إن الصعود المتنامي للتيار الاشتراكي الديمقراطي في انتخابات الكونجرس الحالية هو تحول مهم في أمريكا سيلقي بظلاله على السياسة الخارجية. ومرشحو التيار يخوضون الانتخابات تحت شارة الحزب الديمقراطي. فأمريكا تحفل بالأحزاب والتيارات التي قد لا يسمع عنها القارئ، لأن نظام الحزبين يجهض فرص تلك التيارات في مهدها. وتيار الاشتراكيين الديمقراطيين، المناصر لفلسطين، تنتمي إليه الأغلبية الساحقة من أعضاء الكونجرس التقدميين. وهو التيار الذي جرؤ، في وقت مبكر على تسمية الأمور بأسمائها؛ فتبنى -مثلًا- مصطلح «الإبادة» علنًا لوصف ما حدث ويحدث في غزة.
كذلك فان رموزه، بمن فيهم اليهود بالمناسبة، كانوا أول من دعا إلى حظر بيع السلاح لإسرائيل. وقد استهدفهم لوبي إسرائيل منذ اللحظة الأولى وسعى عبر ملايين الدولارات لهزيمتهم في انتخابات 2024. وقد نجح وقتها بالفعل في هزيمة بعضهم. لكن نجاح اللوبي في طردهم من الكونجرس تحول، في ذاته، لعبء ثقيل عليه في بيئة سياسية غيرتها الإبادة. فالأغلبية الساحقة من الناخبين الديمقراطيين، لا قياداتهم السياسية، انقلبوا على إسرائيل وباتوا يدركون الدور المدمر الذي يلعبه اللوبي، مثله مثل جماعات المصالح الأخرى، عبر إغراق حملات مرشحي الكونجرس بملايين الدولارات فيفوزون رغم أنف الناخب، ولتبني أجندة لا تعبر عن إرادته.
ومع استمرار الإبادة في غزة، بعد ما يسمى باتفاق وقف إطلاق النار، ثم نقلها إلى لبنان، بات المشهد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. ثم جاءت القشة الأخيرة حين نجح نتنياهو في جر أمريكا جرًا لحرب ضد إيران، فبات ارتباط أي مرشح ديمقراطي بلوبي إسرائيل سمًا زعافًا، حتى إن مرشحين كثرًا راحوا يتعهدون اليوم علنًا بعدم تلقي أموال اللوبي في أول سابقة منذ نشأة هذا اللوبي الصهيوني!
وفي تلك الأجواء، دعّم زهران ممداني، عمدة نيويورك الاشتراكي الديمقراطي، ثلاثة ينتمون إلى التيار نفسه في نيويورك، ففاز ثلاثتهم رغم الملايين التي أنفقها اللوبي الصهيوني لفوز منافسيهم الذين ضموا أعضاء حاليين بالكونجرس ينتمون إلى تيار القيادات الذي ضاق به ذرعًا ناخبو الحزب.
في نيوجرسي، فاز الطبيب التقدمي آدم حموي، ذو الأصول المصرية. وهو كان ممن تطوعوا لإنقاذ ضحايا الإبادة. ورفض مساعدة نائبه بالكونجرس لإجلائه إلا إذا سمحت إسرائيل لزملائه الأطباء من غير الأمريكيين بالرحيل.
وفى الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ بولاية ميتشجان، التي ستنعقد في أغسطس المقبل، يتقدم عبدالرحمن السيد، ذو الأصول المصرية أيضا، على منافسيه الديمقراطيين رغم أموال اللوبي الصهيوني أو ربما بسببها! حتى جرام بلاتنر، الذي أحاطت بحملته الشائعات، حقق فوزا ساحقا بولاية مين رغم الملايين التي أُنفقت لهزيمته.
وكل هؤلاء الفائزين وقفت قيادات الحزب الديمقراطي ضدهم ودعمت منافسيهم. والحقيقة أن الصعود المتنامي لهذا التيار صار مصدر قلق بالغ لقيادات الحزب. فزعيم الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب حكيم جيفريز، المناصر لإسرائيل، اعتبر فوز الثلاثة الذين دعمهم ممداني ليس في مصلحة الحزب الديمقراطي، وقال بصلف: «أنا وممداني متفقان على ألا نتفق وبقوة على بعض الذين تلقوا دعمه... وفوز حفنة صغيرة من تيار بعينه لن يعيد تشكيل هويتنا كحزب».
وأضاف أنها ستكون مسؤولية ممداني، لا هؤلاء الثلاثة، أن يسعى لجعله وغيره من قيادات الحزب الديمقراطي يشعرون بالرضا! وهي مفردات تشير كلها إلى أن الاستجابة لمطالب الناخب صارت مفهومًا غريبًا على قيادات الحزب الديمقراطي التي اعتادت الفوز بأموال جماعات المصالح لا بإرادة الناخبين.
السؤال المطروح الآن: هل تضطر تلك القيادات اضطرارًا إلى بذل الجهد لكسب ثقة الناخبين الديمقراطيين أم أنها ستستمر في اتباع النهج ذاته الذي تبنته كامالا هاريس فكانت النتيجة خسارة قطاعات واسعة من الناخبين وفوز ترامب؟!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك