إذا أردنا تناول تأثيرات وانعكاسات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الدول الأطراف مباشرة في تلك الحرب، فربما يكون من الأنسب البدء بالتأثيرات في الولايات المتحدة الأمريكية، سواء تلك التأثيرات التي رأيناها قد حدثت بالفعل على أرض الواقع، أو تلك المرجح أو المتوقع حدوثها في المستقبل، باعتبار أن واشنطن هي الطرف الأكبر والأكثر أهمية ودورًا في التحالف الأمريكي الإسرائيلي في تلك الحرب، إلا أنه يتعين علينا أن نقوم بتقسيم هذه التأثيرات ما بين تأثيرات في المشهد الداخلي الأمريكي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلك المرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية، سواء على الصعيد العالمي في عمومه، أو فيما يتعلق إقليميًا بمنطقة الشرق الأوسط والخليج على وجه الخصوص.
وحتى اللحظة الراهنة تغلب على التقديرات والتوقعات المستقبلية بشأن تأثيرات الحرب في إيران على الداخل الأمريكي النظرة السلبية، سواء على الأصعدة السياسية، الرمزية والفعلية، أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية.
ونبدأ بمسألة مصداقية الرئيس الأمريكي والإدارة الأمريكية أمام الرأي العام داخل بلاده؛ حيث إن تلك الخاصية تعرضت، ولا تزال، لاختبار شديد الصعوبة، سواء خلال الحرب، أي منذ اليوم الأول لشنها، أو منذ توقف العمليات العسكرية، خاصة من حيث تذبذب تصريحات الرئيس الأمريكي وكبار مسؤولي إدارته، ليس فقط بشأن الأمور التكتيكية أو الثانوية أو الفرعية المتصلة بالحرب، بل حتى فيما يتعلق بأمور رئيسية وجوهرية وأساسية في هذا المجال.
فحتى فيما يتعلق بالأهداف المتوخاة من شن الحرب في المقام الأول فقد فوجئ المواطن الأمريكي بتحولات جذرية وعلى فترات زمنية قصيرة للغاية فيما أعلنه الرئيس الأمريكي وكبار مسؤولي إدارته في هذا الشأن، وكان من ضمن المعلن من تلك الأهداف ما يتراوح بين العمل من أجل إسقاط الحكم الإيراني، أو تغييره، من الداخل أو من الخارج، أو تدمير القدرات النووية الإيرانية برمتها وترسانة إيران من الصواريخ الباليستية ومختلف أسلحة الجيش الإيراني، ما بين القوات الجوية والبحرية والبرية والدفاع الجوي، أو تدمير البنية التحتية الإيرانية، أو ضرب قطاع الطاقة الإيراني، أو حتى القيام بعملية غزو برى أو عمليات إسقاط جوى داخل إيران، أو السيطرة على جزر إيرانية بعينها في منطقة الخليج.
أما الأمر الثاني الذي أثر سلبًا بشكل كبير في مصداقية الرئيس الأمريكي وإدارته فهو عدم التقدير أو التحسب الدقيق أو القريب من الدقة بشأن الفترة التي سوف تستغرقها الحرب أو التي تتطلبها مهمة تحقيق الأهداف الأمريكية من وراء شن الحرب. فما بين الإعلان في بداية الحرب عن أنها سوف تستغرق أيامًا معدودة، إلى تمديد الفترة لتكون فجأة ما بين أسبوع وأسبوعين من الزمان، إلى الحديث عن أربعة أسابيع من العمليات العسكرية إلى امتداد الفترة المتوقعة لتكون ستة أسابيع إلى الإعلان من جانب الإدارة الأمريكية وبشكل مفاجئ وغير متوقع ومن دون تمهيد عن وقف لإطلاق النار بعد 40 يومًا من الحرب. وعقب هذا الإعلان تراوح الحديث من جانب الرئيس الأمريكي وكبار مسؤولي إدارته ما بين اعتبار أن الحرب انتهت وما بين إمكانية استئنافها في أي وقت، بمعنى حالة من اللا سلم واللا حرب، وما بين شن عمليات عسكرية متفرقة ومتقطعة تشبه حرب الاستنزاف.
وإذا انتقلنا إلى الصورة العامة التي خلفتها الحرب في الداخل الأمريكي، فتشير غالبية تقديرات الخبراء المعنيين والاستبانات واستطلاعات الرأي التي تمت حتى الآن في الداخل الأمريكي إلى أن غالبية المواطنين الأمريكيين يرون أن الإدارة الجمهورية الحالية لم تحقق أيًا من أهدافها الرئيسية المعلنة في تلك الحرب، وبالمقابل فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد دفعت ثمنًا باهظًا للعمليات العسكرية التي قامت بها، سواء من حيث التكلفة المالية أو التعبئة العسكرية أو أنشطة الإمداد والتموين وخسارة جزء لا يستهان به من مخزون الأسلحة والذخائر، وذلك بالإضافة بالطبع إلى توقع تحميل المواطن الأمريكي العادي عبء سداد جزء من تكلفة تلك الحرب على أقل تقدير في المستقبل القريب والبعيد.
وإذا انتقلنا من تقييم موقف المواطنين الأمريكيين إلى مواقف القطاعات الفاعلة سياسيًا والجماعات والأحزاب المؤثرة، بشكل أو بآخر، في عمليات صنع القرار في واشنطن إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإزاء ما تلاها من تطورات، نجد أن المحصلة أيضًا تميل إلى التقييم السلبي.
فبالإضافة إلى معارضة الحزب الديمقراطي للحرب ومطالبة الرئيس الأمريكي بتحديد أهداف الحرب من المنظور الأمريكي وكيفية ارتباطها بالأمن القومي أو المصالح الوطنية والاستراتيجية العليا للولايات المتحدة الأمريكية، فإنه بمرور الوقت وإطالة أمد الحرب وعدم ظهور أي أفق لتحقيق الأهداف الأمريكية، أو حتى بعضها، المتوخاة من وراء شنها، فإن قطاعًا من القاعدة السياسية للرئيس الأمريكي، بما في ذلك شخصيات لها وزنها وثقلها من داخل الحزب الجمهوري ذاته، قد بدأت إما في سحب تأييدها المطلق واللا مشروط لحرب الرئيس وإدارته على إيران أو للصمت أو حتى لانتقاد قرار الحرب ثم انتقاد قرارات لاحقة للرئيس، خاصة فيما يتعلق بالتفاوض غير المباشر عبر الوسيط الباكستاني مع إيران وما تم تسريبه من عناصر قبل بها الرئيس الأمريكي في اتفاق وقف إنهاء الحرب الأمريكي الإيراني، بل قبوله بالاتفاق برمته الذى لم يجسد من وجهة نظر هؤلاء أي ناتج إيجابي لواشنطن مقابل ما كلفتها الحرب من أعباء باهظة.
وفى الاتجاه نفسه، فإن معظم استطلاعات الرأي أشارت إلى التأثير السلبى المتوقع للحرب في النتائج التي قد يحققها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بمجلسيه والتي ستجرى في بدايات شهر نوفمبر 2026، وذلك ما لم يحدث تحول جذري ودراماتيكي في سياسات الرئيس الأمريكي وإدارته الجمهورية يؤدي إلى ارتفاع في شعبية الحزب الجمهوري من جديد، ويعزو بعض المحللين سخط بعض قيادات الحزب الجمهوري، بما في ذلك بعض أعضاء الكونجرس من أبناء الحزب الجمهوري، على الرئيس وعلى الإدارة إلى هذا التأثير على وجه التحديد، كما أن هذه النتيجة، في حالة حدوثها، ستمثل إشكالية للرئيس نفسه لأن عدم حصول حزبه في الانتخابات القادمة على الأغلبية في مجلسي الكونجرس، سوف يؤدي إلى تقييد حريته في إصدار القرارات وفى إجراء التحركات وتبني السياسات التي يراها إزاء عديد من القضايا والمسائل الداخلية والخارجية على حد سواء.
ونذكر هنا أن المظاهرات الحاشدة التي خرجت أثناء الحرب ضد الرئيس الأمريكي وضد الحرب في عشرات من المدن الأمريكية الكبرى والأعداد الضخمة للمشاركين فيها تمثل مؤشرًا على أن مكونات مهمة من القطاع النشيط سياسيًا في المجتمع الأمريكي غير راضية عن سياسات الرئيس وإدارته فيما يتعلق بالحرب، وبغيره من مجالات داخلية وخارجية.
وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي أيضًا، فقد بدأ عدد من مراكز الفكر والأبحاث الأمريكية في إعداد دراسات حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب، بدا من النتائج الأولية والجزئية التي ظهرت لبعضها أن الأمر سوف يستغرق عدة أشهر بعد انتهاء الحرب والعمليات العسكرية المرتبطة بها بشكل كامل حتى يشعر المواطن الأمريكي بالآثار الاجتماعية في حياته اليومية لتلك الحرب ولنتائجها الاقتصادية ولتكلفتها.
وبالتالي، فمن الواضح أن الأمر سوف يستغرق بعض الوقت بعد انتهاء كل الأمور العالقة والمرتبطة بالحرب حتى يمكن التوصل إلى تقييم نهائي وشامل لآثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الداخل الأمريكي على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا أن المؤشرات الأولى، وكما أوضحنا في هذا المقال، تشير إلى غلبة الطابع السلبي لهذه الآثار حتى الآن.
{ كاتب ودبلوماسي سابق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك