تشير التحركات الدبلوماسية المتسارعة بين طهران وواشنطن إلى أن مسار تنفيذ مذكرة التفاهم بين الجانبين لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي تم إعلانها يوم 14 يونيو 2026م، دخل مرحلة أكثر حساسية وتعقيدا من مرحلة التفاوض ذاتها، حيث بات التركيز منصبا على آليات التنفيذ وضمانات الالتزام المتبادل ومعالجة العقبات التي قد تعترض التطبيق العملي للاتفاق.
في تلك الأثناء تعزز في طهران رأي الأصوليين الذي يزعم أن إيران خرجت منتصرة من الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن بعض بنود مذكرة التفاهم تحتاج إلى مزيد من التدقيق والتوضيح، وهو نص ما كتبه كوروش شجاعي بافتتاحية صحيفة «خراسان» في عدد السبت 20 يونيو 2026م، ومن المعروف أن خراسان هي إحدى أهم الصحف الأصولية المقربة من الحرس الثوري ويمولها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
ضمن هذا السياق كان لزيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، لطهران يوم السبت 20 يونيو 2026م، أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها امتدادا لدور الوساطة الذي تضطلع به إسلام آباد فحسب، وإنما بوصفها مؤشرا على استمرار وجود قنوات اتصال فاعلة بين الأطراف المعنية، بما يعكس إدراكا مشتركا بأن الحفاظ على الزخم السياسي الحالي يمثل ضرورة إستراتيجية لتجنب العودة إلى مربع التصعيد والمواجهة.
وتعزز التصريحات الصادرة مؤخرا عن المسؤولين الباكستانيين والأمريكيين والسويسريين هذا التقدير، إذ تكشف عن وجود إرادة دولية وإقليمية للحفاظ على مسار التفاهمات ومنع انهيارها رغم التحديات القائمة، فبينما تؤكد باكستان استمرار جهودها لإزالة العقبات بين الطرفين، تواصل سويسرا توفير منصة آمنة وسرية لاستكمال المحادثات الفنية والسياسية، وفق بيان رسمي أصدرته الخارجية السويسرية صباح السبت 20 يونيو 2026م، في حين تحرص واشنطن على تأكيد استمرار حضورها الأمني والعسكري في المنطقة لحماية حرية الملاحة وردع أي تهديدات محتملة، وفق تصريح لمسؤول أمريكي نقلته شبكة إن بي سي الأمريكية.
ولعل هذا التوازي بين المسارين الدبلوماسي والأمني يعكس حقيقة أن المرحلة الراهنة لا تتعلق فقط بإنجاز اتفاق سياسي، وإنما بإدارة توازن دقيق بين متطلبات التهدئة من جهة، ومقتضيات الردع والاستقرار الإقليمي من جهة أخرى.
في إيران ألقى السياسيون باللائمة على الإدارة الأمريكية؛ لأنها لا تستطيع كبح جماح إسرائيل التي تواصل قصفها العدواني على قرى الجنوب اللبناني بالرغم من أن إيران أصرت كل الإصرار على تضمين لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب عملا منها بمبدأ وحدة الساحات.
غير أن حالة التوتر والتصعيد الراهنة لا تعني انهيار الاتفاق، لكنها تكشف عن أزمة ثقة حقيقية في مرحلة التنفيذ المبكر، ذلك أن المعطيات المتوافرة تشير إلى وجود تفسيرات متباينة للاتفاق، فالطرفان يبعثان برسائل ضغط متبادلة حول شروط تنفيذ التفاهم.
بالتالي فإن ما يجري بين أمريكا وإيران أقرب إلى «مناورات تكتيكية»، لكنها تكشف هشاشة الثقة بين الطرفين، ولعل ربط طهران مسار التفاوض بوقف إطلاق النار في لبنان يمثل اختبارا مباشرا للنفوذ الأمريكي على إسرائيل، خاصة بعد أن خرج الخلاف الأمريكي ــ الإسرائيلي إلى العلن على لسان ترامب، في قصر فرساي وعلى لسان نائبه جيه دي فانس في واشنطن.
وهنا يمكن القول إن إيران تحاول تحويل البند اللبناني من ملف جانبي إلى معيار لقياس جدية واشنطن في تنفيذ التزاماتها، وبالتالي فإنه من منظور القيادة الإيرانية، فإن أي اتفاق لا ينعكس على أمن حلفائها الإقليميين سيكون اتفاقا ناقصا؛ لذلك تسعى طهران إلى إلزام الإدارة الأمريكية بإثبات قدرتها على ضبط السلوك الإسرائيلي ميدانيا، وليس فقط تقديم ضمانات سياسية على الورق، حتى مع التقارير المتداولة في الإعلام الأمريكي وخاصة في شبكة سي إن إن عن وجود مسودات سرية بين الطرفين لم يتم إعلانها حتى الآن، على غرار مسودات مشابهة للاتفاق النووي لعام 2015م، كانت نيويورك تايمز قد كشفت عنها بعد شهور قليلة من توقيع الاتفاق يومئذ.
وبناء عليه فإن التصعيد الإسرائيلي في لبنان يحمل بالفعل أبعادا تتجاوز الاعتبارات الأمنية الميدانية، ذلك أن المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية محتشدة بتيارات تنظر بعين الريبة إلى أي تفاهم أمريكي ــ إيراني لأنه قد يؤدي إلى إعادة دمج إيران تدريجيا في النظام الإقليمي أو يمنحها مكاسب اقتصادية وإستراتيجية.
ومن ثم فإن استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان جنوبا يمكن تفسيره باعتباره محاولة للحفاظ على أوراق الضغط ومنع نشوء واقع إقليمي جديد يحد من حرية الحركة الإسرائيلية أو يفرض عليها ترتيبات أمنية لا ترغب فيها.
مع ذلك لا توجد مؤشرات حاسمة على وجود تمرد إسرائيلي كامل على واشنطن، فالتسريبات الأمريكية تتحدث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار وعن رسائل أمريكية لإيران تؤكد أن إسرائيل لن توسع عملياتها في لبنان، مع إظهار واشنطن أنها ما زالت تمتلك أدوات تأثير معتبرة على مسار الأحداث.
وعليه فإنه يمكن القول إن الاتفاق دخل مرحلة الاختبار الأصعب، إذ كانت المرحلة السابقة هي مرحلة التفاوض وصياغة التفاهمات، أما المرحلة الحالية فهي مرحلة ترجمة البنود إلى وقائع ميدانية، وهنا تظهر التعقيدات الحقيقية المرتبطة بلبنان والعراق وسوريا والاقتصاد الإيراني والعلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية؛ لذلك فإن نجاح الاتفاق لن يقاس بتوقيعه إلكترونيا ولا بوجود الوسطاء الإقليميين ذوي التأثير، وإنما بقدرته على الصمود أمام الأزمات الأولى التي تواجهه في هذه المرحلة تحديدا.
وهنا تجد إدارة ترامب نفسها أمام معادلة معقدة بين احتواء إسرائيل والحفاظ على قناة التفاهم مع إيران، إذ يواصل ترامب استخدام خطاب متشدد للغاية ضد إيران، مؤكدا أنها لن تحصل على أموال وأنها خرجت ضعيفة من الحرب.
ومن جهة أخرى تستمر الاتصالات السياسية مع طهران وتُطرح آفاق لتحسين الوضع الاقتصاديالإيراني، ولعل هذه الازدواجية تعكس محاولة الإدارة الأمريكية الجمع بين الردع والتسوية في آن واحد، وهو توازن يصعب الحفاظ عليه فترة طويلة.
ثم إن الحديث عن شرخ تاريخي في التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ما زال مبالغا فيه، صحيح أن تصريحات جي دي فانس الناقدة لبعض الوزراء الإسرائيليين تعكس توترا غير مألوف، وصحيح أن هناك تباينا في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، لكن الخلاف يدور حول إدارة الملفات الإقليمية وليس حول جوهر التحالف الإستراتيجي نفسه، وهو أمر تدركه طهران تمام الإدراك؛ لذلك يمكن الحديث عن أزمة تنسيق أو خلاف تكتيكي أكثر من الحديث عن قطيعة إستراتيجية محتملة بين واشنطن وتل أبيب.
فضلا عن ذلك فإن موافقة المرشد الإيراني المشروطة على الاتفاق تكشف عن حذر شديد أكثر مما تعكس تراجعا سياسيا، إذ يدرك مجتبى خامنئي أن أي اتفاق مع واشنطن يحمل مخاطر داخلية كبيرة إذا تعثر أو إذا لم يحقق مكاسب ملموسة؛ لذلك يبدو أنه منح الضوء الأخضر المشروط للرئيس بزشكيان مع إبقاء هامش للمراجعة والانسحاب عند الضرورة، وهو يعلم علم اليقين أن الرئيس في نظامه السياسي في درجة دستورية أدنى من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الذي قاد التفاوض، وبهذا المعنى فإن تحميل الحكومة مسؤولية التنفيذ يهدف إلى توزيع الكلفة السياسية داخليا أكثر من كونه تخليا عن القرار.
ثم يظل العامل الاقتصادي أحد أهم دوافع استمرار التفاهم رغم التعثر الحالي، ومن المعروف أن إيران تواجه تحديات متزايدة في قطاع الكهرباء والبنية الاقتصادية عموما، بينما تشير تقديرات الخبراء الإيرانيين من بينهم الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة طهران، على قنبري، في حوار مع موقع فرارو، إلى أن مجرد خفض التوتر السياسي يمكن أن ينعكس إيجابا على الأسواق والاستثمارات. لذلك تمتلك طهران حافزا قويا لتجنب انهيار الاتفاق، حتى لو استخدمت أوراق الضغط الإقليمية لتحسين شروطه.
وهنا توحي الرسائل المتزامنة حول محاولة تحسين الملاحة في مضيق هرمز واستمرار الاتصالات غير المباشرة بأن الأطراف لم تنتقل بعد إلى مرحلة المواجهة المفتوحة، ذلك أن الاتفاق لو دخل في أزمة شديدة بشأن تنفيذه ستظهر مؤشرات تصعيدية أكبر في الممرات البحرية وأسواق الطاقة؛ ولذلك فإن المشهد الحالي أقرب إلى صراع على تفسير الاتفاق وشروط تطبيقه وتعظيم أرباحه منه إلى جمود الاتفاق.
وبعد كل ما أعلاه يمكن التأكيد أن الأزمة الحالية لا تتعلق بوجود الاتفاق بقدر ما تتعلق بتحديد من يملك حق تفسيره وتنفيذه، وفي طهران يريد بيت القيادة ربط الاتفاق بأمن الحلفاء الإقليميين، والحفاظ على «حزب الله» في لبنان مسلحا بأي ثمن، بينما تسعى إسرائيل لمنع أي نتائج تقلص هامش حركتها، و بين هذا وذلك تحاول واشنطن الحفاظ على التفاهم دون خسارة تحالفها مع تل أبيب، ومن ثم فإن الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كان الاتفاق سيتحول إلى إطار استقرار إقليمي جديد أم إلى محطة عابرة في دورة الصراع التقليدية بالمنطقة؟!
{ باحث مختص في الشؤون الإيرانية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك