في عام 1978، كتب فلسطيني المنشأ يعيش في قلب نيويورك كتابًا ظنّ كثيرون أنه سيُغلق ملفًا. أراد إدوارد سعيد أن يُسمّى الشيء باسمه: الغرب لا يصف الشرق، بل يخترعه. لا يدرسه، بل يسجنه في صورة. ولم يكن ذلك بريئًا... كان سلاحًا.
مضى على صدور «الاستشراق» سبعة وأربعون عامًا. ورحل سعيد في 2003. لكن لو قُدّر له أن يجلس معنا اليوم ويفتح هاتفه ليتصفح الأخبار... ماذا كان سيرى؟
الجواب المؤلم: كان سيرى كتابه لم يُقرأ بعد.
لم يعد الاستشراق يحتاج إلى لوحات زيتية تُصوّر «حريم الشرق الغامض»، ولا إلى رحالة أوروبيين يكتبون عن «همجية الأعراب». الأمر أكثر ذكاءً الآن، وأشد فتكًا: صار مُدمَجًا في الخوارزميات، مُشفّرًا في خطابات السياسيين، متخفيًا في لغة «مكافحة الإرهاب» و«حقوق الإنسان».
فقد كشفت دراسة أكاديمية محكّمة نُشرت عام 2018 أن المسلمين يتسببون في عُشر الوفيات الناجمة عن الإرهاب مقارنةً بالمتطرفين اليمينيين البيض في كندا لكنهم يحصلون على مرة ونصف التغطية الإعلامية. بمعنى أوضح: الجريمة أقل، والصورة أكبر..
كان سعيد سيقول: هذه ليست صدفة. هذا نظام.
وهناك قصة أوكلاهوما التي لم تتعلم منها أمريكا شيئًا. فقد روى سعيد بنفسه حادثةً كاشفة تلخّص كل شيء. في أبريل 1995، انفجرت قنبلة ضخمة في مبنى حكومي بأوكلاهوما سيتي. وفي غضون نصف ساعة من الحادثة، تلقّى مكتبه في كولومبيا خمسةً وعشرين اتصالا من أكبر شبكات الإعلام الأمريكية تطلب منه تفسير «دوافع إرهابيي الشرق الأوسط».
المنفذ الحقيقي كان تيموثي ماكفي. أمريكي أبيض. من «الداخل الأمريكي» تمامًا.
لكن الذاكرة الاستشراقية الغربية لا تحتاج إلى دليل. يكفيها انفجار لتقفز مباشرة إلى «العرب». وهذه القفزة اللاواعية هي ما يُسميه سعيد نجاح الاستشراق الحقيقي: حين يصير حكمًا مسبقًا لا يحتاج إلى مُقدّمة.
وبعد ثلاثة عقود، لم تتعلم أمريكا الدرس. ما إن يقع حادث حتى ينهار الخطاب الإعلامي إلى نفس المعادلة الصدئة.
تجربة في قلب أمريكا: قبل سنوات، كنتُ أُدرِّس مادة الاستشراق في جامعة بينجهامتون بولاية نيويورك. في إحدى المحاضرات طلبتُ من طلابي، وكان بينهم عرب ومسلمون نشأوا في الغرب، أن يأخذوا ورقة بيضاء ويكتبوا بصدق تام أول ما يتبادر إلى أذهانهم حين يسمعون كلمات بعينها.
قلتُ: «الصحراء». كتبوا: العرب، الجِمال، الخيمة.
قلتُ: «الحريم». كتبوا: النساء، الشرق، الغموض.
ثم قلتُ: «الإرهاب». كتبوا جميعًا، من دون استثناء واحد، كلمتَي: «الإسلام» و«العرب».
توقفتُ عن الكلام. وتوقفوا هم أيضًا. ثم نظر بعضهم إلى أوراقهم بذهول، وكان من بينهم طلاب مسلمون من أصول عربية كتبوا بأيديهم، عن أنفسهم وعن دينهم، ما كان المستشرق الأوروبي القديم سيكتبه بالضبط.
لم يكن اللوم عليهم. كان هذا هو الدليل الأكثر إيلامًا على ما كتب عنه سعيد: حين تنجح الصورة النمطية في اختراق وعي أصحابها أنفسهم، فهي لم تعد صورةً خارجية، بل صارت مرآةً داخلية يرى فيها الإنسان نفسه بعيون غيره.
في موجة «الربيع العربي» أعاد الاستشراق تقديم نفسه. كان يمكن لأحداث 2011 أن تكون لحظة انعطاف حقيقية. ملايين العرب في الشوارع يطالبون بالحرية والكرامة والديمقراطية... أليس هذا ما يُريده الغرب؟
لكن الخطاب الإعلامي الغربي لم يتأخر في إعادة تصنيف المشهد. بدلا من رؤية شعوب تتحرك من أجل مستقبل أفضل، راح التعليق السائد يتساءل: «هل يصلح العرب للديمقراطية؟»، و«كانوا أفضل في ظل الدكتاتور». المعادلة الاستشراقية القديمة نفسها بلغة معاصرة: الشرقي طفل لا يعرف ما يريد، ويحتاج إلى وصيّ عليه.
لقد قرأ البروفيسور إدوارد سعيد هذا النمط في حياته وكتب عنه. ولو رأي أحداث الربيع العربي، لقال: هذا بالضبط ما حذّرت منه.
لكن المفارقة الأشد قسوةً ليست في الغرب، بل هنا. في قلب العالم العربي نفسه.
رصد سعيد ظاهرةً أسماها «الاستشراق الذاتي» حين يُعيد الشرقي إنتاج الصورة النمطية عن نفسه. حين يُقدّم الفنان أو المصمم أو حتى المسؤول بلاده للآخر بصورة الغرابة والإثارة في صورة التسليم بنظرة الغرب إلينا كعرب.
هذا ليس ضعفا فرديا. هذا نتيجة طبيعية لعقود من الهيمنة الثقافية والإعلامية. حين تسمع طويلا أنك أقل، وتتلقى هذه الفكرة من كل اتجاه... من المدرسة إلى السينما إلى الأخبار... تبدأ تُصدّق. وحين تُصدّق، تُعيد الإنتاج.
لقد وصف سعيد النخب العربية التي تتصرف وفق المنطق الاستشراقي بأنهم «ولاة إمبراطوريون» يخدمون الهيمنة من الداخل، ربما من دون أن يدركوا ذلك. وهذا أخطر من العدو الخارجي، لأنه يسكن البيت.
المفارقة الكبرى: من يسمع صوتك؟: كنت واحدة من أعمق المفارقات في مسيرة إدوارد سعيد أن صوته وصل إلى العالم لأنه كان يتحدث من قلب إمبراطورية نيويورك، بلغتها، وعبر مؤسساتها. كان في جامعة كولومبيا، ينشر بالإنجليزية، ويحتج بفوكو وجرامشي على جمهور غربي يعرف فوكو وجرامشي.
هل كان سيُسمع لو كان في عواصم الشرق العربي؟ ربما نعم.. لكن بصوت أخفت وجمهور أصغر. وهذا يكشف إشكاليةً بنيوية مؤلمة: حتى نقد الهيمنة الغربية يحتاج إلى منصة غربية ليصل. كان سعيد يعرف ذلك، ويتعامل معه بقلق واضح. كتب: «كثير من الاستثمار الشخصي في هذه الدراسة ينبع من وعيي بأنني كنت شرقيًا طفلًا نشأ في مستعمرتَين بريطانيتَين». «كان من الداخل والخارج» في آنٍ واحد... وهذا التوتر هو ما حوّل كتابه من نظرية أكاديمية إلى جرح مفتوح.
ليس انتصارًا، بل مهمة لم تكتمل: لو عاد سعيد اليوم، لما احتفل. كان سيجد كتابه في كل مكتبة جامعية، ونظريته في كل مناهج الدراسات الثقافية... لكنه كان سيُدرك أن الجائزة الأكاديمية لم تُغيّر شيئًا على أرض الواقع.
المهمة الحقيقية لم تكن كتابة «الاستشراق»، بل تغيير البنى المعرفية والإعلامية التي أنتجته. وتلك البنى لا تزال قائمة، بل صارت أكثر تطورًا.
الأمل الوحيد الذي كان سعيد يُصرّ عليه: ليس العزلة، ليس رفض التواصل، بل هو الحوار النقدي… حوار يرفض الهيمنة ولا يرفض الآخر، ويُصرّ على أن الشرق يملك حق الكلام عن نفسه. ليس بصوت مُستعار، وليس بلغة مُستعارة، وليس من منصة مُستعارة.
هذا هو الاستشراق الذي رفضه. وهذا هو التحرر الذي لم يكتمل بعد.
{ أستاذ الدراسات الأمريكية
في جامعة جورج واشنطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك