‭ ‬وإنما‭ ‬رسم‭ ‬خارطة‭ ‬لثلاثة‭ ‬مسارات‭ ‬متوازية‭ ‬تتقدم‭ ‬فيها‭ ‬المرأة‭ ‬معا‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬زمنية‭ ‬تُحصى‭ ‬بالسنوات‭ ‬فحسب‭. ‬فهي‭ ‬مسافة‭ ‬تحوّلت‭ ‬خلالها‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬أنتِ‮»‬‭ ‬من‭ ‬نداء‭ ‬رمزي‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬مؤسسي‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬كل‭ ‬امرأة‭ ‬في‭ ‬موقعها،‭ ‬وقرارها،‭ ‬ومساهمتها‭. ‬فالتحول‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يشعر‭ ‬الفرد‭ ‬أن‭ ‬الخطاب‭ ‬العام‭ ‬يخاطبه‭ ‬هو‭ ‬تحديدا،‭ ‬لا‭ ‬جماعة‭ ‬مجهولة‭ ‬الملامح‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا