العدد : ١٧٦٣٨ - الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٨ - الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تحديات التحرر العربي.. ورؤية إدوارد سعيد للاستشراق

بقلم: د. عيد محمد

الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬كتب‭ ‬فلسطيني‭ ‬المنشأ‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬نيويورك‭ ‬كتابًا‭ ‬ظنّ‭ ‬كثيرون‭ ‬أنه‭ ‬سيُغلق‭ ‬ملفًا‭. ‬أراد‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬أن‭ ‬يُسمّى‭ ‬الشيء‭ ‬باسمه‭: ‬الغرب‭ ‬لا‭ ‬يصف‭ ‬الشرق،‭ ‬بل‭ ‬يخترعه‭. ‬لا‭ ‬يدرسه،‭ ‬بل‭ ‬يسجنه‭ ‬في‭ ‬صورة‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬بريئًا‭... ‬كان‭ ‬سلاحًا‭.‬

مضى‭ ‬على‭ ‬صدور‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭ ‬سبعة‭ ‬وأربعون‭ ‬عامًا‭. ‬ورحل‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬2003‭. ‬لكن‭ ‬لو‭ ‬قُدّر‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يجلس‭ ‬معنا‭ ‬اليوم‭ ‬ويفتح‭ ‬هاتفه‭ ‬ليتصفح‭ ‬الأخبار‭...‬‭ ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬سيرى؟

الجواب‭ ‬المؤلم‭: ‬كان‭ ‬سيرى‭ ‬كتابه‭ ‬لم‭ ‬يُقرأ‭ ‬بعد‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬الاستشراق‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬لوحات‭ ‬زيتية‭ ‬تُصوّر‭ ‬‮«‬حريم‭ ‬الشرق‭ ‬الغامض‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬رحالة‭ ‬أوروبيين‭ ‬يكتبون‭ ‬عن‭ ‬‮«‬همجية‭ ‬الأعراب‮»‬‭. ‬الأمر‭ ‬أكثر‭ ‬ذكاءً‭ ‬الآن،‭ ‬وأشد‭ ‬فتكًا‭: ‬صار‭ ‬مُدمَجًا‭ ‬في‭ ‬الخوارزميات،‭ ‬مُشفّرًا‭ ‬في‭ ‬خطابات‭ ‬السياسيين،‭ ‬متخفيًا‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬‮«‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‮»‬‭ ‬و«حقوق‭ ‬الإنسان‮»‬‭.‬

فقد‭ ‬كشفت‭ ‬دراسة‭ ‬أكاديمية‭ ‬محكّمة‭ ‬نُشرت‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬أن‭ ‬المسلمين‭ ‬يتسببون‭ ‬في‭ ‬عُشر‭ ‬الوفيات‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الإرهاب‭ ‬مقارنةً‭ ‬بالمتطرفين‭ ‬اليمينيين‭ ‬البيض‭ ‬في‭ ‬كندا‭ ‬لكنهم‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬مرة‭ ‬ونصف‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية‭. ‬بمعنى‭ ‬أوضح‭: ‬الجريمة‭ ‬أقل،‭ ‬والصورة‭ ‬أكبر‭..‬

كان‭ ‬سعيد‭ ‬سيقول‭: ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬صدفة‭. ‬هذا‭ ‬نظام‭.‬

وهناك‭ ‬قصة‭ ‬أوكلاهوما‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتعلم‭ ‬منها‭ ‬أمريكا‭ ‬شيئًا‭. ‬فقد‭ ‬روى‭ ‬سعيد‭ ‬بنفسه‭ ‬حادثةً‭ ‬كاشفة‭ ‬تلخّص‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬1995،‭ ‬انفجرت‭ ‬قنبلة‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬مبنى‭ ‬حكومي‭ ‬بأوكلاهوما‭ ‬سيتي‭. ‬وفي‭ ‬غضون‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬الحادثة،‭ ‬تلقّى‭ ‬مكتبه‭ ‬في‭ ‬كولومبيا‭ ‬خمسةً‭ ‬وعشرين‭ ‬اتصالا‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬شبكات‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬تطلب‭ ‬منه‭ ‬تفسير‭ ‬‮«‬دوافع‭ ‬إرهابيي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭.‬

المنفذ‭ ‬الحقيقي‭ ‬كان‭ ‬تيموثي‭ ‬ماكفي‭. ‬أمريكي‭ ‬أبيض‭. ‬من‭ ‬‮«‬الداخل‭ ‬الأمريكي‮»‬‭ ‬تمامًا‭.‬

لكن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الاستشراقية‭ ‬الغربية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭. ‬يكفيها‭ ‬انفجار‭ ‬لتقفز‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬العرب‮»‬‭. ‬وهذه‭ ‬القفزة‭ ‬اللاواعية‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يُسميه‭ ‬سعيد‭ ‬نجاح‭ ‬الاستشراق‭ ‬الحقيقي‭: ‬حين‭ ‬يصير‭ ‬حكمًا‭ ‬مسبقًا‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مُقدّمة‭.‬

وبعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود،‭ ‬لم‭ ‬تتعلم‭ ‬أمريكا‭ ‬الدرس‭. ‬ما‭ ‬إن‭ ‬يقع‭ ‬حادث‭ ‬حتى‭ ‬ينهار‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬المعادلة‭ ‬الصدئة‭.‬

تجربة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أمريكا‭: ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬كنتُ‭ ‬أُدرِّس‭ ‬مادة‭ ‬الاستشراق‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بينجهامتون‭ ‬بولاية‭ ‬نيويورك‭. ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المحاضرات‭ ‬طلبتُ‭ ‬من‭ ‬طلابي،‭ ‬وكان‭ ‬بينهم‭ ‬عرب‭ ‬ومسلمون‭ ‬نشأوا‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬أن‭ ‬يأخذوا‭ ‬ورقة‭ ‬بيضاء‭ ‬ويكتبوا‭ ‬بصدق‭ ‬تام‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬أذهانهم‭ ‬حين‭ ‬يسمعون‭ ‬كلمات‭ ‬بعينها‭.‬

قلتُ‭: ‬‮«‬الصحراء‮»‬‭. ‬كتبوا‭: ‬العرب،‭ ‬الجِمال،‭ ‬الخيمة‭.‬

قلتُ‭: ‬‮«‬الحريم‮»‬‭. ‬كتبوا‭: ‬النساء،‭ ‬الشرق،‭ ‬الغموض‭.‬

ثم‭ ‬قلتُ‭: ‬‮«‬الإرهاب‮»‬‭. ‬كتبوا‭ ‬جميعًا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭ ‬واحد،‭ ‬كلمتَي‭: ‬‮«‬الإسلام‮»‬‭ ‬و«العرب‮»‬‭.‬

توقفتُ‭ ‬عن‭ ‬الكلام‭. ‬وتوقفوا‭ ‬هم‭ ‬أيضًا‭. ‬ثم‭ ‬نظر‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬أوراقهم‭ ‬بذهول،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬طلاب‭ ‬مسلمون‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية‭ ‬كتبوا‭ ‬بأيديهم،‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬وعن‭ ‬دينهم،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬المستشرق‭ ‬الأوروبي‭ ‬القديم‭ ‬سيكتبه‭ ‬بالضبط‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬اللوم‭ ‬عليهم‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الدليل‭ ‬الأكثر‭ ‬إيلامًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬عنه‭ ‬سعيد‭: ‬حين‭ ‬تنجح‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬في‭ ‬اختراق‭ ‬وعي‭ ‬أصحابها‭ ‬أنفسهم،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صورةً‭ ‬خارجية،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬مرآةً‭ ‬داخلية‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬بعيون‭ ‬غيره‭.‬

في‭ ‬موجة‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬أعاد‭ ‬الاستشراق‭ ‬تقديم‭ ‬نفسه‭. ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬لأحداث‭ ‬2011‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لحظة‭ ‬انعطاف‭ ‬حقيقية‭. ‬ملايين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬يطالبون‭ ‬بالحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬والديمقراطية‭... ‬أليس‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يُريده‭ ‬الغرب؟

لكن‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬الغربي‭ ‬لم‭ ‬يتأخر‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تصنيف‭ ‬المشهد‭. ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬شعوب‭ ‬تتحرك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل،‭ ‬راح‭ ‬التعليق‭ ‬السائد‭ ‬يتساءل‭: ‬‮«‬هل‭ ‬يصلح‭ ‬العرب‭ ‬للديمقراطية؟‮»‬،‭ ‬و«كانوا‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الدكتاتور‮»‬‭. ‬المعادلة‭ ‬الاستشراقية‭ ‬القديمة‭ ‬نفسها‭ ‬بلغة‭ ‬معاصرة‭: ‬الشرقي‭ ‬طفل‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يريد،‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وصيّ‭ ‬عليه‭.‬

لقد‭ ‬قرأ‭ ‬البروفيسور‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬وكتب‭ ‬عنه‭. ‬ولو‭ ‬رأي‭ ‬أحداث‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬لقال‭: ‬هذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬حذّرت‭ ‬منه‭.‬

لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬الأشد‭ ‬قسوةً‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬بل‭ ‬هنا‭. ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬نفسه‭.‬

رصد‭ ‬سعيد‭ ‬ظاهرةً‭ ‬أسماها‭ ‬‮«‬الاستشراق‭ ‬الذاتي‮»‬‭ ‬حين‭ ‬يُعيد‭ ‬الشرقي‭ ‬إنتاج‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭. ‬حين‭ ‬يُقدّم‭ ‬الفنان‭ ‬أو‭ ‬المصمم‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬المسؤول‭ ‬بلاده‭ ‬للآخر‭ ‬بصورة‭ ‬الغرابة‭ ‬والإثارة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬التسليم‭ ‬بنظرة‭ ‬الغرب‭ ‬إلينا‭ ‬كعرب‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬ضعفا‭ ‬فرديا‭. ‬هذا‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لعقود‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬الثقافية‭ ‬والإعلامية‭. ‬حين‭ ‬تسمع‭ ‬طويلا‭ ‬أنك‭ ‬أقل،‭ ‬وتتلقى‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬اتجاه‭... ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬إلى‭ ‬السينما‭ ‬إلى‭ ‬الأخبار‭... ‬تبدأ‭ ‬تُصدّق‭. ‬وحين‭ ‬تُصدّق،‭ ‬تُعيد‭ ‬الإنتاج‭.‬

لقد‭ ‬وصف‭ ‬سعيد‭ ‬النخب‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تتصرف‭ ‬وفق‭ ‬المنطق‭ ‬الاستشراقي‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬ولاة‭ ‬إمبراطوريون‮»‬‭ ‬يخدمون‭ ‬الهيمنة‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬ذلك‭. ‬وهذا‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬العدو‭ ‬الخارجي،‭ ‬لأنه‭ ‬يسكن‭ ‬البيت‭.‬

المفارقة‭ ‬الكبرى‭: ‬من‭ ‬يسمع‭ ‬صوتك؟‭: ‬كنت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعمق‭ ‬المفارقات‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬أن‭ ‬صوته‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬إمبراطورية‭ ‬نيويورك،‭ ‬بلغتها،‭ ‬وعبر‭ ‬مؤسساتها‭. ‬كان‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كولومبيا،‭ ‬ينشر‭ ‬بالإنجليزية،‭ ‬ويحتج‭ ‬بفوكو‭ ‬وجرامشي‭ ‬على‭ ‬جمهور‭ ‬غربي‭ ‬يعرف‭ ‬فوكو‭ ‬وجرامشي‭.‬

هل‭ ‬كان‭ ‬سيُسمع‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬عواصم‭ ‬الشرق‭ ‬العربي؟‭ ‬ربما‭ ‬نعم‭.. ‬لكن‭ ‬بصوت‭ ‬أخفت‭ ‬وجمهور‭ ‬أصغر‭. ‬وهذا‭ ‬يكشف‭ ‬إشكاليةً‭ ‬بنيوية‭ ‬مؤلمة‭: ‬حتى‭ ‬نقد‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬غربية‭ ‬ليصل‭. ‬كان‭ ‬سعيد‭ ‬يعرف‭ ‬ذلك،‭ ‬ويتعامل‭ ‬معه‭ ‬بقلق‭ ‬واضح‭. ‬كتب‭: ‬‮«‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬الشخصي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬وعيي‭ ‬بأنني‭ ‬كنت‭ ‬شرقيًا‭ ‬طفلًا‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬مستعمرتَين‭ ‬بريطانيتَين‮»‬‭. ‬‮«‬كان‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‮»‬‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭... ‬وهذا‭ ‬التوتر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬حوّل‭ ‬كتابه‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬أكاديمية‭ ‬إلى‭ ‬جرح‭ ‬مفتوح‭.‬

ليس‭ ‬انتصارًا،‭ ‬بل‭ ‬مهمة‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭: ‬لو‭ ‬عاد‭ ‬سعيد‭ ‬اليوم،‭ ‬لما‭ ‬احتفل‭. ‬كان‭ ‬سيجد‭ ‬كتابه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكتبة‭ ‬جامعية،‭ ‬ونظريته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناهج‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭... ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬سيُدرك‭ ‬أن‭ ‬الجائزة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬لم‭ ‬تُغيّر‭ ‬شيئًا‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

المهمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كتابة‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬تغيير‭ ‬البنى‭ ‬المعرفية‭ ‬والإعلامية‭ ‬التي‭ ‬أنتجته‭. ‬وتلك‭ ‬البنى‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬أكثر‭ ‬تطورًا‭.‬

الأمل‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سعيد‭ ‬يُصرّ‭ ‬عليه‭: ‬ليس‭ ‬العزلة،‭ ‬ليس‭ ‬رفض‭ ‬التواصل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الحوار‭ ‬النقدي‮…‬‭ ‬حوار‭ ‬يرفض‭ ‬الهيمنة‭ ‬ولا‭ ‬يرفض‭ ‬الآخر،‭ ‬ويُصرّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭. ‬ليس‭ ‬بصوت‭ ‬مُستعار،‭ ‬وليس‭ ‬بلغة‭ ‬مُستعارة،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬منصة‭ ‬مُستعارة‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الاستشراق‭ ‬الذي‭ ‬رفضه‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬التحرر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬بعد‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬الدراسات‭ ‬الأمريكية

في‭ ‬جامعة‭ ‬جورج‭ ‬واشنطن‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا