في العشرين من مايو المنصرم شاهدت خبراً استوقفني. محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية أصدرت حكماً بسجن مواطن إماراتي ثلاث سنوات، وتغريمه خمسة ملايين درهم، بعد أن نشر مقطعاً مرئياً يدّعي فيه كذباً أن القانون المغربي يُبيح تزويج القاصرات. الحكم حمى سمعة دولة شقيقة من افتراء لا أساس له، وأرسى مبدأً مهماً يستحق التقدير. وتركني هذا الحكم أمام سؤال أكبر: كيف تواجه المجتمعات عموماً هذه الظاهرة حين تقع فعلاً، في بيت، بصمت، من دون أن يعلم بها أحد؟
تزويج القاصرات ظاهرة لا تعرف حدوداً، تجدها حيث يسكن الفقر ويغيب الوعي، في الشرق وفي كثير من دول الغرب أيضاً. هي قضية حية، تتجدد في صمت، وكثير منها يمر من دون أن يراه أحد أو يسجّله أحد. والأرقام العالمية وحدها كافية لتُصيبك بشيء يشبه الدوار. اثنا عشر مليون فتاة تُزوَّج كل عام في العالم قبل أن تبلغ الثامنة عشرة من عمرها. اثنا عشر مليوناً في عام واحد فقط. وتقول منظمة اليونيسف، بكل وضوح ومرارة، إننا إذا استمر هذا المعدل فلن تنتهي هذه الظاهرة من وجه الأرض قبل ثلاثمائة سنة أخرى.. ثلاثة قرون. قرأت هذا الرقم مرتين لأتأكد أنني لم أخطئ.
والأكثر إيلاماً من الرقم أن كثيراً من هذه الزيجات لم تسجَّل أصلاً في أي إحصاء، لأنها تمت في هدوء بعيداً عن أعين الجهات الرسمية، تحت مسمى «عرف» أو «دين» أو «مصلحة الأسرة».
ومع ذلك، ثمة من يحاول. كثير من قوانين الأحوال الشخصية في المنطقة باتت تُحدد سن الثامنة عشرة حداً للزواج، وهذا تقدم حقيقي لا يُنكر. لكن كثيراً منها في الوقت ذاته يُبقي باب الاستثناء مفتوحاً، متى رأت الجهة المختصة في ذلك «مصلحة». وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: من يُحدد ما هي المصلحة؟ وهل يُسمع صوت الفتاة نفسها في هذا القرار؟ وحتى لو سُمع، هل فتاة في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة تملك من النضج ما يُؤهلها لاتخاذ قرار سيرسم ملامح بقية حياتها؟ لأن مصلحة الأسرة التي تستعجل التزويج قد لا تكون مصلحة هذه الفتاة في شيء.
سمعت قصصاً من نساء تزوجن وهن صغيرات، وكل واحدة منهن إذا عادت بذاكرتها إلى الماضي لا تتحدث عن يوم العقد، تتحدث عن يوم تركت فيه المدرسة، وعن أشياء أرادتها وبقيت بعيدة.
الزواج المبكر لا يسرق مستقبلاً واحداً، يسرق كل المستقبلات الممكنة. ولا أحد يستطيع أن يُعيدها.
الطب يقول ما تقوله الحياة: جسد لم يكتمل نموه لا يتحمل حملاً، وعقل لم يكتمل نضجه لا يتحمل بيتاً. والفتاة التي تدخل الزواج قبل أوانه تفقد ما هو أثمن من الصحة، تفقد القدرة على معرفة نفسها.
ما جعل هذا الحكم لافتاً أنه تجاوز الحدود الجغرافية. رجل في الإمارات نشر كلاماً يستهين بفتيات بلد آخر، فتحرك النائب العام وأحاله إلى محاكمة عاجلة. المحكمة لم تر فيما فعله رأياً، رأت فيه فتنة وكراهية وإساءة لشعب كريم بأكمله. وهذا وحده يقول الكثير: قضية القاصرات لم تعد شأناً داخلياً يُحسم في صمت، صارت مسألة كرامة لا تتوقف عند حدود.
وهذا لا يعني أن المشكلة حكر على الشرق. في ألمانيا سُجّلت مئات الحالات في سنوات قليلة، وفي أمريكا تُقر التقارير بوجودها ضمن مجتمعات مهاجرة معينة. الفارق أن هناك أنظمة رصد وتوثيق تكشف هذه الحالات وتتعامل معها، بينما في مجتمعات أخرى تبقى بعيدة عن الإحصاء والمتابعة، وهذا الغياب وحده أكثر إيلاماً من الرقم نفسه.
قوانين منطقتنا الخليجية نفسها تتفاوت في تحديد سن الزواج، وهذا التفاوت طبيعي في مسيرة لم تكتمل بعد عالمياً. البحرين جزء من هذه المسيرة، بما تملكه من مؤسسات ووعي مجتمعي يدعم قضايا المرأة والطفل، ويمنحها فرصة حقيقية لتكون صوتاً مؤثراً في ترسيخ هذا المعيار خليجياً وعالمياً.
ما لا يُقال كثيراً في هذا النقاش أن الأم في أحيان كثيرة هي من تُسرّع بتزويج ابنتها. تفعل ذلك من باب الحب، لأنها هي نفسها نشأت على أن هذا هو المسار الطبيعي. تزوجت مبكراً، وكبرت على أن ما عاشته كان صواباً، فلا ترى في تزويج ابنتها ظلماً، تراه حمايةً وتسويةً لأمرها.
والأب له دور يوازي ذلك في مجتمعات كثيرة حول العالم. في بيوت تعيش ضيقاً مادياً يرى بعض الآباء في ابنتهم عبئاً، والمهر الذي سيدخل البيت يبدو حلاً سهلاً لضائقة صعبة. الفقر قد يكون مفهوماً، لكنه في كثير من الحالات هو المحرك الحقيقي وراء القرار.
هنا يكمن الجرح الأبرز في هذه الظاهرة.. أنها تتوارثها الأجيال بالإكراه أحياناً، وبالحب أحياناً أخرى، وبالحاجة في أحيان كثيرة. أم تظن أنها تحمي ابنتها، أب يرى في الأمر حلاً لمشكلة أكبر منه.. وفتاة، في وسط هذا كله لم يفكر أحد في أن يسألها رأيها.
والأكثر إيلاماً في كل هذا أن الفتاة التي تُزوَّج مبكراً في أغلب الأحيان لا تشعر أنها مظلومة. لم تعرف غير هذا الطريق، ولم يخبرها أحد أن ثمة طريقاً آخر. نشأت في بيئة منغلقة على نفسها، لا ترى فيها غير نساء عشن ما ستعيشه، ولا تسمع فيها صوتاً يقول لها إن ما يحدث يمكن أن يكون مختلفاً. قبلت مصيرها كما يقبل الإنسان الجو الذي وُلد فيه دون أن يسأل عنه. وهذا هو الأخطر في هذه الظاهرة، أنها لا تحتاج إلى إكراه، يكفيها غياب الوعي.
أفكر في تلك الفتاة التي لا اسم لها في هذا المقال. التي تجلس الآن بين أناس يقررون مصيرها، ولم يسألها أحد ما تشعر به. حكم كالذي صدر في أبوظبي خطوة في الاتجاه الصحيح، تقول إن الاستهانة بطفولة الفتاة لها ثمن. وهذا المبدأ يستحق أن يتجذر في كل مجتمع، وأن يرى الجميع في هذه الفتاة إنساناً له حق في أن يُسأل، لا قراراً يُتخذ باسمه.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك