ذهبتُ مرتين إلى بنك الدم، وفي كل مرة عدتُ بذراع فارغة. والسبب أن نسبة الهيموغلوبين لم تبلغ الحد المطلوب للتبرع. والمفارقة أن فصيلتي O سالب وهي من أندر الفصائل والأكثر طلباً في غرف العمليات وأروقة الطوارئ، لكن الجسد في المرتين أبى أن يمنح هذا الشرف. وقفتُ أمام الممرضة أحمل نيةً كاملة وجسداً يفتقر إلى التأهل، وأدركتُ أن الرغبة وحدها تظل قاصرة أحياناً، لكنها تبقى فعلاً قائماً بذاتها.
فهذا الفعل لا يحتاج إلى مناسبة ولا إلى تصفيق، وكثيرون يفعلونه كما يفعلون أي عمل طيب في حياتهم. يمدون أذرعهم ويعودون إلى حياتهم من دون أن يعرفوا إلى أي جسد ذهب دمهم ولا أي اسم أنقذوا. وهذا النوع من العطاء هو الأنقى، عطاء يكتفي بذاته ولا ينتظر مقابلاً ولا اعترافاً.
قطرة واحدة قد تُطيل عمر طفل في غرفة الجراحة، أو تُعيد الأمل لأم تصارع فقر الدم، أو تُسند شاباً أُصيب في حادث مفاجئ. الدم يجري في عروق البشر جميعاً بلون واحد، وهذا ما يجعل التبرع به من أعمق صور الإنسانية. ففي غرفة الطوارئ تسقط كل الفوارق، الدم البحريني ينقذ وافداً قدم من بلاد بعيدة، ودم الوافد ينقذ مواطناً له هنا جذور وذكريات.
عندنا في البحرين، يعكس الإقبال المتزايد على التبرع بالدم وعياً مجتمعياً حقيقياً. غير أن الحاجة دائماً أكبر، والطلب على فصائل بعينها لا يتوقف، وبنوك الدم تحتاج إلى تجديد مستمر طوال العام، فالتبرع المنتظم أجدى بكثير من الإقبال الموسمي الذي يتصاعد في المناسبات ثم يخبو. والدم المخزون فيها رصيد إنساني مشترك، يُودعه المتبرع اليوم ليسحب منه محتاج لا يعرفه غداً، وكم من عملية جراحية أُنجزت، وكم من حياة استمرت، بفضل كيس دم لم يكن صاحبه يعلم أين ستذهب هبته، ولم يهتم بذلك أصلاً.
ومن بين من ينتظرون هذا العطاء بصمت مرضى الثلاسيميا الذين يعيشون على نقل الدم المتكرر مدى الحياة، فموعدهم مع كيس الدم لا ينتهي عند مناسبة واحدة، إذ يتكرر كل أسابيع قليلة، وكل تأخير في وصول الكيس يعني ألماً يضاف إلى رحلة طويلة أصلاً. هؤلاء وحدهم كفيلون بتذكيرنا بأن التبرع المنتظم ليس ترفاً إنسانياً، وإنما هو شريان حياة لا يحتمل الانقطاع. والبحرين في هذا المجال نموذج يُحتذى، إذ بلغت في رعاية مرضى الثلاسيميا مستوى متقدماً يستحق التقدير، غير أن هذا التقدم لن يكتمل أثره من دون تدفق منتظم من الدم المتبرع به.
وللدم في موروثنا حضور يتجاوز معناه الطبي، فنحن نقول «صلة الرحم» كلما نريد التعبير عن أوثق الروابط الإنسانية، ونصف القرابة بأنها «رابطة دم» حين نريد توكيد عمقها. وحين يتبرع إنسان بدمه لغريب لا يعرفه، فهو يمنحه أصدق معاني هذه الصلة، رابطاً نفسه به برباط لا تصنعه الأنساب ولا تُمليه القرابة، بل يصنعه الاختيار وحده.
وهو فعل يحتاج إلى ثقافة قبل أن يحتاج إلى إرادة، فالبيئة المحيطة تصنع الفارق. عندما يرى الشاب أن التبرع سلوك طبيعي يمارسه المحيطون به، يصبح هو بدوره حلقة في هذه السلسلة الإنسانية. وتستوقفني تجارب بعض الدول التي طوّرت هذه الثقافة إلى مستوى آخر، فمنحت المتبرعين المواظبين شارات تكريمية وشهادات شرف تُقدّر عطاءهم أمام المجتمع، فكرة بسيطة في جوهرها، لكنها تحمل رسالة بليغة: أن من يهب من دمه يستحق أن يُرى ويُشكر. وهذا التقدير لم يعد حكراً على الحفلات الرسمية والشارات الورقية.
فمنصات التواصل بدّلت وجه هذه الثقافة، إذ صار نداء عاجل لفصيلة دم نادرة ينتشر بين الأصدقاء خلال دقائق، ويتحول مستشفى محتاج إلى قضية يتشاركها الجميع قبل أن تنتهي ساعة العمل. هذا التحول يكشف أن الجيل الجديد، رغم ما يُقال عن انشغاله، يستجيب بسرعة إذ تصل إليه الدعوة بالشكل الذي يفهمه ويتفاعل معه.
وقد علّمتنا شرائعنا السماوية أن إنقاذ نفس بشرية واحدة كأنما أحييت الناس جميعاً، وهذا المعنى يجد صورته الأصدق في كيس دم صغير يمتلئ بالحياة ثم يشق طريقه إلى روح لم يلتقِ بها صاحبه يوماً، من دون أن يسأل عن اسمها أو وجهتها.
عدتُ من بنك الدم مرتين بذراع فارغة، لكنني لم أعد بقلب فارغ. علّمتني تلك التجربة أن النية الصادقة تسبق الفعل وتعلو عليه أحياناً، وأن السعي وحده شهادة على ما يحمله الإنسان في داخله. أما من وهبه الله العافية والقدرة، فبين يديه فرصة نادرة أن يكون السبب في أن تواصل روح ما مسيرتها في هذه الدنيا، وهذا وحده يكفي.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك