العدد : ١٧٦٣٧ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٧ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مخاطر ازدواجية الموقف الإيراني

بقلم: د. نبيل العسومي

الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

عندما‭ ‬وقعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬تفاءل‭ ‬كثيرون‭ ‬بإمكانية‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لحالة‭ ‬الحرب‭ ‬والعداء‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬السلبي‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬كافة‭ ‬ودول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬خاصة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التصرفات‭ ‬الإيرانية‭ ‬اللاحقة‭ ‬لهذا‭ ‬التوقيع‭ ‬بينت‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬خللا‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬التوجهات‭ ‬نتيجة‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬موقف‭ ‬رسمي‭ ‬موحد‭ ‬وسلطة‭ ‬واحدة‭ ‬تمسك‭ ‬بزمام‭ ‬الأمور‭ ‬وتمثل‭ ‬السياسات‭ ‬الرسمية‭ ‬للبلد‭.‬

وقد‭ ‬رأينا‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬الثنائي‭ ‬عندما‭ ‬أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬مسعود‭ ‬بزشكيان‭ ‬عن‭ ‬اعتذاره‭ ‬بشأن‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬بدء‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه‭ ‬تم‭ ‬تكذيبه‭ ‬رسميا‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬والتأكيد‭ ‬بالعكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ضرب‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬أمر‭ ‬مشروع‭ ‬وسيستمر،‭ ‬فكان‭ ‬واضحا‭ ‬وجليا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬غياب‭ ‬وحدة‭ ‬الرأي‭ ‬والسياسة‭ ‬داخل‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭.‬

ويظهر‭ ‬اضطراب‭ ‬الموقف‭ ‬الإيراني‭ ‬بعد‭ ‬التوقيع‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬تعطيل‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ومواصلة‭ ‬استهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬رغم‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تكتيك‭ ‬إيراني‭ ‬مزدوج‭ ‬ويهدف‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬شروط‭ ‬التفاوض‭ ‬النهائية‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ومحاولة‭ ‬ترسيخ‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬السيطرة‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المضيق‭ ‬أمرا‭ ‬واقعا‭ ‬يسلم‭ ‬بها‭ ‬الجميع‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التقلبات‭ ‬المتواصلة‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الإيراني‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الاضطراب‭ ‬موجودا‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬سياسة‭ ‬تصعيدية‭ ‬ميدانية‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬محاور‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نلخص‭ ‬أهمها‭ ‬فيما‭ ‬يأتي‭:‬

أولا‭: ‬محاولة‭ ‬التظاهر‭ ‬بالتفاوض‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬قوة‭ ‬حيث‭ ‬تريد‭ ‬إيران‭ ‬أن‭ ‬توصل‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬كما‭ ‬الى‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬بأنها‭ ‬تتفاوض‭ ‬مع‭ ‬القوة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬القوة‭ ‬والند‭ ‬للند‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الخسائر‭ ‬الكارثية‭ ‬التي‭ ‬تكبدتها‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬التدمير‭ ‬الواسع‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭.‬

ثانيا‭: ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬سياسيا‭ ‬يواجه‭ ‬اعتراضات‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬ويدرك‭ ‬الإيرانيون‭ ‬أن‭ ‬وضع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬يواجه‭ ‬انتقادات،‭ ‬فيعتقدون‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬استغلال‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود‭ ‬لدفعه‭ ‬باتجاه‭ ‬جعل‭ ‬إيران‭ ‬تحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬أساسية‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالإفراج‭ ‬عن‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬الإيرانية‭ ‬المجمدة‭ ‬ورفع‭ ‬الحصار‭ ‬عن‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭.‬

وهناك‭ ‬أيضا‭ ‬محاولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تعويضات‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬إعادة‭ ‬الأعمار‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬ورقة‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬تخلي‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬تعهداتها‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬غلق‭ ‬المضيق‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬يمكن‭ ‬استغلالها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬لتهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬ابتزاز‭ ‬واشنطن‭ ‬ودول‭ ‬العالم‭ ‬ومحاولة‭ ‬جعل‭ ‬إيران‭ ‬صاحبة‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬الدولي‭ ‬المهم‭ ‬والمؤثر‭ ‬اقتصاديا‭ ‬للعالم‭ ‬كله‭.‬

ثالثا‭: ‬واضح‭ ‬من‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭ ‬ومن‭ ‬المفاوضات‭ ‬والتصريحات‭ ‬إن‭ ‬إيران‭ ‬أدخلت‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬ورقة‭ ‬لبنان‭ ‬ومحاولة‭ ‬حماية‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق،‭ ‬فهذا‭ ‬الوضع‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬مصرة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬ذيولها‭ ‬واتباعها‭ ‬من‭ ‬المليشيات‭ ‬الخارجة‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬ضد‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭.‬

إن‭ ‬الاتفاق‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬التوقيع‭ ‬عليه‭ ‬أصبحت‭ ‬إيران‭ ‬تستخدمه‭ ‬في‭ ‬التهديد‭ ‬والابتزاز‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬قنوات‭ ‬التواصل‭ ‬والتفاوض‭ ‬مفتوحة‭ ‬لمنع‭ ‬خروج‭ ‬الأوضاع‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬مجددا،‭ ‬ولهذا‭ ‬نشهد‭ ‬الضربات‭ ‬والضربات‭ ‬المضادة‭ ‬مستمرة‭ ‬بسبب‭ ‬انعدام‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬وانفصام‭ ‬القرار‭ ‬الإيراني‭ ‬بين‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬والتهديدات‭ ‬التي‭ ‬تطلقها‭ ‬قوات‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬نتابعه‭ ‬يوميا‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬متقلبة‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬ازدواجية‭ ‬القرار‭ ‬الإيراني‭ ‬بين‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬إنهاء‭ ‬العزلة‭ ‬الإيرانية‭ ‬والتوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬نهائي‭ ‬تستفيد‭ ‬منه،‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬المتشددين‭ ‬في‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬والمليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني‭ ‬وتعمل‭ ‬بعقلية‭ ‬عدوانية‭ ‬ترى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬التخلي‭ ‬مطلقا‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬التهديد‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬كأداة‭ ‬للتخويف‭ ‬والردع‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا