العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

بيان المنامة.. يدشن ولادة معادلة خليجية جديدة

بقلم: د. محمد الرميحي

الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

البيان‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬البحرينية‭ ‬المنامة‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬الماضي،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬بمثابة‭ ‬تدشين‭ ‬لبداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة،‭ ‬فالبيان‭ ‬المشترك‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬الاجتماع‭ ‬الوزاري‭ ‬بن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬بوصفه‭ ‬إعلانا‭ ‬عن‭ ‬معادلة‭ ‬إقليمية‭ ‬مختلفة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرضت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لوابل‭ ‬من‭ ‬الاعتداءات‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬الإيرانية‭.‬

أهم‭ ‬ما‭ ‬حمله‭ ‬البيان‭ ‬ليس‭ ‬إعادة‭ ‬تأكيد‭ ‬الشراكة‭ ‬الخليجية‭ - ‬الأمريكية،‭ ‬وإنما‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬النظر‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬ذلك‭ ‬لأنه‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬بدأ‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬القوة‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى،‭ ‬باعتباره‭ ‬كتلة‭ ‬سياسية‭ ‬واحدة‭ ‬لها‭ ‬مصالح‭ ‬مشتركة‭ ‬ورؤية‭ ‬متقاربة،‭ ‬وليست‭ ‬مجموعة‭ ‬دول‭ ‬يجمعها‭ ‬الجوار،‭ ‬وهذا‭ ‬اعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الخليج‭ ‬أصبح‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭.‬

ويكشف‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬عن‭ ‬مسافة‭ ‬كبيرة‭ ‬قطعتها‭ ‬العلاقة‭ ‬الخليجية‭ - ‬الأمريكية‭ ‬منذ‭ ‬قمة‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬تتم‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬مشاركة‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬وقتها‭ ‬في‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬انتظار‭ ‬نتائج‭ ‬التفاهمات‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬صياغتها،‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬بند‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬البيان‭ ‬نفسه‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يقابله‭ ‬مشهد‭ ‬مختلف‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬فعلى‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يعتقده‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المفاوض‭ ‬الإيراني‭ ‬بارع‭ ‬في‭ ‬المناورة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬الانطباعي‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬التحليل‭ ‬السياسي،‭ ‬فالمفاوض‭ ‬الإيراني‭ ‬يعمل‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬تتنافس‭ ‬فيها‭ ‬مراكز‭ ‬القوى‭ ‬على‭ ‬المزايدة‭ ‬في‭ ‬التشدد‭.‬

ويزداد‭ ‬الأمر‭ ‬تعقيداً‭ ‬لأن‭ ‬القيادة‭ ‬العليا‭ ‬للمرشد‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أسيرة‭ ‬أفكار‭ ‬قطعية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تنازل‭ ‬جوهري‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬فوائده،‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬النظام،‭ ‬صعوبة‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬مهارة‭ ‬المفاوض،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يضيق‭ ‬هامش‭ ‬الحركة،‭ ‬ويجعل‭ ‬أي‭ ‬مرونة‭ ‬موضع‭ ‬شك‭ ‬وربما‭ ‬تستحق‭ ‬العقاب‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬القضية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬الصواريخ‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬الأذرع،‭ ‬بل‭ ‬طبيعة‭ ‬المشروع‭ ‬الإقليمي‭ ‬الإيراني،‭ ‬فالممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬أولوية‭ ‬السياسة‭ ‬الإقليمية‭ ‬الإيرانية‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬تكريس‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

لقد‭ ‬تراجعت‭ ‬شعارات‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬تحرير‭ ‬فلسطين‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬انتقلت‭ ‬الأولويات‭ ‬من‭ ‬رفع‭ ‬الشعارات‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬النفوذ،‭ ‬ومن‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الخارج‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الخليجية،‭ ‬بدليل‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬

ذاك‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬الإصرار‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ككتلة‭ ‬واحدة،‭ ‬وتفضيل‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬دوله،‭ ‬فكلما‭ ‬تفرقت‭ ‬المواقف‭ ‬الخليجية‭ ‬اتسع‭ ‬هامش‭ ‬الحركة‭ ‬أمام‭ ‬طهران،‭ ‬وهي‭ ‬سياسة‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬ولكنها‭ ‬رهان‭ ‬حتما‭ ‬سينتهي‭ ‬إلى‭ ‬الفشل،‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬وحدة‭ ‬الموقف‭ ‬الخليجي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬قيمة‭ ‬سياسية‭ ‬بل‭ ‬مصدر‭ ‬قوة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬البيان‭ ‬بشأن‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬فالحديث‭ ‬المتكرر‭ ‬عن‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬خدمات‭ ‬للسفن،‭ ‬محاولة‭ ‬لتكريس‭ ‬تصور‭ ‬يمنح‭ ‬إيران‭ ‬دوراً‭ ‬خاصاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أهم‭ ‬ممر‭ ‬بحري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ولو‭ ‬جرى‭ ‬قبول‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬لتحول‭ ‬المضيق‭ ‬من‭ ‬ممر‭ ‬دولي‭ ‬تحكمه‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬نفوذ‭ ‬سياسي‭. ‬ولذلك‭ ‬جاء‭ ‬رفض‭ ‬البيان‭ ‬المساس‭ ‬بحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬رفضاً‭ ‬لمبدأ‭ ‬الهيمنة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬الصريح‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬ووحدة‭ ‬أراضيها‭ ‬ومياهها‭ ‬الإقليمية‭ ‬جاء‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬مساس‭ ‬بحقوق‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬عضو‭ ‬هو‭ ‬مساس‭ ‬بالأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬للمجلس‭ ‬كله‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬العربية‭ ‬فقد‭ ‬أعاد‭ ‬البيان‭ ‬الاعتبار‭ ‬لفكرة‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬بحصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بدعم‭ ‬استعادة‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بتعزيز‭ ‬سيادته‭ ‬ومنع‭ ‬استخدام‭ ‬أراضيه‭ ‬للإضرار‭ ‬بجيرانه،‭ ‬مع‭ ‬التمسك‭ ‬بحل‭ ‬الدولتين‭ ‬باعتباره‭ ‬الإطار‭ ‬الواقعي‭ ‬لتحقيق‭ ‬سلام‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الرسالة‭ ‬الأعمق‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬المنامة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تفاصيله،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬اتجاهه‭ ‬العام‭. ‬اليوم‭ ‬الخليج‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬ساحة‭ ‬تدار‭ ‬فيها‭ ‬الصراعات،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬طرفاً‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬قواعدها،‭ ‬وهذا‭ ‬تحول‭ ‬يستحق‭ ‬الانتباه،‭ ‬لأنه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الإقليمية‭.‬

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬كويتي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا