في عصرنا الحالي، وقبل ظهور أجهزة التكييف والتبريد الحديثة التي تعتبرُ جزءّا أساسيًا في حياتنا اليوم، وخاصة في المناطق الحارة، كان الإنسان يواجه حرارة الصيف بطرق تقليدية وبسيطة، ولم يكن يملك أجهزة تبريد أو أي وسيلة متطورة، لكنه أمتلك نوعًا من الذكاء، معتمدًا على الملاحظة المستمرة والتجارب المتراكمة والمتوارثة بين الأجيال، وقد استطاع تطوير حلول تساعده على التكيّف مع بيئته وما يحيط بها، والقدرة على مواجهة حرارة الصيف الصعبة. ويمكننا أن نطلق على هذا النوع من التفكير والابتكار بالذكاء الشعبي، ومعنى ذلك هو قدرة الإنسان على تحويل الموارد المتاحة في بيئته إلى وسائل قابلة للتطبيق وعملية تسهم في حل مشكلات الحياة اليومية.
ومع ازدياد الاعتماد الكلي على هذه الوسائل، التي من غير الممكن أصبح حاليًا الاستغناء عنها في ظل ارتفاع الحر الشديد، حيثُ إن ازدياد هذه الوسائل بالتأكيد له دور كبير في ازدياد استهلاك الطاقة غير المتجددة والمعتمدة على النفط والغاز، ما يدفعنا إلى إعادة التفكير في سؤال مهم جدًا: هل من الممكن أن نجد في الماضي حلولًا تساعدنا اليوم؟ إن هدفي من هذا الموضوع ليس العودة إلى الماضي الذي نفتخر به ونعتز بما خلفه لنا الأجداد من تراث وتأصيل هوية رسخت فينا كجذور النخيل، وإنما الاستفادة من أفكار الأجداد والعمل على تطويرها لتناسب عصرنا الحالي بهدف تقليل الاعتماد الكلي على مصادر الطاقة والحفاظ على البيئة ومواردها جرّاءِ انبعاث الغازات الكربونية.
ومن المثير للاهتمام أننا لو تأملنا قليًلا لوجدنا أن الإنسان قديمًا كان يطبق كل ما نتداوله اليوم من مبادئ للتنمية المستدامة من دون معرفته بهذا المصطلح، وذلك عن طريق استخدام، وتقليل الهدر للموارد المتوافرة بحكمة وإعادة استخدامها وتطويعها وفق احتياجاته، ويحافظ على البيئة ومقدراتها والكائنات التي تعيش فيها بطرق طبيعية انطلاقًا من احتياجاته وخبراته المتراكمة. ومن الجوانب التي عكست ذكاء أجدادنا في مواجهة الحرارة أنهم لم يكن لديهم أجهزة وتقنيات مثلا لمعرفة تغير الفصول، وإنما كانوا يراقبون الطبيعة والعلامات المحيطة بهم؛ لذا كانوا يلاحظون تجاه الرياح، وحركة النجوم وتغير درجات الحرارة، وبعض الظواهر الطبيعية الدالة على اقتراب أشهر الصيف، ومن هذه الظواهر اللطيفة مجتمعيًا «كإنو يرددون أستوى الرطب- رطبت»، وهنا نلاحظ اعتمادهم على النباتات، والنخيل وكذلك بمواسم الثمار، حيثُ نظموا حياتهم وفقًا للبيئة ومقدراتها؛ بداية من اختيار أوقات العمل تجنبًا للحرارة.
وفي البحرين ودول الخليج العربي، اتخذ أجدادنا طرقًا ذكية تتناسب مع طبيعة البيئة الخليجية، مثلا للحصول على المياه الباردة عمدوا إلى صناعة الأواني الفخارية والطينية لحفظ المياه وتبريده ويطلق عليها محليًا «الشربة»، بحيث يتم الاستفادة من خصائص الطين الطبيعية التي تساعد على تقليل الحرارة. وطبعًا هذه الفكرة لا تزل قابلة للتطوير والاستفادة منها اليوم، وخاصة نرى أن بعض الاستخدامات البسيطة من الممكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على الأجهزة الكهربائية نلاحظ أن المادة المستخدمة في بناء البيوت من الطين والجص والأحجار البحرية، وسمك جدران البيوت مصمم بحيث يقلل انتقال الحرارة إلى الداخل، والمحافظة قدّر الإمكان على اعتدال الجو. كما استخدموا كذلك الأفنية «الفَنَاء» والممرات الداخلية التي تسمح بمرور الهواء وتحسين التهوية، وغير ذلك فإن من أكثر العادات المنشرة قديمًا «النوم على أسطح المنازل»، حيث تكون حركة الهواء ليلًا أفضل، ما يساعد على الشعور بالبرودة والراحة مقارنة بالغرف المقفلة. وبالضبط هو ما يشبه في يومنا هذا المباني المستدامة التي تعتمد على تقليل استخدام موارد الطاقة. إلى جانب تكيفهم مع الحرارة في حفظ أطعمتهم بطرق بسيطة، واختيار أوقات مناسبة للسفر، وكذلك ارتداء الملابس الواسعة وأغطية الرأس كالغترة للحماية من الشمس والغبار، وهنا يتضح أن القدماء لم ينتظروا حلولًا جاهزة، بل استطاعوا التكيف مع الطبيعة وفهمها واستخدامها لمصلحتهم بذكاء ووعي.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: كيف يمكننا الاستفادة من هذه الأفكار والممارسات التي ورثناها من أجدادنا في حياتنا اليوم؟ وهل من الممكن أن تسهم في التقليل من الاعتماد على الطاقة ولو بنسبة قليلة. إن الاستفادة من الماضي لا تعني الاستغناء عن التكنولوجيا الحديثة أو العودة إلى الحياة القديمة، بل تعني إمكانية تطبيق الأفكار الناجحة والقابلة للتطوير بما يتناسب مع وقتنا الحاضر، مثلا أرى أن استعادة تصميم المنازل، ووضع فتحات تهوية طبيعية احتياطيه للمباني، بحيث يمكن استخدامها في أي وقت، فإن ذلك سيسهم في تقليل استخدام الكهرباء ولا سيما في موسم أواخر الشتاء الذي ترتفع فيه نسبيًا حرارة الجو، وكذلك العمل على زيادة المساحات الخضراء وإعادة استخدام مواد طبيعية، أو معاد تدويرها.
ويمكن أيضا تطبيق بعض الأفكار في حماية الحيوانات وتوفير الظل والمياه بطرق جدًا بسيطة وغير مكلفة. وأثناء اطلاعي على بعض الأفكار الحديثة المستوحاة من الأساليب التقليدية شاهدت فيلمًا قصيرًا، وفي الحقيقة ليست حقيقة علمية مؤكدة بأن تنفيذها يمنع النفوق للحيوانات بشكل مباشر، وإنما فكرة تظهر استمرار الذكاء الشعبي بصورة تناسب العصر الحالي، وتعتمد على إعادة استخدام السلال البلاستيكية، وصفها بعضَها فوق بعض، ثم تغليفها بطبقة من الطين الصلصال لحماية الحيوانات والطيور، وتقليل حالات النفوق نتيجة للحرارة الشديدة في أشهر الصيف، ولا سيما الطيور والدجاج التي نربيها في بيوتنا، وهذا مثال يوضح كيف للإنسان أن يمزج بين الأدوات الحديثة والمواد الطبيعية لإيجاد حلول بسيطة وفعالة.
وفي نهاية المقال: عند التأمل في هذه الممارسات نرى أنها تتشابه إلى حد بعيد مع أهداف التنمية المستدامة في وقتنا الحاضر، وبشكل أوضح مثلا تحسين جودة الحياة والتخلص من الجوع، والاستهلاك المسؤول للموارد، والحد من الهدر والتغير المناخي وغيرها من الأهداف السبعة عشر التي نتداولها حاليًا، كان أجدادنا يطبقون الخبرة اليومية المتراكمة بالرغْم من عدم معرفتهم بهذه المفاهيم كما هي بصورتها الحالية، وإنما باعتمادهم على الفطرة وخبرات الحياة اليومية في بيئتهم، وهنا فإن الماضي يكشف لنا أن الإنسان لم يكن بحاجة دائمة إلى التكنولوجيا الحديثة حتى يوجد حلولًا للمشكلات التي تواجهه، بل إن الذكاء الشعبي كان موجودًا وقائما على حفظ المقدرات الطبيعية والعمل على التكيف معها، ولربما أن هذه الأفكار القديمة تفتح لنا أبوابًا جديدة وخاصة في ظل التحديات الراهنة التي يعيش فيها العالم ونقص امداد الطاقة، وبهذا فإن الجمع بين حكمة الأجداد وأفكارهم في الماضي ووسائل الحاضر والتقدم العلمي يمكننا أن نصنع مستقبلًا أكثر استدامة، وننشر وعيًا ومسؤولية مجتمعية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك