ليس لبنان على أهميته، ولا حتى البرنامج النووي، بقدر ما هو مثار خلافات وجدل، ولكنه مضيق هرمز، هو عقدة المنشار بين أيران وأمريكا، هو الفاصل بين الحرب والسلم، وهو الذي سيحدد، وإن بعد وقت، لن يكون قريبا، على أي حال، من الرابح ومن الخاسر في هذه الحرب، وبعد هذا الصراع المرير، قد تتوقف عند حد الهدنة، وليس باتفاق سلام.
والحرب بين إيران وأمريكا، توقفت كاستراحة محارب، ليس أكثر، ورغم أن الشرق الأوسط والعالم بأسره قد تنفسا الصعداء حين تم التوقيع الإلكتروني على وثيقة التفاهم، فإنه كان واضحا أن ما نجم عنها من إعلان وقف الأعمال القتالية مازال هشا، ليس فقط لأن إسرائيل تسعى لتخريب الاتفاق، وذلك عبر لبنان، ولكن لأن إطار التفاهم نفسه، لم يكن أكثر من خطوة على طريق طويل، ارتبط مصيره بمفاوضات عسيرة لها علاقة بملف البرنامج النووي، وحددت له مدة ستين يوما.
على أي حال، ومنذ أن تبين أن الحرب لن تكون خاطفة، أي أنها لم تنتهِ باستسلام ايران بعد الضربات الأولى، ولا حتى بعد مضي الأربعين يوما، حين تقدم دونالد ترامب بمطلب الاستسلام لإيران، والأمر صار يسير بثقة أكبر نحو حرب الاستنزاف، لكن الأيام أو الأسابيع التي تلت وقف النار المؤقت في الثامن من أبريل وحتى السابع عشر من يونيو، أي سبعين يوما من وقف إطلاق النار، لجأ الطرفان إلى الضغط الاقتصادي، فقد وجدت ايران خلال الحرب في مضيق هرمز ضالتها أو ورقتها التي وصفها البعض بأنها سلاحها النووي، في إشارة واضحة لأهميتها، لأن ايران لو اعتمدت فقط على الصمود وتحمل تلقي الضربات العسكرية، لما توقف الأمريكيون ولا الإسرائيليون، والدليل أن إسرائيل مازالت تواصل عملية القتل اليومي لسكان قطاع غزة، ومواصلة قضم جغرافيا القطاع، وذلك في محاولة لفرض التهجير بعد وقت، بعد أن استحال تنفيذه فورا، والحقيقة أن إغلاق مضيق هرمز جاء في البداية كتحصيل حاصل، لكن بعد أن تبين لإيران ولأمريكا ثم للعالم أهميته، بات إيقاع الحرب والسلام مرتبطا به بالدرجة الأولى.
وحتى نقترب من الصورة بشكل أوضح لا بد لنا أن نؤكد أولا أن أمريكا ليست مهتمة أبدا، ولا بأي شكل، بما تعرض له الاقتصاد العالمي من ضرر، جراء إغلاق المضيق، بسبب حربها التي شنتها على ايران، بل على العكس من ذلك، لو أن الضرر ظل مقتصرا على شرق آسيا (اليابان، كوريا والصين) وأوروبا، تلك المناطق أو الدول التي تستورد نفط وغاز الخليج، لوجدت في ذلك عاملا إيجابيا بالنسبة إليها، لأنه يلحق الضرر بمنافسيها الاقتصاديين العالميين، وخلال الحرب كان ترامب واضحا في هذه النقطة، حين قال، إنه يجب على المتضررين، وقصد الأوروبيين والآسيويين، أن يفتحوا المضيق، لأن أمريكا ليست معنية بهذا الأمر، لكن انعكاس ذلك على الداخل الأمريكي، بارتفاع نسبة التضخم، أي ارتفاع أسعار السلع، وخاصة وأمريكا ذاهبة لانتخابات نصفية للكونجرس، فإن الأمر سرعان ما أصاب ترامب «بالقلق الشديد»، لذا غير لهجته تجاه ايران، من التهديد بالمسح من خريطة الجغرافيا، إلى الإشادة بشعبها وإعلان الرغبة في لقاء المرشد!
وقد كان إغلاق المضيق، وارتفاع أسعار النفط بنحو 100%، تحديدا من سعر يقارب 60 دولارا للبرميل قبل الحرب إلى اكثر من 110 دولارات خلال الحرب، هو الدافع الرئيس وراء قرار ترامب الذهاب إلى وثيقة التفاهم، ولم يتم التنسيق بشأنها مع تل ابيب، لذلك أحدثت زلزالا داخل إسرائيل، ودلت على وجود مسارين في السياسة الخارجية الأمريكية، أحدهما على يمين ترامب والآخر على يساره، الأول يمثله وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيجسيث، والثاني يمثله نائب الرئيس جي دي فانس، ومعه جاريد كوشنر صهر ترامب، وستيف ويتكوف المبعوث الخاص للشرق الأوسط.
لكن الأمر الواضح في الوثيقة كان وقف الحرب مقابل فتح المضيق، أو لأن وقف الحرب تلقائيا يعيد المضيق إلى العمل، وكان هذا كل ما يهم ترامب، أن يوقف ارتفاع سعر برميل النفط، وهو كان حتى قبل التوصل إلى وثيقة التفاهم يعلن بين فينة وأخرى إشارات ذلك لتخفيف الضغط على بورصة الطاقة، أما إيران فلم تكن في عجلة من أمرها، ذلك أن الضغط العسكري قد توقف منذ الثامن من أبريل، ليس لأن الأمريكيين قد حققوا أهدافهم، أو لأنهم باتوا رحماء فجأة، وليس لأن الإسرائيليين هم على ذلك النحو، بل لأن ايران كانت لا تزال قادرة على الرد، فيما كانت الذخائر وخاصة صواريخ الاعتراض في القبب الحديدية الإسرائيلية والأمريكية تنفد، وهذا اتضح حين صارت الصواريخ الإيرانية تصل إلى أهدافها في إسرائيل.
حاول ترامب، إذاً، عبر وثيقة التفاهم أن «استدراج» ايران، ذلك أن مجرد فتح مضيق هرمز، كما كان حاله قبل الحرب، يعني إفلات تلك الورقة الأهم من بين يديها، وحينها فإن أي ضغوط لن تجبر ترامب على الالتزام لا بوثيقة التفاهم ولا بغيرها، أما إسرائيل فقد ركزت على لبنان لتخريب الوثيقة من جهة، وللتقليل من وقع ما حققته إيران عبر تلك الوثيقة، حين فرضت على أمريكا أن تشمل وثيقة التفاهم لبنان أيضا، لكن إيران معتمدة على أدوات الحرب غير المتناظرة، وقد ثبتت صحة الرهان على تلك الأدوات في ميدان القتال، حيث تصدت الصواريخ والمسيّرات رخيصة الثمن والكلفة لطائرات الشبح وصواريخ توماهوك وكروز بالغة الكلفة.
المهم أن إيران اشترطت في وثيقة التفاهم، البند الخامس، الذي يشير إلى إدارتها للمضيق، والمضيق مثل كل مياه بحرية إقليمية، يقع بين اليابسة الإيرانية والعمانية، لكن مع أهمية أعلى للجانب الإيراني، حيث المياه من جهتها أعمق، فيما المضيق من جهة عمان أضيق والمياه ضحلة، أي تناسب البواخر التجارية الأقل حجما، فيما البواخر العملاقة وناقلات النفط، تمر بالضرورة من الجانب الإيراني للمضيق، لكن بعد أن أدى جناح دي فانس مهمته بالتوصل إلى وثيقة التفاهم، جاء دور جناح مايك روبيو ليفرغ الوثيقة من محتواها.
أما إيران فهي تعرف طبيعة إسرائيل التي لم تلتزم باتفاقيات أوسلو، ولا بالاتفاق النووي عام 2015، لذلك احتفظت بورقة المضيق ميدانيا، وذلك من خلال الإبقاء على الألغام البحرية، ومن خلال الإصرار على ضرورة أن تنسق البواخر والسفن مع حرسها الثوري، الذي يعرف خريطة الألغام، والتنسيق معه يجنب السفن الوقوع في حقول الألغام، كذلك اتضح أن الأمر لم يتعدَ هذه الخطوة، فالطرفان ليس لديهما وهم حقيقي بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام لا بعد ستين يوما، ولا بعد ستة أشهر، ومن دون مبالغة ليس في عهد ولاية ترامب.
مع كل هذا، كان يمكن للطرفين السير قدما، فإذا كان هرمز يضغط على أمريكا بما يحدثه من تضخم، فإن إيران مضغوطة اقتصاديا، وطبعا، وعود من مثل تشكيل مجلس اعمار لضخ 300 مليار دولار إلى إيران، ليس معروفا مصيره، كان ولا يزال على أمريكا أن تقرر بشأن الافراج عن أموال طهران المجمدة، التي تصل إلى مائة مليار دولار.
لكن مع ترامب، لا أحد يمكنه أن توقع إمكانية استرداد الأموال، فهو رجل الأعمال «العقاري» الذي يحاول أن يبقي على النظام العالمي الأمريكي من خلال «استثمار» القوة العسكرية، وفعل هذا في فنزويلا، وحاول أن يكرر فعلته مع إيران، وقال فعلا يوما إن أمريكا قد تدير المضيق بهدف السيطرة على 20% من نفط العالم، وفعلا بدأت الفكرة تداعب خياله المالي، بعد أن فتحت إيران عينيه على فكرة دفع مقابل المرور في المضيق.
{ كاتب ومحلل سياسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك