يقول تعالى: «من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه» فاطر: 10.
إن من طبيعة الكلم الطيب الحيوية والحركة والتحقق، وقد يحقق شيئًا من الغاية المرجوة التي يسعى إليها الإنسان، ولكن هذا ليس شرطًا لبلوغ الغاية المبتغاة، وأنه لا بد من توافر أسباب ومعطيات تجعل من الممكن واقعًا حيًا يجني الإنسان منه ما يرجوه من فوائد، وحتى يحقق ذلك فلا بد من أن يكون العمل والكلم صالحين، ومن علامات العمل الصالح الذي هو بمثابة القوة الرافعة التي تتولى دعم الكلم الطيب لوجستيًا ليمده بتنامٍ في القوة الفاعلة التي تواصل عطاءها ليبلغ الكلم الطيب غايته، والقرآن الكريم يقرن في الأمثلة التي يضربها للناس بين النبات والحياة، يقول تعالى: «ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25)» سورة إبراهيم.
والدليل على صدق المثل وخلوص النية فيه قول الحق سبحانه وتعالى: «تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها»، وهذا من بشارات القبول ومن عاجل بشرى المؤمن في الحياة الدنيا، ويكون ذلك دليلًا على صدق نيته، وسلامة مقصده، فيشجعه ذلك على مواصلة العمل والسعي لما فيه خير المسلم أفرادًا وجماعات.
الآية العظيمة (25) من سورة إبراهيم تأتي بثمرة هذا الكلم، والرسول (صلى الله عليه وسلم) يؤكد لنا ذلك في الحديث المشهور الذي يتحدث إلينا عن أثر النية في بلوغ الغاية وحسن الخاتمة، فيقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه») رواه البخاري في صحيحه.
هنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) يؤكد لنا حقيقة النية وأثرها في قبول العمل أو رده، فضلًا عن أن يتنامى هذا العمل ليصبح ثمارًا يانعة لا ينقطع عطاءها، ولا ينضب معينها، وهذا ما يؤيده حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي جاء في صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
هذا ما يبقى من الإنسان عند موته، وهو عمل استثماري لا ينقطع عطاءه، ولا يتوقف رفده، ومن الممكن أن يستقيم حال المسلم يوم القيامة بعمل قد يكون صغيرًا في موازين أعماله ولكن فيه من الصدق في النية، وخلوص المقصد ما يحقق له ما يرجوه من النجاة في يوم يفر المرء من أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه لأنهم يوم القيامة لكل منهم شأن يغنيه، ولا يجد أمامه إلا العمل الصالح الذي يرفع كلمه الطيب ويحقق لها الرجاء.
أيها المسلم المقصر، لا تحقرن من الأعمال أصغرها، فإن الصغير مع المداومة عليه يصبح كبيرًا، والحقير من الأعمال قد يكون عظيمًا، وكل ذلك مظهر من مظاهر قبول الأعمال عند الله تعالى.
ومن يتأمل حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الأعمال التي لا ينقطع عطاءها حتى بعد وفاة صاحبها يدفع الإنسان إلى غرس بذور الصدقة الجارية، والعلم الذي ينتفع به، والولد الصالح الذي لا يفتر عن الدعاء لوالديه في السر والعلانية لعل ذلك يثقل موازينه عند الحساب يوم القيامة، وأن يقيض له من أولاده وأحفاده من يدعو له ويتصدق عنه، وقد يحقق جهدًا علميًا يشتهر به، ويترحم الناس عليه بسببه، فيضاف كل ذلك إلى صحائف أعماله يوم القيامة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك