شاعت أخيراً كتابات ومداخلات لكتّاب وأكاديميين وسياسيين عن فرضية أنّ أفول الهيمنة الأمريكية قد يُفضي إلى صعود هيمنة إسرائيلية على الشرق الأوسط، وربّما إلى ما هو أبعد.
وفي هذا السياق برز مصطلح «باكس جوديكا» أو «السلام اليهودي الإسرائيلي» للإشارة إلى تصوّر لنظام سياسي وأمني تتمحور فيه القوّة والنفوذ حول إسرائيل، على غرار ما عُرف تاريخياً بـ«السلام الروماني» وبـ«السلام الأمريكاني».
غير أنّ هذا المصطلح لا يشكّل مفهوماً مستقرّاً أو معترفاً به في أدبيات العلاقات الدولية، بل يرد أساساً في بعض الكتابات الأيديولوجية والاستشرافية التي تستند إلى ما حقّقته إسرائيل من تفوّق عسكري- تكنولوجي وقدرات استخبارية متقدّمة للقول بإمكانية تشكّل نظام إقليمي تقوده. ومع أنّ هذه الفرضية تكتسب لدى بعضهم قدراً من الجاذبية في ضوء التحوّلات الاستراتيجية التي شهدتها المنطقة في السنوات الماضية، فإنّها تثير أسئلة جوهرية حول حدود القوة الإسرائيلية، وإمكانات تحويل التفوّق العسكري والتكنولوجي إلى هيمنة مستقرّة.
يحاجج هذا المقال بأنّ الحديث عن «باكس جوديكا» او فرض «السلام الصهيوني» ينطوي، في أحيانٍ كثيرة، على خلط بين مستويَين مختلفَين: أولوية إقليمية متزايدة قد تكون إسرائيل بصدد تعزيزها بالفعل، وهيمنة إقليمية أو عالمية. فبينما أشارت تطوّرات السنوات الماضية إلى احتمالات تزايد المكانة الإقليمية لإسرائيل، فإنّ جملة من القيود البنيوية تجعل الانتقال من التفوّق إلى الهيمنة، ومن الأسبقية إلى الإمبراطورية، أكثر تعقيداً ممّا تفترضه هذه الأطروحة.
ثمّة عوامل عزّزت خلال السنوات الماضية موقع إسرائيل الإقليمي بصورة غير مسبوقة. ويتمثّل العامل الأبرز في التراجع الكبير الذي أصاب القوى التي شكّلت عقوداً موازناً استراتيجياً لها في المنطقة. فمنذ عام 2023 تعرّض محور المقاومة لسلسلة من الضربات العميقة شملت غزّة ولبنان وسورية وإيران، الأمر الذي أضعف قدرته على أداء دور القطب الإقليمي المقابل. وفي الوقت نفسه أظهرت إسرائيل تفوّقاً عسكرياً وتكنولوجياً نوعياً في مجالات الحرب المتعدّدة الجبهات والدفاع الجوي والاستخبارات والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، ما منحها قدرة استثنائية على التأثير في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. كما استفادت من تحوّلات إقليمية أوسع رغم حرب غزّة، إضافة إلى دعم أمريكي غير مسبوق كشف مرّة أخرى عمق التحالف الاستراتيجي بين الطرفَين. وقد سمحت هذه العوامل مجتمعة بظهور ما يمكن وصفه بترتيب إقليمي جديد تتبوّأ فيه إسرائيل موقعاً مركزياً في معادلات الأمن والتكنولوجيا والتنسيق الاستخباري، بما يجعل الحديث عن أولوية إسرائيلية إقليمية أمراً يستند إلى معطيات واقعية أكثر ممّا يستند إلى مجرّد تصوّرات أيديولوجية.
غير أنّ الانتقال من هذه الأسبقية الإقليمية إلى الحديث عن «باكس جوديكا»، بالمعنى الإمبراطوري أو العالمي، يواجه عقباتٍ بنيوية عميقة. فالقوى التي قادت النظام الدولي تاريخياً لم تعتمد على التفوق العسكري أو التكنولوجي وحده، بل امتلكت أيضاً كتلة سكّانية ضخمة وموارد اقتصادية هائلة وقدرة على إسقاط القوّى عالمياً وشبكات تحالفات واسعة. والأهم من ذلك، أنّها امتلكت قدرة على إنتاج الشرعية.
أمّا إسرائيل، فرغم تفوّقها النوعي، تبقى دولة محدودة الحجمين، السكّاني والجغرافي، تفتقر إلى العمق الاستراتيجي والموارد الكفيلة بتحويلها إلى قوّة عالمية مستقلّة. وتتجلّى إحدى المفارقات الأساسية في أطروحة «باكس جوديكا» في أنّ الوقائع نفسها التي يُستدلّ بها على صعود القوة الإسرائيلية تكشف أيضاً حدودها، فإسرائيل لم تخض صراعاتها الكُبرى أخيراً بوصفها قوّة مستقلّة بالكامل، بل ضمن مظلّة أمريكية سياسية وعسكرية واستخبارية واسعة. ومن ثمّ فإنّ الحديث عن انتقال الهيمنة من «باكس أمريكانا» إلى «باكس جوديكا» يتجاهل حقيقة أنّ القوة الإسرائيلية لا تزال تعتمد بصورة جوهرية على الدعم الأمريكي، وما يظهر في الواقع ليس بديلاً عن الهيمنة الأمريكية بقدر ما هو أولوية إسرائيلية متزايدة داخل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.
وإلى جانب القيود المادية والاستراتيجية، تواجه إسرائيل معضلة أكثر عمقاً تتعلّق بالشرعية. فالهيمنة، كما توضح أدبيات العلاقات الدولية، لا تقوم على الإكراه وحده، بل على القدرة على إنتاج القبول والرضا وإقناع الآخرين بأنّ النظام الذي تقوده القوّة المهيمنة يخدم مصالحهم أو يبدو مشروعاً في نظرهم.
ولهذا سعت القوى المهيمنة تاريخياً إلى إضفاء مضمون أخلاقي أو حضاري على تفوّقها. فالرومان تحدّثوا عن نشر الحضارة والنظام، والمسلمون بفضل فتوحاتهم بشروا بنهج مضمونه الهداية الايمانية وإقامة العدل عبر رسالة عالمية تتجاوز الحدود القومية والإثنية، والبريطانيون تحدثوا عن أهمية التجارة الحرّة والانفتاح العالمي، والأمريكيون رفعوا شعارات الحرّية والديمقراطية.
وبغضّ النظر عن مدى اتساق هذه الخطابات مع ممارساتهم الفعلية، فقد وفّرت لهم إطاراً من الشرعية يتجاوز القوّة المجرّدة. أمّا إسرائيل، فعلى الرغم من امتلاكها تفوّقاً عسكرياً وتكنولوجياً واضحاً، فإنّها تواجه صعوبة في إنتاج سردية تحظى بقبول واسع داخل الإقليم. فالتطبيع بقيت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي متحفّظة عليه أو معارضة له. ومن ثمّ يبدو النظام الإقليمي الجاري تشكّله أقرب إلى أولوية استراتيجية تستند إلى موازين القوة والردع منه إلى «سلام إسرائيلي» بالمعنى الذي توحي به كلمة «باكس»، أي نظام يُنظر إليه بوصفه مشروعاً مقبولاً لدى الأطراف المتعايشة معه.
وتبرز القضية الفلسطينية العائق البنيوي الأهم أمام تحوّل التفوّق الإسرائيلي إلى هيمنة مستقرّة. فبعد أكثر من قرن من الصراع لم تنجح إسرائيل في تصفية الهُويّة الوطنية الفلسطينية، أو إنهاء المطالب الفلسطينية بالتحرّر وتقرير المصير. وعلى العكس، أعادت حرب الإبادة في غزّة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي والعربي، وربطت العديد من الدول أي اندماج إقليمي كامل أو تطبيع شامل بوجود مسار سياسي حقيقي نحو حلّها. وبهذا المعنى لا تبدو فلسطين عقبة عابرة في طريق مشروع الهيمنة، بل العامل الذي يحدّد سقفه وحدوده التاريخية. كما أنّ إضعاف إيران عسكرياً لا يعني إلغاءها، فالمعرفة النووية والخبرات العسكرية والشبكات الإقليمية لا تختفي بضربة عسكرية واحدة. يُضاف إلى ذلك أنّ استمرار الصراع واستنزاف الموارد وارتفاع كلفة الحروب متعدّدة الجبهات يطرح مخاطر فرط التمدّد التي حذّرت منها نظريات صعود القوى وانحدارها.
في المحصّلة، تعيش إسرائيل اليوم لحظة أولوية إقليمية ربّما تكون الاوضح في تاريخها، وثمّة نظام إقليمي يتمحور حول تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة، غير أنّ هذه الأسبقية تختلف عن الهيمنة بالمعنى الكامل للكلمة، لأنّها تفتقر إلى عنصر الشرعية، وإلى القدرة على إنتاج قبول إقليمي واسع وصلب. كما أنّ العالم نفسه لم يعد يتّجه نحو هيمنة أحادية جديدة، بل نحو تعدّدية قطبية تتنافس فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى، الأمر الذي يجعل فكرة قيام إمبراطورية عالمية جديدة أقلّ واقعية مما كان عليه الحال في القرون السابقة، لذلك فإنّ السؤال الحاسم كما ظهر في الحرب الأخيرة ضد إيران هو حول حدود القوة التي تملكها إسرائيل، وعدم قدرتها على امتلاك أي شرعية في المنطقة، وظهورها كقوة عدوانية توسعية غاشمة بما يعزز سقوط أوهام فرض «السلام الإسرائيلي» كما حاول نتنياهو الترويج له.
{ أكاديمي فلسطيني- أستاذ العلوم
السياسية في جامعة بير زيت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك