العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ساحة المعركة الحقيقية لمشاريع الذكاء الاصطناعي

بقلم: عبدالرحمن الخطيب

الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

لو‭ ‬تأملت‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬اجتماعات‭ ‬مجالس‭ ‬إدارات‭ ‬الشركات‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬فستجد‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬حاضر‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬طاولة‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬نقاش‭. ‬الجميع‭ ‬متحمس،‭ ‬والجميع‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الفرص‭ ‬الكبيرة؛‭ ‬إنتاجية‭ ‬أعلى،‭ ‬كفاءة‭ ‬أفضل،‭ ‬تجربة‭ ‬عملاء‭ ‬مختلفة،‭ ‬ونماذج‭ ‬أعمال‭ ‬لم‭ ‬نتخيلها‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬فعلاً‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬فستجد‭ ‬مفارقة‭ ‬غريبة؛‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬يبدأ‭ ‬بضجة‭ ‬كبيرة‭ ‬ثم‭ ‬يختفي‭ ‬بهدوء،‭ ‬وبعضها‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التجربة‭.‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭: ‬لماذا؟‭ ‬والإجابة‭ ‬المعتادة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬من‭ ‬قرب‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬تماماً‭. ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الحالات‭ ‬لا‭ ‬يفشل‭ ‬بسبب‭ ‬التقنية،‭ ‬بل‭ ‬يفشل‭ ‬لأن‭ ‬المؤسسة‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جاهزة‭ ‬له‭.‬

الإدارة‭ ‬العليا‭ ‬حين‭ ‬تضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تفكر‭ ‬بمنطق‭ ‬الصورة‭ ‬الكبرى؛‭ ‬حصة‭ ‬سوقية،‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية،‭ ‬عوائد‭ ‬مستقبلية‭. ‬وهذا‭ ‬طبيعي‭ ‬ومطلوب‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تبدأ‭ ‬حين‭ ‬تنزل‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬غرفة‭ ‬الاجتماعات‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬هناك‭ ‬تنتظر‭ ‬تحديات‭ ‬لم‭ ‬يفكر‭ ‬فيها‭ ‬أحد‭ ‬أثناء‭ ‬رسم‭ ‬الخطط؛‭ ‬بيانات‭ ‬مشتتة‭ ‬وغير‭ ‬منظمة،‭ ‬إجراءات‭ ‬عمل‭ ‬متجذرة‭ ‬يصعب‭ ‬تغييرها،‭ ‬ضغوط‭ ‬يومية‭ ‬لا‭ ‬تتوقف،‭ ‬وفرق‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تدريب‭ ‬وتوجيه‭ ‬ووقت‭.‬

ومن‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة؟‭ ‬المدير‭ ‬الوسيط‭. ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬هو‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬تحويل‭ ‬الرؤية‭ ‬إلى‭ ‬نتائج،‭ ‬وعن‭ ‬إبقاء‭ ‬العمل‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يُفترض‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬التغيير‭. ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬مشروع،‭ ‬والأقل‭ ‬إشراكاً‭ ‬في‭ ‬تصميمه‭.‬

المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كمشروع‭ ‬تقني‭ ‬فقط‭ ‬تحصل‭ ‬عادةً‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬محدودة‭. ‬أما‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬أنها‭ ‬أمام‭ ‬تحول‭ ‬مؤسسي‭ ‬حقيقي،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تحصد‭ ‬القيمة‭ ‬الفعلية‭ ‬منه‭. ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬بشراء‭ ‬منصة‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬اختيار‭ ‬النموذج‭ ‬الأحدث،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬بسؤال‭ ‬أصعب‭ ‬وأهم‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬جاهزون‭ ‬لهذا؟‭ ‬وماذا‭ ‬نريد‭ ‬منه‭ ‬تحديداً؟

والجاهزية‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬فقط‭ ‬الأجهزة‭ ‬والبرامج،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬ثقافة‭ ‬الفريق،‭ ‬ومستوى‭ ‬المهارات‭ ‬الرقمية،‭ ‬وجودة‭ ‬البيانات،‭ ‬وطريقة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬وقدرة‭ ‬القيادات‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬التغيير‭ ‬فعليا‭ ‬لا‭ ‬نظرياً‭. ‬تجاهل‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬يشبه‭ ‬تماماً‭ ‬بناء‭ ‬طابق‭ ‬إضافي‭ ‬فوق‭ ‬أساس‭ ‬لم‭ ‬يُختبر‭ ‬بعد‭.‬

من‭ ‬واقع‭ ‬التجارب،‭ ‬ثمة‭ ‬خطوات‭ ‬تصنع‭ ‬فارقاً‭ ‬حقيقياً‭. ‬أولها‭ ‬تقييم‭ ‬صادق‭ ‬لمستوى‭ ‬الجاهزية‭ ‬قبل‭ ‬البدء،‭ ‬ليس‭ ‬للاحتفال‭ ‬بنقاط‭ ‬القوة،‭ ‬بل‭ ‬لفهم‭ ‬العقبات‭ ‬الحقيقية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬وتعطل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬وثانيها‭ ‬إشراك‭ ‬المديرين‭ ‬الوسطيين‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لا‭ ‬بعد‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬يعرفون‭ ‬تفاصيل‭ ‬العمل‭ ‬اليومي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬أحد،‭ ‬وحين‭ ‬يشاركون‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬الحل‭ ‬يصبحون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬عائقاً‭ ‬أمامه‭. ‬وثالثها‭ ‬تخفيف‭ ‬الأعباء‭ ‬التشغيلية‭ ‬عن‭ ‬كاهلهم،‭ ‬لأن‭ ‬قيادة‭ ‬التحول‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬وطاقة‭ ‬ذهنية،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يجدد‭ ‬بينما‭ ‬يغرق‭ ‬في‭ ‬متطلبات‭ ‬اليوم‭.‬

كذلك‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عن‭ ‬قياس‭ ‬النجاح‭ ‬بعدد‭ ‬الأدوات‭ ‬المشتراة‭ ‬أو‭ ‬نسب‭ ‬الاستخدام‭. ‬المؤشر‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬أصبحت‭ ‬المؤسسة‭ ‬أكفأ؟‭ ‬هل‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬أصبح‭ ‬أسرع‭ ‬وأدق؟‭ ‬هل‭ ‬تطورت‭ ‬مهارات‭ ‬الفريق؟‭ ‬ولا‭ ‬غنى‭ ‬أيضاً‭ ‬عن‭ ‬قنوات‭ ‬تواصل‭ ‬حقيقية‭ ‬تسمح‭ ‬برصد‭ ‬المشكلات‭ ‬مبكراً،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬الرسمية‭ ‬لكنها‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬العمل‭ ‬اليومي،‭ ‬ومن‭ ‬يسمع‭ ‬هذه‭ ‬الإشارات‭ ‬مبكراً‭ ‬يتجنب‭ ‬أزمات‭ ‬كبيرة‭ ‬لاحقاً‭.‬

المستقبل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬أفضل‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬التحول‭ ‬المرتبط‭ ‬بها؛‭ ‬لأن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬ليس‭ ‬أداة‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬قيادة‭ ‬وتغيير‭ ‬وثقافة‭.‬

‭ ‬لذلك‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطرحه‭ ‬القادة‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬أي‭ ‬منصة‭ ‬سنختار؟‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬‮«‬هل‭ ‬هيأنا‭ ‬مؤسستنا‭ ‬وقياداتنا‭ ‬وفرقنا‭ ‬للاستفادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا؟‮»‬‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬الإجابة‭ ‬نعم،‭ ‬يتحول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬واعدة‭ ‬إلى‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬حقيقية،‭ ‬ومن‭ ‬تجربة‭ ‬عابرة‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬فعلي‭ ‬للنمو‭ ‬والابتكار‭.‬

{ باحث‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬تقنية‭ ‬المعلومات‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا