العدد : ١٧٦٤٠ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٠ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

رسالة إلى كل متبرع.. دمك هبة للحياة

بقلم: نبيلة رجب

الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

ذهبتُ‭ ‬مرتين‭ ‬إلى‭ ‬بنك‭ ‬الدم،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬عدتُ‭ ‬بذراع‭ ‬فارغة‭. ‬والسبب‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬الهيموغلوبين‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬الحد‭ ‬المطلوب‭ ‬للتبرع‭. ‬والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬فصيلتي‭ ‬O‭ ‬سالب‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أندر‭ ‬الفصائل‭ ‬والأكثر‭ ‬طلباً‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬العمليات‭ ‬وأروقة‭ ‬الطوارئ،‭ ‬لكن‭ ‬الجسد‭ ‬في‭ ‬المرتين‭ ‬أبى‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬هذا‭ ‬الشرف‭. ‬وقفتُ‭ ‬أمام‭ ‬الممرضة‭ ‬أحمل‭ ‬نيةً‭ ‬كاملة‭ ‬وجسداً‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التأهل،‭ ‬وأدركتُ‭ ‬أن‭ ‬الرغبة‭ ‬وحدها‭ ‬تظل‭ ‬قاصرة‭ ‬أحياناً،‭ ‬لكنها‭ ‬تبقى‭ ‬فعلاً‭ ‬قائماً‭ ‬بذاتها‭.‬

فهذا‭ ‬الفعل‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬تصفيق،‭ ‬وكثيرون‭ ‬يفعلونه‭ ‬كما‭ ‬يفعلون‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬طيب‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭. ‬يمدون‭ ‬أذرعهم‭ ‬ويعودون‭ ‬إلى‭ ‬حياتهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعرفوا‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬جسد‭ ‬ذهب‭ ‬دمهم‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬اسم‭ ‬أنقذوا‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬هو‭ ‬الأنقى،‭ ‬عطاء‭ ‬يكتفي‭ ‬بذاته‭ ‬ولا‭ ‬ينتظر‭ ‬مقابلاً‭ ‬ولا‭ ‬اعترافاً‭.‬

قطرة‭ ‬واحدة‭ ‬قد‭ ‬تُطيل‭ ‬عمر‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الجراحة،‭ ‬أو‭ ‬تُعيد‭ ‬الأمل‭ ‬لأم‭ ‬تصارع‭ ‬فقر‭ ‬الدم،‭ ‬أو‭ ‬تُسند‭ ‬شاباً‭ ‬أُصيب‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬مفاجئ‭. ‬الدم‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬عروق‭ ‬البشر‭ ‬جميعاً‭ ‬بلون‭ ‬واحد،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التبرع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أعمق‭ ‬صور‭ ‬الإنسانية‭. ‬ففي‭ ‬غرفة‭ ‬الطوارئ‭ ‬تسقط‭ ‬كل‭ ‬الفوارق،‭ ‬الدم‭ ‬البحريني‭ ‬ينقذ‭ ‬وافداً‭ ‬قدم‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬بعيدة،‭ ‬ودم‭ ‬الوافد‭ ‬ينقذ‭ ‬مواطناً‭ ‬له‭ ‬هنا‭ ‬جذور‭ ‬وذكريات‭.‬

عندنا‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬يعكس‭ ‬الإقبال‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬التبرع‭ ‬بالدم‭ ‬وعياً‭ ‬مجتمعياً‭ ‬حقيقياً‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحاجة‭ ‬دائماً‭ ‬أكبر،‭ ‬والطلب‭ ‬على‭ ‬فصائل‭ ‬بعينها‭ ‬لا‭ ‬يتوقف،‭ ‬وبنوك‭ ‬الدم‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تجديد‭ ‬مستمر‭ ‬طوال‭ ‬العام،‭ ‬فالتبرع‭ ‬المنتظم‭ ‬أجدى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الإقبال‭ ‬الموسمي‭ ‬الذي‭ ‬يتصاعد‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬ثم‭ ‬يخبو‭. ‬والدم‭ ‬المخزون‭ ‬فيها‭ ‬رصيد‭ ‬إنساني‭ ‬مشترك،‭ ‬يُودعه‭ ‬المتبرع‭ ‬اليوم‭ ‬ليسحب‭ ‬منه‭ ‬محتاج‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬غداً،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭ ‬أُنجزت،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬استمرت،‭ ‬بفضل‭ ‬كيس‭ ‬دم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬صاحبه‭ ‬يعلم‭ ‬أين‭ ‬ستذهب‭ ‬هبته،‭ ‬ولم‭ ‬يهتم‭ ‬بذلك‭ ‬أصلاً‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬ينتظرون‭ ‬هذا‭ ‬العطاء‭ ‬بصمت‭ ‬مرضى‭ ‬الثلاسيميا‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬الدم‭ ‬المتكرر‭ ‬مدى‭ ‬الحياة،‭ ‬فموعدهم‭ ‬مع‭ ‬كيس‭ ‬الدم‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬عند‭ ‬مناسبة‭ ‬واحدة،‭ ‬إذ‭ ‬يتكرر‭ ‬كل‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة،‭ ‬وكل‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬وصول‭ ‬الكيس‭ ‬يعني‭ ‬ألماً‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬أصلاً‭. ‬هؤلاء‭ ‬وحدهم‭ ‬كفيلون‭ ‬بتذكيرنا‭ ‬بأن‭ ‬التبرع‭ ‬المنتظم‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬إنسانياً،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬شريان‭ ‬حياة‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬الانقطاع‭. ‬والبحرين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬نموذج‭ ‬يُحتذى،‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬مرضى‭ ‬الثلاسيميا‭ ‬مستوى‭ ‬متقدماً‭ ‬يستحق‭ ‬التقدير،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭ ‬لن‭ ‬يكتمل‭ ‬أثره‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تدفق‭ ‬منتظم‭ ‬من‭ ‬الدم‭ ‬المتبرع‭ ‬به‭.‬

وللدم‭ ‬في‭ ‬موروثنا‭ ‬حضور‭ ‬يتجاوز‭ ‬معناه‭ ‬الطبي،‭ ‬فنحن‭ ‬نقول‭ ‬‮«‬صلة‭ ‬الرحم‮»‬‭ ‬كلما‭ ‬نريد‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬أوثق‭ ‬الروابط‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ونصف‭ ‬القرابة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬رابطة‭ ‬دم‮»‬‭ ‬حين‭ ‬نريد‭ ‬توكيد‭ ‬عمقها‭. ‬وحين‭ ‬يتبرع‭ ‬إنسان‭ ‬بدمه‭ ‬لغريب‭ ‬لا‭ ‬يعرفه،‭ ‬فهو‭ ‬يمنحه‭ ‬أصدق‭ ‬معاني‭ ‬هذه‭ ‬الصلة،‭ ‬رابطاً‭ ‬نفسه‭ ‬به‭ ‬برباط‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬الأنساب‭ ‬ولا‭ ‬تُمليه‭ ‬القرابة،‭ ‬بل‭ ‬يصنعه‭ ‬الاختيار‭ ‬وحده‭.‬

وهو‭ ‬فعل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إرادة،‭ ‬فالبيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق‭. ‬عندما‭ ‬يرى‭ ‬الشاب‭ ‬أن‭ ‬التبرع‭ ‬سلوك‭ ‬طبيعي‭ ‬يمارسه‭ ‬المحيطون‭ ‬به،‭ ‬يصبح‭ ‬هو‭ ‬بدوره‭ ‬حلقة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وتستوقفني‭ ‬تجارب‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬طوّرت‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬آخر،‭ ‬فمنحت‭ ‬المتبرعين‭ ‬المواظبين‭ ‬شارات‭ ‬تكريمية‭ ‬وشهادات‭ ‬شرف‭ ‬تُقدّر‭ ‬عطاءهم‭ ‬أمام‭ ‬المجتمع،‭ ‬فكرة‭ ‬بسيطة‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬لكنها‭ ‬تحمل‭ ‬رسالة‭ ‬بليغة‭: ‬أن‭ ‬من‭ ‬يهب‭ ‬من‭ ‬دمه‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُرى‭ ‬ويُشكر‭. ‬وهذا‭ ‬التقدير‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬الحفلات‭ ‬الرسمية‭ ‬والشارات‭ ‬الورقية‭.‬

فمنصات‭ ‬التواصل‭ ‬بدّلت‭ ‬وجه‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة،‭ ‬إذ‭ ‬صار‭ ‬نداء‭ ‬عاجل‭ ‬لفصيلة‭ ‬دم‭ ‬نادرة‭ ‬ينتشر‭ ‬بين‭ ‬الأصدقاء‭ ‬خلال‭ ‬دقائق،‭ ‬ويتحول‭ ‬مستشفى‭ ‬محتاج‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬يتشاركها‭ ‬الجميع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬ساعة‭ ‬العمل‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭ ‬عن‭ ‬انشغاله،‭ ‬يستجيب‭ ‬بسرعة‭ ‬إذ‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬الدعوة‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يفهمه‭ ‬ويتفاعل‭ ‬معه‭.‬

وقد‭ ‬علّمتنا‭ ‬شرائعنا‭ ‬السماوية‭ ‬أن‭ ‬إنقاذ‭ ‬نفس‭ ‬بشرية‭ ‬واحدة‭ ‬كأنما‭ ‬أحييت‭ ‬الناس‭ ‬جميعاً،‭ ‬وهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يجد‭ ‬صورته‭ ‬الأصدق‭ ‬في‭ ‬كيس‭ ‬دم‭ ‬صغير‭ ‬يمتلئ‭ ‬بالحياة‭ ‬ثم‭ ‬يشق‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬روح‭ ‬لم‭ ‬يلتقِ‭ ‬بها‭ ‬صاحبه‭ ‬يوماً،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬اسمها‭ ‬أو‭ ‬وجهتها‭.‬

عدتُ‭ ‬من‭ ‬بنك‭ ‬الدم‭ ‬مرتين‭ ‬بذراع‭ ‬فارغة،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬بقلب‭ ‬فارغ‭. ‬علّمتني‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬النية‭ ‬الصادقة‭ ‬تسبق‭ ‬الفعل‭ ‬وتعلو‭ ‬عليه‭ ‬أحياناً،‭ ‬وأن‭ ‬السعي‭ ‬وحده‭ ‬شهادة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬داخله‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬وهبه‭ ‬الله‭ ‬العافية‭ ‬والقدرة،‭ ‬فبين‭ ‬يديه‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تواصل‭ ‬روح‭ ‬ما‭ ‬مسيرتها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا،‭ ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا