عندما وقعت الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران ما سمي مذكرة التفاهم تفاءل كثيرون بإمكانية وضع حد لحالة الحرب والعداء التي سادت بين الطرفين فترة طويلة أسهمت في التأثير السلبي على العالم كافة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خاصة، إلا أن التصرفات الإيرانية اللاحقة لهذا التوقيع بينت أن في الدولة الإيرانية خللا واضحا في التوجهات نتيجة عدم وجود موقف رسمي موحد وسلطة واحدة تمسك بزمام الأمور وتمثل السياسات الرسمية للبلد.
وقد رأينا ذلك حتى قبل هذا الاتفاق الثنائي عندما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن اعتذاره بشأن الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج العربية بعد فترة قصيرة من بدء هذه الحرب، أنه في اليوم نفسه تم تكذيبه رسميا من الحرس الثوري والتأكيد بالعكس من ذلك على أن ضرب دول الخليج العربية أمر مشروع وسيستمر، فكان واضحا وجليا من هذا الموقف غياب وحدة الرأي والسياسة داخل الجمهورية الإسلامية.
ويظهر اضطراب الموقف الإيراني بعد التوقيع المشار إليه في استمرار تعطيل الملاحة الدولية في مضيق هرمز ومواصلة استهداف دول الخليج العربية بالصواريخ والطائرات المسيرة رغم التوقيع على مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا في الحقيقة تكتيك إيراني مزدوج ويهدف هذا السلوك إلى تحسين شروط التفاوض النهائية من ناحية ومحاولة ترسيخ النفوذ الإيراني في مضيق هرمز من ناحية ثانية حتى تصبح السيطرة الإيرانية على هذا المضيق أمرا واقعا يسلم بها الجميع.
ولذلك فإن هذا التقلبات المتواصلة في الموقف الإيراني هي ليست مجرد اضطراب في الموقف وإن كان هذا الاضطراب موجودا وإنما هي سياسة تصعيدية ميدانية في عدة محاور يمكن أن نلخص أهمها فيما يأتي:
أولا: محاولة التظاهر بالتفاوض من موقع قوة حيث تريد إيران أن توصل هذه الصورة إلى الداخل الأمريكي كما الى دول العالم بأنها تتفاوض مع القوة الأولى في العالم من موقع القوة والند للند بغض النظر عن الخسائر الكارثية التي تكبدتها إيران في هذه الحرب وبغض النظر عن التدمير الواسع في البنية التحتية العسكرية الإيرانية.
ثانيا: الضغط على الطرف الأمريكي الذي يبدو سياسيا يواجه اعتراضات في الداخل الأمريكي ويدرك الإيرانيون أن وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الداخل يواجه انتقادات، فيعتقدون أنه يجب استغلال هذا الوضع إلى أبعد الحدود لدفعه باتجاه جعل إيران تحقق مكاسب أساسية وخاصة فيما يتعلق بالإفراج عن الأصول المالية الإيرانية المجمدة ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
وهناك أيضا محاولة الحصول على تعويضات عن الحرب تحت عنوان إعادة الأعمار في إيران إضافة إلى استخدام ورقة الملاحة الدولية في مضيق هرمز لضمان عدم تخلي واشنطن عن تعهداتها في المستقبل بحيث يكون غلق المضيق ورقة ضغط يمكن استغلالها في أي لحظة لتهديد الملاحة كنوع من ابتزاز واشنطن ودول العالم ومحاولة جعل إيران صاحبة القرار في إدارة هذا الممر الدولي المهم والمؤثر اقتصاديا للعالم كله.
ثالثا: واضح من مذكرة التفاهم المشار إليها ومن المفاوضات والتصريحات إن إيران أدخلت بشكل أو بآخر ورقة لبنان ومحاولة حماية حزب الله ضمن هذا الاتفاق، فهذا الوضع يؤكد أن إيران مصرة على استخدام ذيولها واتباعها من المليشيات الخارجة عن القانون ضد سلطة الدولة اللبنانية.
إن الاتفاق الذي تم التوقيع عليه أصبحت إيران تستخدمه في التهديد والابتزاز في ظل استمرار قنوات التواصل والتفاوض مفتوحة لمنع خروج الأوضاع عن السيطرة والعودة إلى الحرب مجددا، ولهذا نشهد الضربات والضربات المضادة مستمرة بسبب انعدام الثقة بين الطرفين وانفصام القرار الإيراني بين الدبلوماسية التي يمثلها رئيس الدولة ووزير الخارجية والتهديدات التي تطلقها قوات الحرس الثوري.
إن ما نتابعه يوميا من مواقف متقلبة يعكس بوضوح ازدواجية القرار الإيراني بين الخارجية الإيرانية التي تحاول إنهاء العزلة الإيرانية والتوصل إلى اتفاق نهائي تستفيد منه، وبين ما المتشددين في الحرس الثوري والمليشيات المسلحة التي تسيطر على مفاصل المجتمع الإيراني وتعمل بعقلية عدوانية ترى أنه لا يجب التخلي مطلقا عن استخدام التهديد واستخدام القوة كأداة للتخويف والردع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك