أخيرا، بالرغم من السطوة الكبيرة التي يشكلها ما يسمي حزب الله الإرهابي في لبنان وتهديداته المستمرة بالحرب الأهلية في هذا البلد العربي الشقيق المنهك بالحروب، وبالرغم من المحاولات الإيرانية الفاشلة بالربط بين المسارين الإيراني واللبناني، فقد نجحت الإرادة اللبنانية الرسمية ممثلة في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومعظم النواب اللبنانيين في فرض إرادة لبنان الرسمية والوصول من خلال الاتفاق الإطاري بين الدولة اللبنانية وإسرائيل لإنهاء الحرب المستمرة على لبنان والوصول إلى السلام وبسط سيطرة الجيش اللبناني على الأراض اللبنانية وانسحاب القوات الإسرائيلية المحتلة بالكامل، وإن كان ذلك تدريجيا كما نص هذا الاتفاق الذي وقع بين الطرفين برعاية ووساطة أمريكية.
ومثل هذا الاتفاق الموقع بين لبنان وإسرائيل أول خارطة طريق سياسية وأمنية وعسكرية ومسار نحو التهدئة والسلام من دون أن يكون بالضرورة تسوية نهائية، حيث يهدف هذا الاتفاق بالدرجة الأولى إلى بسط السلطة اللبنانية العسكرية والأمنية على كل أراضيها وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من كل الأراضي التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي، ما يجعل هذا الاتفاق اختبارا جوهريا لبسط الدولة اللبنانية الكاملة على أرض لبنان واستعادت المبادرة بيدها بعد أن ظلت مشلولة أو معاقة بسبب سلطة المليشيات المسلحة، وخاصة مليشيات حزب الله التابعة لإيران الممولة من إيران بزعم مقاومة إسرائيل فكانت هذه المليشيات السبب الرئيسي لما تعرض له لبنان ومازال يتعرض له من ضربات ومن احتلال لأراضيه وتشريد للسكان وتدمير للبنية التحتية المدنية اللبنانية وتهجير للأغلبية الساحقة من سكان الجنوب اللبناني.
إن أي قراءة موضوعية لهذا الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية كما أسلفنا يمكن بوضوح أن تستنتج منها النقاط المهمة الآتية:
الأولى: أن الدولة اللبنانية قد حسمت أمرها بقوة وإرادة باتخاذ قرار التفاوض المباشر مع إسرائيل وهو في الحقيقة ليس أول اتفاق يشمل التفاوض المباشر الذي يعتبره حزب الله خيانة وإنما هو التفاوض الثاني الذي جرى بين البلدين المتمثل في رسم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وبموافقة حزب الله، ولذلك فإن ادعاء هذه المليشيات لا حلول ولا اتفاق مع إسرائيل تعتبر ادعاءات فارغة من أي محتوى أو مصداقية.
الثانية: أن تنفيذ الاتفاق بشرط أن تحل قوات الجيش اللبناني الأمنية والعسكرية ومن ثم السياسية على كامل أرض لبنان وحصول لبنان في الوقت نفسه على استقلاله الكامل ليس عن الاحتلال الإسرائيلي الغاشم فقط بل عن الإرادة التدخلية الإيرانية بما سيسهم تدريجيا في إخراج مليشيات حزب الله من المعادلة الأمنية والعسكرية إلا إذا كان هذا الحزب الإيراني مستعد لمواجهة الجيش اللبناني.
الثالثة: أن هذا الاتفاق هو أحدث محاولة لإعادة الاعتبار للشرعية اللبنانية ومؤسساتها التي اختطفها حزب الله حيث يلزم هذا الاتفاق الحكومة اللبنانية بنزع أي سلاح غير تابع للدولة اللبنانية وبإنهاء أي قوة حزبية أو مليشياوية تحمل السلاح في وجه الدولة، ما سيفتح الباب لنقاش وحوار وطني داخلي حول إنهاء مسألة السلاح الذي هو خارج سيطرة الدولة بما يفتح الباب أيضا حول إنهاء حالة الحرب والتي فرضها حزب الله باعتباره ذراعا من اذرع إيران ومدافعا عن مصالحها وغير مهتم بمصلحة لبنان الوطنية ما يحمل هذا الاتفاق دلالات سياسية بالغة الأهمية.
الرابعة: يقوم هذا الاتفاق على نهج تولي الجيش اللبناني المسؤولية العسكرية والأمنية على أي منطقة ينسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي يتزامن معها إعادة انتشار القوات الإسرائيلية ضمن الجدول الزمني المتفق عليه بعد تفكيك البنية التحتية للجماعات المسلحة وخاصة ما يسمى حزب الله وبذلك سوف يشكل هذا الاتفاق الذي تعارضه مليشيات حزب الله بدعم من إيران محاولة حقيقية لتثبيت الشرعية اللبنانية على الأراضي اللبنانية وتقليص نفوذ إيران المجسد بسلاح حزب الله وعودة الشرعية الكاملة للوطن اللبناني ومن ثم عودة لبنان الكاملة لحضنه العربي دولة حرة ومستقلة.
إن هذا الاتفاق وما ستسفر عنه من نتائج هو اليوم تحت الرقابة والتحليل، مع تمنياتنا للبنان الشقيق الاستقرار والأمن والازدهار والتنمية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك