إذا ما نظرنا إلى الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط فإننا سندرك بلا شك أن إسرائيل قد أصبحت دولة خارجة عن السيطرة تماماً، ولا أحد لديه بالتالي الإرادة الحقيقية لكبح جماحها.
لقد كان ينبغي إدراك هذا الأمر منذ شهر يوليو 2024، أي في الأيام الأخيرة من ولاية إدارة الرئيس السابق جو بايدن، عندما جاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لإلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة للكونجرس، في وقت كانت فيه حكومته شفي غزة ولبنان.
لقد كان الإسرائيليون قد احتلوا آنذاك أجزاءً من سوريا، ودمروا جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية، وكانوا يعملون على تعميق الصراع الطائفي في سوريا.
وفي الوقت نفسه، كان المستوطنون الإسرائيليون العنيفون، بدعم من الجيش، يعيثون فساداً في الضفة الغربية، ويروعون الفلسطينيين، ويهدمون منازل الآلاف بشكل منهجي.
وفي خطابه أمام الكونجرس الأمريكي، تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن هذا السلوك الإجرامي أثبت أن إسرائيل أصبحت القوة المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تقاتل وتنتصر على سبع جبهات مختلفة.
لقد وصل به الأمر يومها إلى حد القولً: «أنتم لا تدافعون عنا، بل نحن من يدافع عنكم»، واصفاً هجومه الدموي في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط بأنه يجسد قيادة إسرائيل للجهود المبذولة لحماية الحضارة الغربية من همجية الشرق.
على الرغم من أن كلماته وأفعاله كانت تحريضية ومخزية، إلا أنه لاقى استحسان الجمهوريين وبعض الديمقراطيين، ولم يحتج عليه بشدة سوى عدد قليل من أعضاء الكونجرس الديمقراطيين. ومن جانبها، تركت إدارة بايدن لنائبة الرئيس هاريس مهمة توجيه توبيخ خفيف لنتنياهو.
وفي ظل الإدارات الأمريكية الخمس الماضية، كان هذا النمط من السلوك تحديداً -سواء كان دعماً صريحاً للجرائم الإسرائيلية أو صمتاً وجبناً في مواجهتها- هو الذي عزز إفلات إسرائيل من العقاب، إلى جانب شعورها بجنون العظمة تجاه ما تعتبره أنها مهمتها.
لقد وصف الرئيس كلينتون منطقة الشرق الأوسط بأنه وضع «مستحيل» أو «مثير للسخرية»؛ واعتبره الرئيس باراك أوباما «غير قابل للإصلاح»؛ بل إن الرئيس الحالي دونالد ترامب نفسه عبّر عن إحباطه من نتنياهو بعبارات بذيئة وقاسية، لكنه لم يتخذ أي منهم خطوات حازمة لكبح جماحه.
وفي أعقاب «الصفقة» غير المكتملة التي أبرمها الرئيس ترامب في محاولة لإنهاء حربه غير المدروسة والمكلفة مع إيران، التزم نتنياهو الصمت وترك مهمة توجيه الانتقادات لوزراء حكومته وقادة أحزاب المعارضة.
كان توبيخ نائب الرئيس جيه دي فانس للمنتقدين الإسرائيليين جديرًا بالملاحظة، ولكن في غياب التهديدات بإجراء تغييرات جدية في السياسة الأمريكية، سيتم تجاهل كلمات فانس باعتبارها مجرد كلمات.
وفي هذه المرحلة الراهنة، تجدر الإشارة إلى أن إفلات إسرائيل الخطير من العقاب وشعورها الواسع بما تعتبره الرسالة الموكلة إليها ليسا مجرد مشكلة تخص نتنياهو وحده، بل هي مشكلة إسرائيلية أعمق تجلّت تاريخياً بطريقتين اثنين.
خلال فترتي حكم كلينتون وأوباما، وعندما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية من الإسرائيليين وقف التوسع الاستيطاني أو الالتزام ببنود الاتفاقيات التي تم انتهاكها، ترددت إدارتاهما في اتخاذ إجراءات صارمة ضد إسرائيل، أو حتى استخدام لهجة أشد، خشية أن يشجع ذلك اليمين المتشدد في إسرائيل ويؤدي إلى إحداث نتائج عكسية. ونتيجة لذلك، لم تُشن أي حملات صارمة على الحكومات الإسرائيلية بقيادة إسحاق رابين، وشيمون بيريز، وإيهود باراك، وإيهود أولمرت، ونفتالي بينيت.
إن هذا الاحترام للقادة الإسرائيليين، بدافع التخوف من المشاكل التي قد يواجهونها من المتشددين إذا أجبرناهم على اتخاذ قرارات صعبة، لا يظهر أبداً تجاه القادة الفلسطينيين أو غيرهم من القادة العرب.
وقد أدى هذا التدليل والمحاباة إلى تشجيع وتمكين المتشددين الإسرائيليين إلى درجة أنهم يشكلون بآرائهم المتطرفة المعلنة التيار السياسي المهيمن في السياسة الإسرائيلية في الوقت الراهن.
لا يعني هذا عدم وجود «ليبراليين» يعارضون حكومة نتنياهو الائتلافية المتطرفة، لكن ليبراليتهم تتحدد بمعارضتهم لفساد نتنياهو، ونزعته الاستبدادية، وتقربه من المتشددين دينياً والسياسات الدينية التي يفرضونها على بقية أطياف المجتمع الإسرائيلي.
إن أحزاب المعارضة التي ستنافس بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة لا تكتفي بعدم تحدي سياساته الحربية، بل تتظاهر الآن بأنها أكثر تشدداً منه فيما يتعلق بحروب إسرائيل ومعاملتها للفلسطينيين.
وفي الواقع، فقد أدان جميع المرشحين الرئيسيين لرئاسة حكومة إسرائيلية بعد نتنياهو بشدة موافقته على وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، كما نددوا بالإجماع بما وصفوه بمظاهر خضوعه للرئيس الأمريكي ترامب، مما جعل إسرائيل تبدو وكأنها «دولة تابعة» تعاني من الإذلال.
وقد انتقد الجميع مذكرة التفاهم التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مؤخراً، حيث انتقد الحزب الديمقراطي الذي يصف نفسه بأنه «ليبرالي» الاتفاقية بشدة، مشيراً إلى أنها تهدد «بمحو جميع المكاسب التي حققتها إسرائيل» في حربها على إيران.
كل هذا ينبغي أن يوضح لليبراليين في الولايات المتحدة الأمريكية أن مشكلة منطقة الشرق الأوسط اليوم لا تقتصر على نتنياهو وحده، ولن تعني هزيمته عودة الأيام السعيدة، بل إنها مشكلة ثقافة سياسية بأكملها انحرفت عن مسارها.
إن السبيل الوحيد للتغيير هو أن نجعل إسرائيل تدفع ثمنًا باهظًا بوقف المساعدات والتعاون السياسي والعسكري، ما يُحدث صدمةً تُجبر البلاد على إعادة تقييم أوضاعها السياسية.
ومن جهة أخرى، وإذا لم نتحرك ويتم اتخاذ أي إجراءات صارمة، فستستمر تصرفات إسرائيل المتهورة في إشعال نار الفتنة في منطقة الشرق الأوسط، وسنكون متواطئين في كل ما تفعله وما ترتكبه.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك