العدد : ١٧٦٤٠ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٠ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تساؤلات حول أزمة صنع القرار داخل النظام الإيراني

بقلم: د. جاسم بو نوفل

الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬إطار‭ ‬تطورات‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬فإن‭ ‬المتابع‭ ‬للمشهد‭ ‬الإيراني‭ ‬يلاحظ‭ ‬مسألة‭ ‬بدأت‭ ‬تطفو‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬وهي‭ ‬أزمة‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬مهمة‭ ‬وحساسة؛‭ ‬لأن‭ ‬لها‭ ‬تداعيات‭ ‬على‭ ‬حاضرها،‭ ‬وعلى‭ ‬رسم‭ ‬الصورة‭ ‬المستقبلية‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬وقد‭ ‬ظهر‭ ‬أثرها‭ ‬بوضوح‭ ‬أثناء‭ ‬مفاوضات‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬والإيرانيين‭.‬

وقد‭ ‬أخذت‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬حيزاً‭ ‬من‭ ‬تفكير‭ ‬المراقبين‭ ‬للمشهد‭ ‬الإيراني،‭ ‬وبدأوا‭ ‬يتساءلون‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ ‬الانقسامات‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬العلن‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬النظام‭ ‬السياسي،‭ ‬وهل‭ ‬هذه‭ ‬الانقسامات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬النظام‭ ‬حالياً‭ ‬حقيقية‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬لعبة‭ ‬سياسية‭ ‬من‭ ‬ألاعيب‭ ‬النظام؟

في‭ ‬رأيي‭ ‬أنها‭ ‬لعبة‭ ‬سياسية‭ ‬نسج‭ ‬خيوطها‭ ‬الذين‭ ‬يديرون‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الآن،‭ ‬ويصورون‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬المحلي‭ ‬والدولي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬انقساماً‭ ‬هيكلياً‭ ‬بين‭ ‬جناحين‭ ‬متصارعين‭ ‬على‭ ‬السلطة؛‭ ‬الجناح‭ ‬الأول‭ ‬يمثلهم‭ ‬‮«‬المتشددون‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يهيمنون‭ ‬فعلياً‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة‭ ‬و«المعتدلون‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬ويؤثرون‭ ‬الحلول‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لمشكلات‭ ‬إيران‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭.‬

ويذهب‭ ‬المروجون‭ ‬إلى‭ ‬القول‭: ‬إن‭ ‬الجناح‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬الأقوى‭ ‬والأكثر‭ ‬سيطرة،‭ ‬لأنه‭ ‬يضم‭ ‬قيادات‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬والمسؤولين‭ ‬الأمنيين‭ ‬المقربين‭ ‬من‭ ‬دوائر‭ ‬الحكم،‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬شخصياته‭ ‬القائد‭ ‬الحالي‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬أحمد‭ ‬توحيدي،‭ ‬ويليه‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬حالياً‭ ‬محمد‭ ‬ذو‭ ‬القدر‭ ‬وهو‭ ‬قائد‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬شخصيات‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬قائد‭ ‬الجيش‭ ‬حاتمي‭ ‬ورئيس‭ ‬السلطة‭ ‬القضائية‭ ‬غلام‭ ‬محسني‭. ‬أما‭ ‬مجتبى‭ ‬خامنئي‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬للثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬فهو‭ ‬محسوب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬مرئي،‭ ‬وعمليا‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬بالدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبه‭ ‬والده‭ ‬عقودا‭.‬

أما‭ ‬الجناح‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يؤمن‭ ‬بالمفاوضات‭ ‬كطريق‭ ‬لحل‭ ‬مشكلات‭ ‬إيران‭ ‬مع‭ ‬العالم،‭ ‬وقد‭ ‬برز‭ ‬دور‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬إدارته‭ ‬لملف‭ ‬المفاوضات‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬وجنيف،‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬وجوهه‭ ‬الرئيس‭ ‬بزشكيان‭ ‬وقاليباف‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى‭ ‬وعباس‭ ‬عراقجي‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭. ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬هذا‭ ‬الفريق‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬لإيران‭ ‬خلال‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬جولتها‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬بتوقيع‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬الأمريكيين‭.‬

بعد‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬اللعبة‭ ‬تبرز‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬عبر‭ ‬نشاط‭ ‬الآلة‭ ‬الإعلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬المتشددين‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تصور‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬انتقاص‭ ‬بحق‭ ‬إيران،‭ ‬وتنازل‭ ‬عن‭ ‬حقوقها‭ ‬المشروعة،‭ ‬ولم‭ ‬تكتف‭ ‬بهذه‭ ‬السردية،‭ ‬فذهبت‭ ‬إلى‭ ‬نعت‭ ‬الموقعين‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬بالخيانة‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وجهت‭ ‬إليهم‭ ‬اتهامات‭ ‬بأنهم‭ ‬باعوا‭ ‬إيران‭ ‬‮«‬للشيطان‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬له‭ ‬مقابل‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭. ‬

في‭ ‬ظني‭ -‬وليس‭ ‬كل‭ ‬الظن‭ ‬أثم‭- ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬لعبة‭ ‬سياسية‭ ‬بامتياز‭ ‬أبطالها‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬يتصدر‭ ‬المشهد‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وأقصد‭ ‬‮«‬المتشددين‭ ‬والمعتدلين‮»‬‭. ‬وهما‭ ‬يؤديان‭ ‬أدوارهما‭ ‬بمهارة‭ ‬وإتقان‭ ‬وفقاً‭ ‬للاستراتيجية‭ ‬المرسومة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب؛‭ ‬فالفريق‭ ‬الأول‭ ‬مطلوب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يبدي‭ ‬تشدده،‭ ‬ويظهر‭ ‬معارضته‭ ‬للمفاوضات‭ ‬في‭ ‬العلن،‭ ‬ومن‭ ‬وراء‭ ‬الكواليس‭ ‬يجلس‭ ‬مع‭ ‬المفاوضين،‭ ‬ويرسم‭ ‬معهم‭ ‬الخطوط‭ ‬العريضة‭ ‬لسير‭ ‬المفاوضات،‭ ‬ويوجههم،‭ ‬ويبارك‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬انجاز‭ ‬مهمتهم‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه‭. ‬فيما‭ ‬يقوم‭ ‬الفريق‭ ‬الثاني‭ ‬بتقمص‭ ‬شخصية‭ ‬المستاء،‭ ‬من‭ ‬تصرفات‭ ‬الفريق‭ ‬الآخر،‭ ‬وأنه‭ ‬غير‭ ‬راضٍ‭ ‬عن‭ ‬الانتقادات‭ ‬التي‭ ‬يوجهها‭ ‬هذا‭ ‬الفريق‭ ‬إليه‭.‬

وقد‭ ‬جسد‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬ببراعة‭ ‬شديدة‭ ‬قاليباف‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬مقتل‭ ‬المرشد‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬واغتيال‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬علي‭ ‬لاريجاني،‭ ‬حين‭ ‬وجه‭ ‬خلال‭ ‬اجتماع‭ ‬ضم‭ ‬قادة‭ ‬حاليين‭ ‬وسابقين‭ ‬في‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وعدداً‭ ‬من‭ ‬النواب‭ ‬والشخصيات‭ ‬السياسية‭ ‬انتقادات‭ ‬شديدة‭ ‬للهجمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت‭.‬

كما‭ ‬اتهم‭ ‬قاليباف‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات،‭ ‬بذريعة‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بأنها‭ ‬تخدم‭ ‬إسرائيل‭. ‬وقال‭ ‬قاليباف‭ ‬إن‭ ‬تلك‭ ‬الضربات‭ ‬تزامنت‭ ‬مع‭ ‬مساع‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬شخصيا‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬السعودي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الإعداد‭ ‬لمفاوضات‭ ‬مصالحة‭ ‬إيرانية‭-‬خليجية،‭ ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬الهجمات‭ ‬عطلت‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭. ‬وقال‭ ‬أيضاً‭: ‬إن‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬لا‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬المنطقة‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬انهاء‭ ‬الصراع‭ ‬واستعادة‭ ‬الاستقرار‭.‬

بعد‭ ‬سردية‭ ‬قاليباف‭ ‬عن‭ ‬خصومه‭ ‬الوهميين‭ ‬فإن‭ ‬المتابع‭ ‬للمشهد‭ ‬الإيراني‭ ‬ربما‭ ‬يصدق‭ ‬هذه‭ ‬السردية،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬ينتابه‭ ‬أي‭ ‬شك‭ ‬حولها،‭ ‬وسيخرج‭ ‬باستنتاج‭ ‬مفاده‭: ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬انقساما‭ ‬حاداً‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بعد‭ ‬غياب‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬خامنئي‭ ‬الأب،‭ ‬وأن‭ ‬فرقاء‭ ‬الأمس‭ ‬الباقين‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬منقسمون‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭ ‬حول‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية،‭ ‬ويتجسم‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬في‭ ‬فريق‭ ‬ينادي‭ ‬بالاستمرار‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وهذا‭ ‬يمثله‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬وبعض‭ ‬الملالي‭ ‬المتشددين‭. ‬وهؤلاء‭ ‬يتبنون‭ ‬التصعيد‭ ‬ضد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ويقابلهم‭ ‬فريق‭ ‬آخر‭ ‬يتصف‭ ‬بالمرونة،‭ ‬وأكثر‭ ‬عقلانية‭ ‬ويتقدمهم‭ ‬الرئيس‭ ‬بزشكيان،‭ ‬وقاليباف،‭ ‬وعراقجي‭.‬

من‭ ‬جهتي،‭ ‬لا‭ ‬أصدق‭ ‬هذه‭ ‬السردية،‭ ‬ولذلك‭ ‬أعود‭ ‬وأؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬غير‭ ‬حقيقي،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬تكتيكية‭ ‬يمارسها‭ ‬الفريقان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مصلحة‭ ‬إيران،‭ ‬وأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬بال‭ ‬الكثيرين‭ ‬هي‭ ‬أنهما‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬واحد،‭ ‬ويعملان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬غاية‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬بقاء‭ ‬النظام‭.‬

ولتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬يمارسان‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬حتى‭ ‬يوهموا‭ ‬الآخرين‭ ‬أنهما‭ ‬أمام‭ ‬فريقين‭ ‬متناقضين؛‭ ‬فريق‭ ‬يريد‭ ‬التفاوض،‭ ‬والآخر‭ ‬يريد‭ ‬مواصلة‭ ‬الحرب،‭ ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬يقوم‭ ‬هو‭ ‬بتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬ليشجع‭ ‬الفريق‭ ‬المعتدل‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬العملية‭ ‬التفاوضية‭ ‬وبذلك‭ ‬يكسب‭ ‬الأخير‭ ‬نقاط‭ ‬تسجل‭ ‬لصالحه‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬متفق‭ ‬عليها‭ ‬بين‭ ‬الفريقين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬بالفعل‭ ‬وبهذه‭ ‬النتيجة‭ ‬تخرج‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬رابحة‭ ‬بدرجة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭.‬

إن‭ ‬المراقب‭ ‬بعمق‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الإيرانية‭ ‬سيكتشف‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬المزدوجة‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬الفريقان‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭. ‬وهناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دليل‭ ‬يؤيد‭ ‬ما‭ ‬نذهب‭ ‬إليه‭ ‬خذ‭ ‬مثلا‭ ‬الهجمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت‭ ‬جاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬قرار‭ ‬اتخذه‭ ‬قادة‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬ولكن‭ ‬بعلم‭ ‬السياسيين‭ ‬وموافقتهم‭.‬

في‭ ‬اعتقادي‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬عسكرية‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬تكتيكية‭ ‬مقصودة،‭ ‬ليقوي‭ ‬نصفه‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬محادثاته‭ ‬مع‭ ‬الأمريكيين‭ ‬ليحصل‭ ‬على‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التنازلات‭ ‬من‭ ‬المفاوض‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنهم‭ ‬يمثلون‭ ‬تيار‭ ‬الاعتدال،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أراد‭ ‬الأمريكيون‭ ‬مواصلة‭ ‬المحادثات‭ ‬فليس‭ ‬أمامهم‭ ‬سوى‭ ‬مواجهة‭ ‬الطرف‭ ‬المتشدد‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بتقديم‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المحفزات‭ ‬وهكذا‭ ‬يوهم‭ ‬الإيرانيون‭ ‬الأمريكيين‭ ‬بهذه‭ ‬السردية،‭ ‬ويحققون‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬يريدونه‭.‬

ولماذا‭ ‬نذهب‭ ‬بعيداً،‭ ‬فقاليباف‭ ‬ومن‭ ‬معه‭ ‬هم‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬عباءة‭ ‬الفكر‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬للنظام،‭ ‬وهم‭ ‬محسوبون‭ ‬على‭ ‬التيار‭ ‬الأصولي،‭ ‬فقاليباف‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬تولى‭ ‬قيادة‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬يمارس‭ ‬دوراً‭ ‬مزدوجاً،‭ ‬فهو‭ ‬يمثل‭ ‬رمز‭ ‬الاعتدال‭ ‬لأنه‭ ‬يؤمن‭ ‬بالمفاوضات‭ ‬وضد‭ ‬الحرب،‭ ‬وهذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تتطلب‭ ‬وجود‭ ‬تيار‭ ‬متشدد‭ ‬وآخر‭ ‬معتدل‭ ‬ظاهرياً؛‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يخدم‭ ‬العملية‭ ‬التفاوضية‭ ‬حيث‭ ‬يوظف‭ ‬هذا‭ ‬التكتيك‭ ‬كورقة‭ ‬يستخدمها‭ ‬اللاعبون‭ ‬الإيرانيون‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭. ‬في‭ ‬الختام،‭ ‬نقول‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مواربة‭ ‬إن‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬هما‭ ‬جناحا‭ ‬النظام،‭ ‬وسيبقيان‭ ‬يتحكمان‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬متغيرات‭ ‬جديدة‭ ‬تغير‭ ‬المعادلة‭ ‬السياسية‭ ‬برمتها‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا