العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

معضلات تواجه تطبيق مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية

بقلم: د. محمد محسن أبو النور

الثلاثاء ٣٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تشير‭ ‬التحركات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المتسارعة‭ ‬بين‭ ‬طهران‭ ‬وواشنطن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مسار‭ ‬تنفيذ‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬إعلانها‭ ‬يوم‭ ‬14‭ ‬يونيو‭ ‬2026م،‭ ‬دخل‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬وتعقيدا‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التفاوض‭ ‬ذاتها،‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬التركيز‭ ‬منصبا‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬التنفيذ‭ ‬وضمانات‭ ‬الالتزام‭ ‬المتبادل‭ ‬ومعالجة‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعترض‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬للاتفاق‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬تعزز‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬رأي‭ ‬الأصوليين‭ ‬الذي‭ ‬يزعم‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬خرجت‭ ‬منتصرة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬بنود‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التدقيق‭ ‬والتوضيح،‭ ‬وهو‭ ‬نص‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬كوروش‭ ‬شجاعي‭ ‬بافتتاحية‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬خراسان‮»‬‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السبت‭ ‬20‭ ‬يونيو‭ ‬2026م،‭ ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬خراسان‭ ‬هي‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬الصحف‭ ‬الأصولية‭ ‬المقربة‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬ويمولها‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬محمد‭ ‬باقر‭ ‬قاليباف‭.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬كان‭ ‬لزيارة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬الباكستاني‭ ‬محسن‭ ‬نقوي،‭ ‬لطهران‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬20‭ ‬يونيو‭ ‬2026م،‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬باعتبارها‭ ‬امتدادا‭ ‬لدور‭ ‬الوساطة‭ ‬الذي‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬بوصفها‭ ‬مؤشرا‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬وجود‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬فاعلة‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكا‭ ‬مشتركا‭ ‬بأن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الزخم‭ ‬السياسي‭ ‬الحالي‭ ‬يمثل‭ ‬ضرورة‭ ‬إستراتيجية‭ ‬لتجنب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مربع‭ ‬التصعيد‭ ‬والمواجهة‭.‬

وتعزز‭ ‬التصريحات‭ ‬الصادرة‭ ‬مؤخرا‭ ‬عن‭ ‬المسؤولين‭ ‬الباكستانيين‭ ‬والأمريكيين‭ ‬والسويسريين‭ ‬هذا‭ ‬التقدير،‭ ‬إذ‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬إرادة‭ ‬دولية‭ ‬وإقليمية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬التفاهمات‭ ‬ومنع‭ ‬انهيارها‭ ‬رغم‭ ‬التحديات‭ ‬القائمة،‭ ‬فبينما‭ ‬تؤكد‭ ‬باكستان‭ ‬استمرار‭ ‬جهودها‭ ‬لإزالة‭ ‬العقبات‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬تواصل‭ ‬سويسرا‭ ‬توفير‭ ‬منصة‭ ‬آمنة‭ ‬وسرية‭ ‬لاستكمال‭ ‬المحادثات‭ ‬الفنية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وفق‭ ‬بيان‭ ‬رسمي‭ ‬أصدرته‭ ‬الخارجية‭ ‬السويسرية‭ ‬صباح‭ ‬السبت‭ ‬20‭ ‬يونيو‭ ‬2026م،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحرص‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬تأكيد‭ ‬استمرار‭ ‬حضورها‭ ‬الأمني‭ ‬والعسكري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لحماية‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬وردع‭ ‬أي‭ ‬تهديدات‭ ‬محتملة،‭ ‬وفق‭ ‬تصريح‭ ‬لمسؤول‭ ‬أمريكي‭ ‬نقلته‭ ‬شبكة‭ ‬إن‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬الأمريكية‭.‬

ولعل‭ ‬هذا‭ ‬التوازي‭ ‬بين‭ ‬المسارين‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والأمني‭ ‬يعكس‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بإنجاز‭ ‬اتفاق‭ ‬سياسي،‭ ‬وإنما‭ ‬بإدارة‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬التهدئة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومقتضيات‭ ‬الردع‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

في‭ ‬إيران‭ ‬ألقى‭ ‬السياسيون‭ ‬باللائمة‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬تواصل‭ ‬قصفها‭ ‬العدواني‭ ‬على‭ ‬قرى‭ ‬الجنوب‭ ‬اللبناني‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬أصرت‭ ‬كل‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬تضمين‭ ‬لبنان‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬وإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬عملا‭ ‬منها‭ ‬بمبدأ‭ ‬وحدة‭ ‬الساحات‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬حالة‭ ‬التوتر‭ ‬والتصعيد‭ ‬الراهنة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬انهيار‭ ‬الاتفاق،‭ ‬لكنها‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬ثقة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التنفيذ‭ ‬المبكر،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوافرة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬تفسيرات‭ ‬متباينة‭ ‬للاتفاق،‭ ‬فالطرفان‭ ‬يبعثان‭ ‬برسائل‭ ‬ضغط‭ ‬متبادلة‭ ‬حول‭ ‬شروط‭ ‬تنفيذ‭ ‬التفاهم‭.‬

بالتالي‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مناورات‭ ‬تكتيكية‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬ولعل‭ ‬ربط‭ ‬طهران‭ ‬مسار‭ ‬التفاوض‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬يمثل‭ ‬اختبارا‭ ‬مباشرا‭ ‬للنفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬إسرائيل،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خرج‭ ‬الخلاف‭ ‬الأمريكي‭ ‬ــ‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬العلن‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬ترامب،‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬فرساي‭ ‬وعلى‭ ‬لسان‭ ‬نائبه‭ ‬جيه‭ ‬دي‭ ‬فانس‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭.‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬إيران‭ ‬تحاول‭ ‬تحويل‭ ‬البند‭ ‬اللبناني‭ ‬من‭ ‬ملف‭ ‬جانبي‭ ‬إلى‭ ‬معيار‭ ‬لقياس‭ ‬جدية‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬التزاماتها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬حلفائها‭ ‬الإقليميين‭ ‬سيكون‭ ‬اتفاقا‭ ‬ناقصا؛‭ ‬لذلك‭ ‬تسعى‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬إلزام‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بإثبات‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬السلوك‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ميدانيا،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬تقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬سياسية‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬التقارير‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكي‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬سي‭ ‬إن‭ ‬إن‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬مسودات‭ ‬سرية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إعلانها‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬مسودات‭ ‬مشابهة‭ ‬للاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬لعام‭ ‬2015م،‭ ‬كانت‭ ‬نيويورك‭ ‬تايمز‭ ‬قد‭ ‬كشفت‭ ‬عنها‭ ‬بعد‭ ‬شهور‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاق‭ ‬يومئذ‭.‬

وبناء‭ ‬عليه‭ ‬فإن‭ ‬التصعيد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬يحمل‭ ‬بالفعل‭ ‬أبعادا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأمنية‭ ‬الميدانية،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المؤسسة‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬محتشدة‭ ‬بتيارات‭ ‬تنظر‭ ‬بعين‭ ‬الريبة‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬تفاهم‭ ‬أمريكي‭ ‬ــ‭ ‬إيراني‭ ‬لأنه‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬دمج‭ ‬إيران‭ ‬تدريجيا‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬أو‭ ‬يمنحها‭ ‬مكاسب‭ ‬اقتصادية‭ ‬وإستراتيجية‭. ‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬الضربات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬جنوبا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬باعتباره‭ ‬محاولة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬أوراق‭ ‬الضغط‭ ‬ومنع‭ ‬نشوء‭ ‬واقع‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أو‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬فيها‭.‬

مع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬مؤشرات‭ ‬حاسمة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬تمرد‭ ‬إسرائيلي‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬واشنطن،‭ ‬فالتسريبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬تفاهمات‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬وعن‭ ‬رسائل‭ ‬أمريكية‭ ‬لإيران‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لن‭ ‬توسع‭ ‬عملياتها‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬مع‭ ‬إظهار‭ ‬واشنطن‭ ‬أنها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬تأثير‭ ‬معتبرة‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الأحداث‭.‬

وعليه‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاتفاق‭ ‬دخل‭ ‬مرحلة‭ ‬الاختبار‭ ‬الأصعب،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬المرحلة‭ ‬السابقة‭ ‬هي‭ ‬مرحلة‭ ‬التفاوض‭ ‬وصياغة‭ ‬التفاهمات،‭ ‬أما‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬فهي‭ ‬مرحلة‭ ‬ترجمة‭ ‬البنود‭ ‬إلى‭ ‬وقائع‭ ‬ميدانية،‭ ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬التعقيدات‭ ‬الحقيقية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بلبنان‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬والعلاقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ـ‭ ‬الإسرائيلية؛‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬الاتفاق‭ ‬لن‭ ‬يقاس‭ ‬بتوقيعه‭ ‬إلكترونيا‭ ‬ولا‭ ‬بوجود‭ ‬الوسطاء‭ ‬الإقليميين‭ ‬ذوي‭ ‬التأثير،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الأزمات‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تواجهه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تحديدا‭.‬

وهنا‭ ‬تجد‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬معقدة‭ ‬بين‭ ‬احتواء‭ ‬إسرائيل‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬إذ‭ ‬يواصل‭ ‬ترامب‭ ‬استخدام‭ ‬خطاب‭ ‬متشدد‭ ‬للغاية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬وأنها‭ ‬خرجت‭ ‬ضعيفة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬تستمر‭ ‬الاتصالات‭ ‬السياسية‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬وتُطرح‭ ‬آفاق‭ ‬لتحسين‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصاديالإيراني،‭ ‬ولعل‭ ‬هذه‭ ‬الازدواجية‭ ‬تعكس‭ ‬محاولة‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الردع‭ ‬والتسوية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬توازن‭ ‬يصعب‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬شرخ‭ ‬تاريخي‭ ‬في‭ ‬التحالف‭ ‬الأمريكي‭ ‬ـ‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مبالغا‭ ‬فيه،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬تصريحات‭ ‬جي‭ ‬دي‭ ‬فانس‭ ‬الناقدة‭ ‬لبعض‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬تعكس‭ ‬توترا‭ ‬غير‭ ‬مألوف،‭ ‬وصحيح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تباينا‭ ‬في‭ ‬الأولويات‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب،‭ ‬لكن‭ ‬الخلاف‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬إدارة‭ ‬الملفات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وليس‭ ‬حول‭ ‬جوهر‭ ‬التحالف‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬نفسه،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬تدركه‭ ‬طهران‭ ‬تمام‭ ‬الإدراك؛‭ ‬لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬تنسيق‭ ‬أو‭ ‬خلاف‭ ‬تكتيكي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬قطيعة‭ ‬إستراتيجية‭ ‬محتملة‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭.‬

فضلا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬موافقة‭ ‬المرشد‭ ‬الإيراني‭ ‬المشروطة‭ ‬على‭ ‬الاتفاق‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬حذر‭ ‬شديد‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تعكس‭ ‬تراجعا‭ ‬سياسيا،‭ ‬إذ‭ ‬يدرك‭ ‬مجتبى‭ ‬خامنئي‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬يحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬داخلية‭ ‬كبيرة‭ ‬إذا‭ ‬تعثر‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬ملموسة؛‭ ‬لذلك‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬منح‭ ‬الضوء‭ ‬الأخضر‭ ‬المشروط‭ ‬للرئيس‭ ‬بزشكيان‭ ‬مع‭ ‬إبقاء‭ ‬هامش‭ ‬للمراجعة‭ ‬والانسحاب‭ ‬عند‭ ‬الضرورة،‭ ‬وهو‭ ‬يعلم‭ ‬علم‭ ‬اليقين‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬نظامه‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬دستورية‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬محمد‭ ‬باقر‭ ‬قاليباف‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬التفاوض،‭ ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فإن‭ ‬تحميل‭ ‬الحكومة‭ ‬مسؤولية‭ ‬التنفيذ‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬توزيع‭ ‬الكلفة‭ ‬السياسية‭ ‬داخليا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬تخليا‭ ‬عن‭ ‬القرار‭.‬

ثم‭ ‬يظل‭ ‬العامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬دوافع‭ ‬استمرار‭ ‬التفاهم‭ ‬رغم‭ ‬التعثر‭ ‬الحالي،‭ ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الكهرباء‭ ‬والبنية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عموما،‭ ‬بينما‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬الخبراء‭ ‬الإيرانيين‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وأستاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بجامعة‭ ‬طهران،‭ ‬على‭ ‬قنبري،‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬موقع‭ ‬فرارو،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬خفض‭ ‬التوتر‭ ‬السياسي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجابا‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬والاستثمارات‭. ‬لذلك‭ ‬تمتلك‭ ‬طهران‭ ‬حافزا‭ ‬قويا‭ ‬لتجنب‭ ‬انهيار‭ ‬الاتفاق،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬استخدمت‭ ‬أوراق‭ ‬الضغط‭ ‬الإقليمية‭ ‬لتحسين‭ ‬شروطه‭.‬

وهنا‭ ‬توحي‭ ‬الرسائل‭ ‬المتزامنة‭ ‬حول‭ ‬محاولة‭ ‬تحسين‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬واستمرار‭ ‬الاتصالات‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬بأن‭ ‬الأطراف‭ ‬لم‭ ‬تنتقل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬المواجهة‭ ‬المفتوحة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬لو‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬شديدة‭ ‬بشأن‭ ‬تنفيذه‭ ‬ستظهر‭ ‬مؤشرات‭ ‬تصعيدية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬وأسواق‭ ‬الطاقة؛‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬المشهد‭ ‬الحالي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬الاتفاق‭ ‬وشروط‭ ‬تطبيقه‭ ‬وتعظيم‭ ‬أرباحه‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬جمود‭ ‬الاتفاق‭.‬

وبعد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أعلاه‭ ‬يمكن‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بوجود‭ ‬الاتفاق‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تتعلق‭ ‬بتحديد‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬تفسيره‭ ‬وتنفيذه،‭ ‬وفي‭ ‬طهران‭ ‬يريد‭ ‬بيت‭ ‬القيادة‭ ‬ربط‭ ‬الاتفاق‭ ‬بأمن‭ ‬الحلفاء‭ ‬الإقليميين،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬مسلحا‭ ‬بأي‭ ‬ثمن،‭ ‬بينما‭ ‬تسعى‭ ‬إسرائيل‭ ‬لمنع‭ ‬أي‭ ‬نتائج‭ ‬تقلص‭ ‬هامش‭ ‬حركتها،‭ ‬و‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬وذلك‭ ‬تحاول‭ ‬واشنطن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التفاهم‭ ‬دون‭ ‬خسارة‭ ‬تحالفها‭ ‬مع‭ ‬تل‭ ‬أبيب،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬الأسابيع‭ ‬المقبلة‭ ‬ستحدد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الاتفاق‭ ‬سيتحول‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬استقرار‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬الصراع‭ ‬التقليدية‭ ‬بالمنطقة؟‭!‬

 

{ باحث‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الإيرانية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا