العدد : ١٧٦٣٣ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٣ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يستطيع نبيل فهمي إنقاذ جامعة الدول العربية؟

بقلم: د. حسن نافعة {

الخميس ٠٢ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

وقع‭ ‬الاختيار‭ ‬على‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬المصري‭ ‬المخضرم‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأسبق،‭ ‬نبيل‭ ‬فهمي،‭ ‬لشغل‭ ‬منصب‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لسنوات‭ ‬خمس‭ ‬مقبلة،‭ ‬وهو‭ ‬اختيار‭ ‬صادف‭ ‬أهله،‭ ‬ويستجيب‭ ‬لتحدّيات‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭. ‬لأن‭ ‬نبيل‭ ‬فهمي‭ ‬يتمتع‭ ‬بمزايا‭ ‬شخصية‭ ‬عديدة‭ ‬وبخبرة‭ ‬مهنية‭ ‬واسعة،‭ ‬وكلاهما‭ ‬يؤهلانه‭ ‬إلى‭ ‬شغل‭ ‬منصب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬والحساسية‭. ‬وهو‭ ‬اختيار‭ ‬يستجيب‭ ‬لتحدّيات‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬التي‭ ‬عجزت‭ ‬الجامعة‭ ‬عن‭ ‬مواجهتها،‭ ‬ما‭ ‬حوّلها‭ ‬إلى‭ ‬مؤسّسة‭ ‬إقليمية‭ ‬متهالكة،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬إنقاذ‭ ‬كبرى،‭ ‬وإلا‭ ‬انهار‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أساسه‭.‬

يتمتع‭ ‬نبيل‭ ‬فهمي‭ ‬بشخصية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬ثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬واعتزاز‭ ‬بالكرامة،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬الذكي‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬صدامياً‭ ‬يتوق‭ ‬إلى‭ ‬إثارة‭ ‬المشكلات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضرورة،‭ ‬وليس‭ ‬خنوعاً‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬استرضاء‭ ‬الجميع،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬فاعلية‭ ‬المؤسّسة‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭. ‬ولأنه‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يختار‭ ‬كلماته،‭ ‬ولا‭ ‬يهتم‭ ‬بالجري‭ ‬وراء‭ ‬الأضواء،‭ ‬أو‭ ‬يسعى‭ ‬لكي‭ ‬يتملقه‭ ‬الآخرون‭. ‬يتوقع‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يتحلّى‭ ‬دوماً‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬لقول‭ ‬كلمة‭ ‬الحق،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬مطلوبة‭ ‬ومفيدة،‭ ‬وأن‭ ‬يسخِّر‭ ‬جهده‭ ‬ووقته‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مثمر‭ ‬وضروري‭ ‬لتحقيق‭ ‬الصالح‭ ‬العام‭ ‬وعدم‭ ‬اللهاث‭ ‬وراء‭ ‬منافع‭ ‬شخصية‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬المهني،‭ ‬يتمتع‭ ‬نبيل‭ ‬فهمي‭ ‬بشخصية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬خبرة‭ ‬سياسية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬عريضة،‭ ‬اكتسبها‭ ‬من‭ ‬عمله‭ ‬دبلوماسيّاً‭ ‬تدرج‭ ‬في‭ ‬مناصب‭ ‬مختلفة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬وزيراً‭ ‬للخارجية‭ ‬المصرية،‭ ‬ورؤية‭ ‬فكرية‭ ‬عميقة،‭ ‬استمدها‭ ‬من‭ ‬مناصب‭ ‬علمية‭ ‬وأكاديمية‭ ‬شغلها‭ ‬إبّان‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭. ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬أن‭ ‬يُشار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬إلى‭ ‬أمرين‭ ‬مهمين‭: ‬عمله‭ ‬سفيراً‭ ‬لمصر‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬تسع‭ ‬سنوات‭ ‬متصلة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬نادر‭ ‬الحدوث،‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬ملمّاً‭ ‬بتفاصيل‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأميركية‭ ‬تجاه‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭. ‬وتفاعله‭ ‬المتواصل‭ ‬مع‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬المصري‭ ‬والعربي‭ ‬الدولي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الحلقات‭ ‬النقاشية‭ ‬والمؤتمرات‭ ‬العلمية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬ونشره‭ ‬مقالات‭ ‬رأي‭ ‬في‭ ‬الصحف‭. ‬وقد‭ ‬أكسبته‭ ‬هذه‭ ‬السمات‭ ‬مزايا‭ ‬متعدّدة‭ ‬جعلته‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الخبراء‭ ‬إدراكاً‭ ‬لجسامة‭ ‬التحدّيات‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة،‭ ‬وربما‭ ‬من‭ ‬أفضلهم‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬خارج‭ ‬الصندوق‭.‬

تكفي‭ ‬نظرة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬للعالم‭ ‬العربي‭ ‬وفيه‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬المنصرمة،‭ ‬لنكتشف‭ ‬أنه‭ ‬يشهد‭ ‬أسوأ‭ ‬مراحله‭ ‬التاريخية،‭ ‬ولندرك‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬أزمات‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭ ‬حادّة‭ ‬تكاد‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬وتؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفتيته‭ ‬إلى‭ ‬كيانات‭ ‬صغيرة‭ ‬متناحرة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أسس‭ ‬ومعايير‭ ‬عرقية‭ ‬وطائفية‭ ‬وقبلية‭. ‬فقبل‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬،‭ ‬اجتاحت‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬دولاً‭ ‬عربية‭ ‬عديدة،‭ ‬منها‭ ‬سورية‭ ‬والسودان‭ ‬واليمن‭ ‬وليبيا‭ ‬والصومال‭ ‬وغيرها،‭ ‬وانكفأت‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬مشكلاتها‭ ‬وشؤونها‭ ‬الداخلية،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬تهتم‭ ‬بالقضايا‭ ‬العربية‭ ‬المشتركة،‭ ‬ومنها‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬تعتبرها‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬قضية‭ ‬جامعة‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬التفريط‭ ‬فيها‭.‬

كانت‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬الأجواء‭ ‬التي‭ ‬اندلع‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أشعل‭ ‬شرارة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬راحت‭ ‬ساحاتها‭ ‬تتسع‭ ‬وتتمدد‭ ‬وتنتقل‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬وسورية‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬إيران،‭ ‬ومنها‭ ‬ارتدّت‭ ‬عدوانا‭ ‬ايرانيا‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬وهي‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نيرانها‭ ‬قد‭ ‬خمدت‭ ‬نهائياً‭ ‬رغم‭ ‬توقيع‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬مؤخرا‭.‬

يوم‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬الجاري،‭ ‬هو‭ ‬الموعد‭ ‬المحدد‭ ‬لتوجه‭ ‬نبيل‭ ‬فهمي‭ ‬إلى‭ ‬مكتبه‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬ليبدأ‭ ‬بمباشرة‭ ‬مهامّه‭ ‬أميناً‭ ‬عامّاً‭ ‬لهذه‭ ‬المنظمة‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬شاخت‭ ‬في‭ ‬موقعها،‭ ‬وأصبحت‭ ‬عجوزاً‭ ‬في‭ ‬الثمانين‭ ‬عاماً‭. ‬وحتى‭ ‬بافتراض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬وضعت‭ ‬أوزارها‭ ‬نهائياً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يدلف‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الجديد‭ ‬إلى‭ ‬مكتبه،‭ ‬فلن‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسّسة‭ ‬سوى‭ ‬موظفين‭ ‬يؤدّون‭ ‬أعمالاً‭ ‬بيروقراطية‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬تأثير‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬ولن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬أوضاعها‭ ‬الصعبة‭. ‬ولأن‭ ‬نبيل‭ ‬فهمي‭ ‬يدرك‭ ‬يقيناً‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬أصبحت،‭ ‬بوضعها‭ ‬الراهن‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬عبئاً‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك،‭ ‬وليس‭ ‬أداة‭ ‬لتحفيزه‭ ‬أو‭ ‬تطويره،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستكين‭ ‬أو‭ ‬يستسلم‭ ‬للأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬عملاً‭ ‬بالمثل‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬في‭ ‬الإمكان‭ ‬أبدع‭ ‬مما‭ ‬كان‮»‬،‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الصندوق،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬أن‭ ‬الأفكار‭ ‬التقليدية‭ ‬أو‭ ‬الإصلاحية‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الترقيعية‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تصلح‭ ‬لبثّ‭ ‬الروح‭ ‬المطلوبة‭.‬

ربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الأجدى،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬كبرى‭ ‬أو‭ ‬راديكالية‭ ‬يتوافر‭ ‬فيها‭ ‬شرطان‭: ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬تشخيص‭ ‬دقيق‭ ‬للواقع،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أطروحات‭ ‬نظرية‭ ‬أو‭ ‬مثالية‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استحداث‭ ‬إطار‭ ‬مؤسّسي‭ ‬يضم‭ ‬آليات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك،‭ ‬ودفعه‭ ‬نحو‭ ‬التقدّم‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬باستمرار،‭ ‬تجنّباً‭ ‬للجمود‭ ‬وضماناً‭ ‬لعدم‭ ‬الانتكاس‭ ‬أو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الخلف،‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬لتجارب‭ ‬عديدة،‭ ‬تكاملية‭ ‬أو‭ ‬وحدوية‭ ‬سابقة‭. ‬وللوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأفكار،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬إعادة‭ ‬التذكير‭ ‬بالحقائق‭ ‬الثلاث‭ ‬الآتية‭:‬

الأولى‭: ‬تتعلق‭ ‬بحجم‭ ‬ما‭ ‬يملكه‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬وقدرات،‭ ‬فلدى‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬مجتمعة‭ ‬إمكانات‭ ‬مادية‭ ‬وبشرية‭ ‬هائلة،‭ ‬تتيح‭ ‬لها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الرفاهية‭ ‬والازدهار‭ ‬لشعوبها،‭ ‬وتساعدها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬كياناً‭ ‬فاعلاً‭ ‬ومؤثراً‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬آلية‭ ‬مؤسّسية‭ ‬تمكنها‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الثروات‭ ‬والموارد‭ ‬بطريقة‭ ‬تستفيد‭ ‬منها‭ ‬جميع‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬ولا‭ ‬تلحق‭ ‬الضرر‭ ‬بأي‭ ‬منها‭. ‬فإجمالي‭ ‬مساحة‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬13‭ ‬مليون‭ ‬كيلو‭ ‬متر‭ ‬مربع،‭ ‬تمثل‭ ‬10‭% ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬اليابسة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وتمتد‭ ‬جغرافياً‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلنطي‭ ‬إلى‭ ‬وسط‭ ‬آسيا‭ ‬ومن‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الإفريقي،‭ ‬ويبلع‭ ‬تعداد‭ ‬سكانها‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مليار‭ ‬نسمة‭ (‬470‭ ‬مليون‭)‬،‭ ‬وتتحكم‭ ‬في‭ ‬أهم‭ ‬الممرّات‭ ‬المائية‭ (‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬ومضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭)‬،‭ ‬وتملك‭ ‬حوالي‭ ‬50‭% ‬من‭ ‬احتياطيات‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬النفط،‭ ‬وما‭ ‬يقرُب‭ ‬من‭ ‬30‭% ‬من‭ ‬احتياطاته‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ولديها‭ ‬أراض‭ ‬زراعية‭ ‬غير‭ ‬مستغلة‭ ‬تكفي‭ ‬لسد‭ ‬الفجوة‭ ‬الغذائية‭ ‬التي‭ ‬تعانيها‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب‭ ‬العربية‭... ‬إلخ‭.‬

الحقيقة‭ ‬الثانية‭: ‬تتعلق‭ ‬بالروابط‭ ‬التي‭ ‬توحد‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬وبالتناقضات‭ ‬التي‭ ‬تفرّق‭ ‬بينها‭. ‬فبين‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬روابط‭ ‬ثقافية‭ ‬وتاريخية‭ ‬قوية‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬أقوى‭ ‬التجارب‭ ‬التكاملية‭ ‬والوحدوية،‭ ‬وتناقضات‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تفرق‭ ‬بينها‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬تأثيرها‭ ‬السلبي‭ ‬على‭ ‬تجاربها‭ ‬التكاملية‭ ‬أو‭ ‬الوحدوية‭. ‬لذا‭ ‬ينبغي‭ ‬لأي‭ ‬تجربة‭ ‬تكاملية‭ ‬أو‭ ‬وحدوية‭ ‬تقام‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تقوية‭ ‬الروابط‭ ‬المشتركة‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬درجة‭ ‬ممكنةٍ‭ ‬ومحاولة‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬السلبي‭ ‬للتناقضات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬تكرار‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لتجربة‭ ‬الوحدة‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وسورية،‭ ‬وأدّى‭ ‬إلى‭ ‬انهيارها‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الستينيات،‭ ‬وما‭ ‬يحدث‭ ‬للتجربة‭ ‬اليمنية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة،‭ ‬وللحيلولة‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬النكسات‭ ‬التي‭ ‬تتعرّض‭ ‬لها‭ ‬التجمعات‭ ‬الإقليمية‭.‬

الحقيقة‭ ‬الثالثة‭: ‬تتعلق‭ ‬بضرورة‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬مفهوم‭ ‬الإطار‭ ‬المؤسّسي‭ ‬العام،‭ ‬وهو‭ ‬بطبيعته‭ ‬إطار‭ ‬تنسيقي‭ ‬يجسّد‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬روابط‭ ‬مشتركة،‭ ‬وتعد‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬بشكلها‭ ‬الحالي،‭ ‬المثال‭ ‬الحي‭ ‬لهذا‭ ‬الإطار‭ ‬العام،‭ ‬ومفهوم‭ ‬‮«‬مجموعة‭ ‬الدول‭ ‬النواة‭ ‬أو‭ ‬القاطرة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬بطبيعته‭ ‬إطار‭ ‬تكاملي‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الراغبة‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬سلطة‭ ‬عليا‭ ‬تجسّد‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬بينها‭ ‬من‭ ‬روابط‭ ‬مشتركة،‭ ‬تكفي‭ ‬لوضع‭ ‬قطاع‭ ‬اقتصادي‭ ‬أو‭ ‬أمني‭ ‬بعينه،‭ ‬تحت‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬العليا‭ ‬المشتركة‭.‬

‭ ‬وتعد‭ ‬‮«‬الجماعة‭ ‬الأوروبية‭ ‬للفحم‭ ‬والصلب‮»‬‭ ‬المثال‭ ‬الواضح‭ ‬لهذه‭ ‬المجموعة‭ ‬‮«‬النواة‮»‬‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬التكامل‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ولا‭ ‬نظير‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬العربية،‭ ‬فتجربة‭ ‬التكامل‭ ‬الأوروبي‭ ‬بدأت‭ ‬بوضع‭ ‬قطاع‭ ‬الفحم‭ ‬والصلب‭ ‬في‭ ‬ست‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬فقط،‭ ‬ثم‭ ‬راحت‭ ‬تتوسع‭ ‬تدريجياً‭ ‬أفقياً‭ ‬ورأسياً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬تضم‭ ‬حالياً‭ ‬27‭ ‬دولة‭ ‬أوروبية،‭ ‬تتكامل‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬أوجه‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وأصبح‭ ‬لديها‭ ‬عملة‭ ‬موحدة،‭ ‬وتتطلّع،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬مؤسّساتها‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬المشتركة،‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬الفريضة‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬غائبة‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬العربية،‭ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تقتدي‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬تتعلم‭ ‬منها‭.‬

أياً‭ ‬كان‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬سيسلكه‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الجديد‭ ‬لإنقاذ‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مقدوره‭ ‬ضمان‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬مسعاه‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬توافق‭ ‬بين‭ ‬أهم‭ ‬الدول‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬حول‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمور‭ ‬أساسية‭: ‬نهج‭ ‬جديد‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭. ‬إطار‭ ‬مؤسّسي‭ ‬لأمن‭ ‬جماعي‭ ‬إقليمي‭. ‬إطلاق‭ ‬تجربة‭ ‬تكاملية‭ ‬عربية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬التكامل‭ ‬الأوروبي‭.‬

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا