في إطار تطورات الأوضاع في إيران بعد الحرب فإن المتابع للمشهد الإيراني يلاحظ مسألة بدأت تطفو على السطح وهي أزمة صنع القرار في إيران، وهي مسألة مهمة وحساسة؛ لأن لها تداعيات على حاضرها، وعلى رسم الصورة المستقبلية لها في المرحلة المقبلة، وقد ظهر أثرها بوضوح أثناء مفاوضات إنهاء الحرب بين الأمريكيين والإيرانيين.
وقد أخذت هذه القضية حيزاً من تفكير المراقبين للمشهد الإيراني، وبدأوا يتساءلون عن ماهية الانقسامات التي بدأت تظهر في العلن بين أطراف النظام السياسي، وهل هذه الانقسامات التي يشهدها النظام حالياً حقيقية أم أنها لعبة سياسية من ألاعيب النظام؟
في رأيي أنها لعبة سياسية نسج خيوطها الذين يديرون المشهد السياسي الآن، ويصورون للرأي العام المحلي والدولي أن هناك انقساماً هيكلياً بين جناحين متصارعين على السلطة؛ الجناح الأول يمثلهم «المتشددون» الذين يهيمنون فعلياً على مفاصل الدولة و«المعتدلون» الذين يسعون إلى تغيير الصورة النمطية للنظام الإيراني، ويؤثرون الحلول الدبلوماسية لمشكلات إيران مع العالم الخارجي.
ويذهب المروجون إلى القول: إن الجناح الأول هو الأقوى والأكثر سيطرة، لأنه يضم قيادات الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين المقربين من دوائر الحكم، ومن أبرز شخصياته القائد الحالي للحرس الثوري أحمد توحيدي، ويليه رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي حالياً محمد ذو القدر وهو قائد سابق في الحرس الثوري، إضافة إلى شخصيات أخرى مثل قائد الجيش حاتمي ورئيس السلطة القضائية غلام محسني. أما مجتبى خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية فهو محسوب على هذا الجناح لكنه غير مرئي، وعمليا فهو لم يقم بالدور الذي لعبه والده عقودا.
أما الجناح الثاني فهو الذي يؤمن بالمفاوضات كطريق لحل مشكلات إيران مع العالم، وقد برز دور هذا الجناح بوضوح في إدارته لملف المفاوضات التي جرت في إسلام آباد وجنيف، ومن أبرز وجوهه الرئيس بزشكيان وقاليباف رئيس مجلس الشورى وعباس عراقجي وزير الخارجية. وقد نجح هذا الفريق في الحصول على مكاسب لإيران خلال المفاوضات الأمريكية الإيرانية في جولتها الأولى التي انتهت بتوقيع مذكرة التفاهم مع الأمريكيين.
بعد التوقيع على مذكرة التفاهم بدأت ملامح اللعبة تبرز بصورة أكبر عبر نشاط الآلة الإعلامية الإيرانية الرسمية التي يسيطر عليها «المتشددين» التي تصور هذا الاتفاق على أنه انتقاص بحق إيران، وتنازل عن حقوقها المشروعة، ولم تكتف بهذه السردية، فذهبت إلى نعت الموقعين عليه «بالخيانة» بعد أن وجهت إليهم اتهامات بأنهم باعوا إيران «للشيطان الأكبر» بعد تقديم تنازلات له مقابل وقف الحرب.
في ظني -وليس كل الظن أثم- أن ما يجري في إيران عبارة عن لعبة سياسية بامتياز أبطالها جميع من يتصدر المشهد الحالي في إيران وأقصد «المتشددين والمعتدلين». وهما يؤديان أدوارهما بمهارة وإتقان وفقاً للاستراتيجية المرسومة بعد الحرب؛ فالفريق الأول مطلوب منه أن يبدي تشدده، ويظهر معارضته للمفاوضات في العلن، ومن وراء الكواليس يجلس مع المفاوضين، ويرسم معهم الخطوط العريضة لسير المفاوضات، ويوجههم، ويبارك لهم على انجاز مهمتهم على أكمل وجه. فيما يقوم الفريق الثاني بتقمص شخصية المستاء، من تصرفات الفريق الآخر، وأنه غير راضٍ عن الانتقادات التي يوجهها هذا الفريق إليه.
وقد جسد هذا الدور ببراعة شديدة قاليباف رئيس مجلس الشورى، وهو أحد أبرز المسؤولين في إيران بعد مقتل المرشد علي خامنئي واغتيال الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، حين وجه خلال اجتماع ضم قادة حاليين وسابقين في الحرس الثوري وعدداً من النواب والشخصيات السياسية انتقادات شديدة للهجمات الأخيرة التي استهدفت البحرين والكويت.
كما اتهم قاليباف الجهات التي تقف وراء هذه الهجمات، بذريعة الرد على الولايات المتحدة، بأنها تخدم إسرائيل. وقال قاليباف إن تلك الضربات تزامنت مع مساع يقوم بها شخصيا مع الجانب السعودي تهدف إلى الإعداد لمفاوضات مصالحة إيرانية-خليجية، لكن تلك الهجمات عطلت هذه الجهود. وقال أيضاً: إن الإسرائيليين لا يرغبون في رؤية المنطقة تتجه نحو انهاء الصراع واستعادة الاستقرار.
بعد سردية قاليباف عن خصومه الوهميين فإن المتابع للمشهد الإيراني ربما يصدق هذه السردية، وقد لا ينتابه أي شك حولها، وسيخرج باستنتاج مفاده: إن هناك انقساما حاداً بالفعل في القيادة الإيرانية بعد غياب المرشد الأعلى خامنئي الأب، وأن فرقاء الأمس الباقين على قيد الحياة منقسمون فيما بينهم حول الأزمة الحالية، ويتجسم هذا الانقسام في فريق ينادي بالاستمرار في الحرب، وهذا يمثله الحرس الثوري وعدد من السياسيين وبعض الملالي المتشددين. وهؤلاء يتبنون التصعيد ضد الولايات المتحدة، ويقابلهم فريق آخر يتصف بالمرونة، وأكثر عقلانية ويتقدمهم الرئيس بزشكيان، وقاليباف، وعراقجي.
من جهتي، لا أصدق هذه السردية، ولذلك أعود وأؤكد أن هذا الانقسام غير حقيقي، وإنما هو وسيلة تكتيكية يمارسها الفريقان من أجل مصلحة إيران، وأن الحقيقة التي تغيب عن بال الكثيرين هي أنهما في خندق واحد، ويعملان من أجل تحقيق غاية واحدة هي بقاء النظام.
ولتحقيق هذا الهدف يمارسان هذه اللعبة حتى يوهموا الآخرين أنهما أمام فريقين متناقضين؛ فريق يريد التفاوض، والآخر يريد مواصلة الحرب، وبناء على ذلك يقوم هو بتقديم تنازلات ليشجع الفريق المعتدل على مواصلة العملية التفاوضية وبذلك يكسب الأخير نقاط تسجل لصالحه التي هي في الأساس متفق عليها بين الفريقين، وهذا ما حصل بالفعل وبهذه النتيجة تخرج إيران في النهاية رابحة بدرجة أو بأخرى.
إن المراقب بعمق لما يجري في الساحة الإيرانية سيكتشف هذه اللعبة المزدوجة التي يمارسها الفريقان أمام العالم. وهناك أكثر من دليل يؤيد ما نذهب إليه خذ مثلا الهجمات الأخيرة على البحرين والكويت جاءت نتيجة قرار اتخذه قادة الحرس الثوري ولكن بعلم السياسيين وموافقتهم.
في اعتقادي أن ما يقوم به الحرس الثوري من أعمال عسكرية هو عملية تكتيكية مقصودة، ليقوي نصفه الثاني في محادثاته مع الأمريكيين ليحصل على مزيد من التنازلات من المفاوض الأمريكي على اعتبار أنهم يمثلون تيار الاعتدال، وإذا ما أراد الأمريكيون مواصلة المحادثات فليس أمامهم سوى مواجهة الطرف المتشدد في القيادة الإيرانية بتقديم مزيد من المحفزات وهكذا يوهم الإيرانيون الأمريكيين بهذه السردية، ويحققون بعض ما يريدونه.
ولماذا نذهب بعيداً، فقاليباف ومن معه هم جزء أصيل من نظام ولاية الفقيه، وليس من خارج عباءة الفكر الأيديولوجي للنظام، وهم محسوبون على التيار الأصولي، فقاليباف سبق له أن تولى قيادة الحرس الثوري، لكنه في المرحلة الراهنة يمارس دوراً مزدوجاً، فهو يمثل رمز الاعتدال لأنه يؤمن بالمفاوضات وضد الحرب، وهذه المرحلة تتطلب وجود تيار متشدد وآخر معتدل ظاهرياً؛ لأن ذلك يخدم العملية التفاوضية حيث يوظف هذا التكتيك كورقة يستخدمها اللاعبون الإيرانيون في المفاوضات. في الختام، نقول من دون مواربة إن أصحاب القرار في إيران هما جناحا النظام، وسيبقيان يتحكمان في القرار إلى أن تظهر متغيرات جديدة تغير المعادلة السياسية برمتها

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك