العدد : ١٧٦٣٣ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٣ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا أصبحت الجغرافيا الاقتصادية ساحة الصراع الكبرى؟

بقلم: د. الحسن حداد

الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

اعتادَ‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬ينظرَ‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الجيوش‭ ‬والعتادِ‭ ‬والمعارك‭ ‬والعقائد‭ ‬العسكرية‭. ‬لكنَّ‭ ‬الأحداثَ‭ ‬الأخيرة،‭ ‬من‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬إلى‭ ‬السّباق‭ ‬المحموم‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬التنافس‭ ‬المحتدم‭ ‬على‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة،‭ ‬بدأت‭ ‬تكشف‭ ‬أنَّ‭ ‬موازينَ‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬تشهد‭ ‬تحولاً‭ ‬عميقاً‭ ‬نحو‭ ‬منظومة‭ ‬جديدة‭.‬

لم‭ ‬تعدِ‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬وحدَها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬العلاقاتِ‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬برزَ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬الجغرافيا‭ ‬الاقتصادية‮»‬،‭ ‬بوصفها‭ ‬محدداً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للتنافس‭ ‬والصراع‭. ‬ولا‭ ‬يُقصد‭ ‬بذلك‭ ‬مجرد‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬حاضرة،‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬ضمنية،‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬النزاعات،‭ ‬وإنَّما‭ ‬امتلاك‭ ‬مفاتيح‭ ‬مواقع‭ ‬جغرافية‭ ‬بعينها‭ ‬تكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬اقتصادية‭ ‬عالمية،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬التحكم‭ ‬فيها‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬والبنى‭ ‬التي‭ ‬تحتضنها‭ ‬مصدر‭ ‬نفوذ‭ ‬استراتيجي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يفوقها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭.‬

أي‭ ‬إن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُقاس‭ ‬بما‭ ‬تحتويه‭ ‬الأرض‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تعبره‭ ‬من‭ ‬تدفقات،‭ ‬وما‭ ‬تنتجه‭ ‬من‭ ‬تكنولوجيا،‭ ‬وما‭ ‬تتحكم‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬سلاسل‭ ‬قيمة‭ ‬عالمية‭.‬

أصبحت‭ ‬السيطرةُ‭ ‬على‭ ‬التدفقات‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬قصوى،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭. ‬فقد‭ ‬انتقل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مضيق‭ ‬بحري‭ ‬إلى‭ ‬شريان‭ ‬حيوي‭ ‬للطاقة‭ ‬العالمية؛‭ ‬نقطة‭ ‬عبور‭ ‬ضيقة‭ ‬أصبحت‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬ومعدلات‭ ‬التضخم،‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬تجدد‭ ‬التقلبات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وغيرها‭. ‬وأصبح‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العُقَد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬من‭ ‬احتلال‭ ‬الأراضي‭ ‬نفسها‭. ‬فالقوة‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الجغرافي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة،‭ ‬والتجارة،‭ ‬والبيانات،‭ ‬وأشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬والمعادن‭ ‬النادرة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

أما‭ ‬المعركة‭ ‬الثانية‭ ‬فهي‭ ‬معركة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والسيادة‭ ‬التكنولوجية‭. ‬فالحرب‭ ‬الباردة‭ ‬الدائرة‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬تنافس‭ ‬اقتصادي‭ ‬تقليدي،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬على‭ ‬مفاتيح‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬سترسم‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬والبيانات،‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية؛‭ ‬أصولاً‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬وجيوسياسية‭ ‬بالغة‭ ‬الحساسية‭. ‬فمن‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات،‭ ‬وبناء‭ ‬هذه‭ ‬البنى‭ ‬التحتية،‭ ‬وامتلاك‭ ‬براءات‭ ‬اختراعها،‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬توريدها‭ - ‬وكلها‭ ‬عناصر‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬إشكالية‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الاقتصادية‭ - ‬يتقدم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السباق‭ ‬المحموم‭.‬

‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬أوروبا‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬لتقليص‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬ثورة‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬نفسه‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬أصبحت‭ ‬معادن‭ ‬مثل‭ ‬الليثيوم،‭ ‬والكوبالت،‭ ‬والمنجنيز،‭ ‬والعناصر‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة؛‭ ‬تضاهي‭ ‬في‭ ‬أهميتها‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الصراع‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬امتلاك‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تكريرها،‭ ‬وتصنيعها،‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬توريدها،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬جغرافيتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وسلاسل‭ ‬قيمتها‭. ‬وتتربع‭ ‬الصين‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬هذه‭ ‬السلاسل،‭ ‬بينما‭ ‬تحتاج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬عديدة،‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬للحاق‭ ‬بها‭. ‬وقد‭ ‬بدأ‭ ‬السباق‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وتسعى‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة،‭ ‬والفضاء،‭ ‬والطيران،‭ ‬والتقنيات‭ ‬الرقمية،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تبعية‭ ‬استراتيجية‭ ‬للآخرين‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يتحول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مصدر‭ ‬للطاقة‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬عالمي‭ ‬للاستثمار،‭ ‬واللوجستيك،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬آسيا‭ ‬بإفريقيا‭ ‬وأوروبا‭. ‬وبالموازاة‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬تشهد‭ ‬الواجهة‭ ‬الأطلسية‭ ‬الإفريقية‭ ‬صعوداً‭ ‬متسارعاً‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءً‭ ‬واعداً‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬الطاقة،‭ ‬واللوجستيك،‭ ‬والمعادن‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬والصناعات‭ ‬التكنولوجية‭. ‬وتلعب‭ ‬دول‭ ‬إفريقية‭ ‬أدواراً‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬فهناك‭ ‬نيجيريا‭ ‬وكوت‭ ‬ديفوار‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬إفريقيا،‭ ‬والمغرب‭ ‬ومصر‭ ‬في‭ ‬شمالها،‭ ‬وكينيا‭ ‬في‭ ‬شرقها،‭ ‬وجنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬القارة‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مجرد‭ ‬مصدّرة‭ ‬للمواد‭ ‬الخام،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬إقليمية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬وجذب‭ ‬الصناعات‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭. ‬وهنا‭ ‬يتجلى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجديدة؛‭ ‬فالقيمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬ولوجستية‭ ‬وتكنولوجية‭.‬

ولعلَّ‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬التحول‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين؛‭ ‬فالجغرافيا‭ ‬لم‭ ‬تختفِ،‭ ‬لكنَّها‭ ‬غيّرت‭ ‬لغتها‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتحدَّث‭ ‬بلغة‭ ‬الحدود،‭ ‬بل‭ ‬بلغة‭ ‬التدفقات،‭ ‬وسلاسل‭ ‬القيمة،‭ ‬والبيانات،‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬فسيجد‭ ‬نفسه‭ ‬خارج‭ ‬مراكز‭ ‬صنع‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد‭.‬

{ كاتب‭ ‬وأستاذ‭ ‬جامعي‭ ‬مغربي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا