العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نتنياهو وسقوط أوهام فرض «السلام الإسرائيلي»

بقلم: د. باسم الزبيدي

الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

شاعت‭ ‬أخيراً‭ ‬كتابات‭ ‬ومداخلات‭ ‬لكتّاب‭ ‬وأكاديميين‭ ‬وسياسيين‭ ‬عن‭ ‬فرضية‭ ‬أنّ‭ ‬أفول‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قد‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬صعود‭ ‬هيمنة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وربّما‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬برز‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬باكس‭ ‬جوديكا‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬اليهودي‭ ‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬تصوّر‭ ‬لنظام‭ ‬سياسي‭ ‬وأمني‭ ‬تتمحور‭ ‬فيه‭ ‬القوّة‭ ‬والنفوذ‭ ‬حول‭ ‬إسرائيل،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬تاريخياً‭ ‬بـ«السلام‭ ‬الروماني‮»‬‭ ‬وبـ«السلام‭ ‬الأمريكاني‮»‬‭.‬

‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬لا‭ ‬يشكّل‭ ‬مفهوماً‭ ‬مستقرّاً‭ ‬أو‭ ‬معترفاً‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬يرد‭ ‬أساساً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الكتابات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والاستشرافية‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حقّقته‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬تفوّق‭ ‬عسكري‭- ‬تكنولوجي‭ ‬وقدرات‭ ‬استخبارية‭ ‬متقدّمة‭ ‬للقول‭ ‬بإمكانية‭ ‬تشكّل‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬تقوده‭. ‬ومع‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭ ‬تكتسب‭ ‬لدى‭ ‬بعضهم‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الجاذبية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التحوّلات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬فإنّها‭ ‬تثير‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬القوة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وإمكانات‭ ‬تحويل‭ ‬التفوّق‭ ‬العسكري‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬إلى‭ ‬هيمنة‭ ‬مستقرّة‭. ‬

يحاجج‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬بأنّ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬باكس‭ ‬جوديكا‮»‬‭ ‬او‭ ‬فرض‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬الصهيوني‮»‬‭ ‬ينطوي،‭ ‬في‭ ‬أحيانٍ‭ ‬كثيرة،‭ ‬على‭ ‬خلط‭ ‬بين‭ ‬مستويَين‭ ‬مختلفَين‭: ‬أولوية‭ ‬إقليمية‭ ‬متزايدة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬إسرائيل‭ ‬بصدد‭ ‬تعزيزها‭ ‬بالفعل،‭ ‬وهيمنة‭ ‬إقليمية‭ ‬أو‭ ‬عالمية‭. ‬فبينما‭ ‬أشارت‭ ‬تطوّرات‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬إلى‭ ‬احتمالات‭ ‬تزايد‭ ‬المكانة‭ ‬الإقليمية‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬فإنّ‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬البنيوية‭ ‬تجعل‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التفوّق‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة،‭ ‬ومن‭ ‬الأسبقية‭ ‬إلى‭ ‬الإمبراطورية،‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬ممّا‭ ‬تفترضه‭ ‬هذه‭ ‬الأطروحة‭.‬

ثمّة‭ ‬عوامل‭ ‬عزّزت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬موقع‭ ‬إسرائيل‭ ‬الإقليمي‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬ويتمثّل‭ ‬العامل‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬التراجع‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬عقوداً‭ ‬موازناً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فمنذ‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬تعرّض‭ ‬محور‭ ‬المقاومة‭ ‬لسلسلة‭ ‬من‭ ‬الضربات‭ ‬العميقة‭ ‬شملت‭ ‬غزّة‭ ‬ولبنان‭ ‬وسورية‭ ‬وإيران،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أضعف‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬دور‭ ‬القطب‭ ‬الإقليمي‭ ‬المقابل‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أظهرت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تفوّقاً‭ ‬عسكرياً‭ ‬وتكنولوجياً‭ ‬نوعياً‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الحرب‭ ‬المتعدّدة‭ ‬الجبهات‭ ‬والدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬والاستخبارات‭ ‬والحرب‭ ‬السيبرانية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬قدرة‭ ‬استثنائية‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬كما‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬تحوّلات‭ ‬إقليمية‭ ‬أوسع‭ ‬رغم‭ ‬حرب‭ ‬غزّة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬أمريكي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬كشف‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭ ‬عمق‭ ‬التحالف‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بين‭ ‬الطرفَين‭. ‬وقد‭ ‬سمحت‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مجتمعة‭ ‬بظهور‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بترتيب‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭ ‬تتبوّأ‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬الأمن‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والتنسيق‭ ‬الاستخباري،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أولوية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬إقليمية‭ ‬أمراً‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬معطيات‭ ‬واقعية‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬مجرّد‭ ‬تصوّرات‭ ‬أيديولوجية‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأسبقية‭ ‬الإقليمية‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬باكس‭ ‬جوديكا‮»‬،‭ ‬بالمعنى‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬أو‭ ‬العالمي،‭ ‬يواجه‭ ‬عقباتٍ‭ ‬بنيوية‭ ‬عميقة‭. ‬فالقوى‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬تاريخياً‭ ‬لم‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬امتلكت‭ ‬أيضاً‭ ‬كتلة‭ ‬سكّانية‭ ‬ضخمة‭ ‬وموارد‭ ‬اقتصادية‭ ‬هائلة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬القوّى‭ ‬عالمياً‭ ‬وشبكات‭ ‬تحالفات‭ ‬واسعة‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أنّها‭ ‬امتلكت‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الشرعية‭.‬

‭ ‬أمّا‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فرغم‭ ‬تفوّقها‭ ‬النوعي،‭ ‬تبقى‭ ‬دولة‭ ‬محدودة‭ ‬الحجمين،‭ ‬السكّاني‭ ‬والجغرافي،‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬العمق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والموارد‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قوّة‭ ‬عالمية‭ ‬مستقلّة‭. ‬وتتجلّى‭ ‬إحدى‭ ‬المفارقات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬أطروحة‭ ‬‮«‬باكس‭ ‬جوديكا‮»‬‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬الوقائع‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬يُستدلّ‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬صعود‭ ‬القوة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تكشف‭ ‬أيضاً‭ ‬حدودها،‭ ‬فإسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تخض‭ ‬صراعاتها‭ ‬الكُبرى‭ ‬أخيراً‭ ‬بوصفها‭ ‬قوّة‭ ‬مستقلّة‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬ضمن‭ ‬مظلّة‭ ‬أمريكية‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬واستخبارية‭ ‬واسعة‭. ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬فإنّ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬انتقال‭ ‬الهيمنة‭ ‬من‭ ‬‮«‬باكس‭ ‬أمريكانا‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬باكس‭ ‬جوديكا‮»‬‭ ‬يتجاهل‭ ‬حقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬القوة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬جوهرية‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ليس‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أولوية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬متزايدة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬القيود‭ ‬المادية‭ ‬والاستراتيجية،‭ ‬تواجه‭ ‬إسرائيل‭ ‬معضلة‭ ‬أكثر‭ ‬عمقاً‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالشرعية‭. ‬فالهيمنة،‭ ‬كما‭ ‬توضح‭ ‬أدبيات‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الإكراه‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬القبول‭ ‬والرضا‭ ‬وإقناع‭ ‬الآخرين‭ ‬بأنّ‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬القوّة‭ ‬المهيمنة‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحهم‭ ‬أو‭ ‬يبدو‭ ‬مشروعاً‭ ‬في‭ ‬نظرهم‭. ‬

ولهذا‭ ‬سعت‭ ‬القوى‭ ‬المهيمنة‭ ‬تاريخياً‭ ‬إلى‭ ‬إضفاء‭ ‬مضمون‭ ‬أخلاقي‭ ‬أو‭ ‬حضاري‭ ‬على‭ ‬تفوّقها‭. ‬فالرومان‭ ‬تحدّثوا‭ ‬عن‭ ‬نشر‭ ‬الحضارة‭ ‬والنظام،‭ ‬والمسلمون‭ ‬بفضل‭ ‬فتوحاتهم‭ ‬بشروا‭ ‬بنهج‭ ‬مضمونه‭ ‬الهداية‭ ‬الايمانية‭ ‬وإقامة‭ ‬العدل‭ ‬عبر‭ ‬رسالة‭ ‬عالمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬القومية‭ ‬والإثنية،‭ ‬والبريطانيون‭ ‬تحدثوا‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬التجارة‭ ‬الحرّة‭ ‬والانفتاح‭ ‬العالمي،‭ ‬والأمريكيون‭ ‬رفعوا‭ ‬شعارات‭ ‬الحرّية‭ ‬والديمقراطية‭.‬

‭ ‬وبغضّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬اتساق‭ ‬هذه‭ ‬الخطابات‭ ‬مع‭ ‬ممارساتهم‭ ‬الفعلية،‭ ‬فقد‭ ‬وفّرت‭ ‬لهم‭ ‬إطاراً‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭ ‬يتجاوز‭ ‬القوّة‭ ‬المجرّدة‭. ‬أمّا‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬امتلاكها‭ ‬تفوّقاً‭ ‬عسكرياً‭ ‬وتكنولوجياً‭ ‬واضحاً،‭ ‬فإنّها‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬سردية‭ ‬تحظى‭ ‬بقبول‭ ‬واسع‭ ‬داخل‭ ‬الإقليم‭. ‬فالتطبيع‭ ‬بقيت‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العربي‭ ‬متحفّظة‭ ‬عليه‭ ‬أو‭ ‬معارضة‭ ‬له‭. ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬يبدو‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬الجاري‭ ‬تشكّله‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬والردع‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سلام‭ ‬إسرائيلي‮»‬‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬باكس‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬بوصفه‭ ‬مشروعاً‭ ‬مقبولاً‭ ‬لدى‭ ‬الأطراف‭ ‬المتعايشة‭ ‬معه‭.‬

وتبرز‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬العائق‭ ‬البنيوي‭ ‬الأهم‭ ‬أمام‭ ‬تحوّل‭ ‬التفوّق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬هيمنة‭ ‬مستقرّة‭. ‬فبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬تصفية‭ ‬الهُويّة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬أو‭ ‬إنهاء‭ ‬المطالب‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بالتحرّر‭ ‬وتقرير‭ ‬المصير‭. ‬وعلى‭ ‬العكس،‭ ‬أعادت‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬في‭ ‬غزّة‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الاهتمام‭ ‬الدولي‭ ‬والعربي،‭ ‬وربطت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬أي‭ ‬اندماج‭ ‬إقليمي‭ ‬كامل‭ ‬أو‭ ‬تطبيع‭ ‬شامل‭ ‬بوجود‭ ‬مسار‭ ‬سياسي‭ ‬حقيقي‭ ‬نحو‭ ‬حلّها‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬فلسطين‭ ‬عقبة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬مشروع‭ ‬الهيمنة،‭ ‬بل‭ ‬العامل‭ ‬الذي‭ ‬يحدّد‭ ‬سقفه‭ ‬وحدوده‭ ‬التاريخية‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬إضعاف‭ ‬إيران‭ ‬عسكرياً‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إلغاءها،‭ ‬فالمعرفة‭ ‬النووية‭ ‬والخبرات‭ ‬العسكرية‭ ‬والشبكات‭ ‬الإقليمية‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬بضربة‭ ‬عسكرية‭ ‬واحدة‭. ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع‭ ‬واستنزاف‭ ‬الموارد‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الحروب‭ ‬متعدّدة‭ ‬الجبهات‭ ‬يطرح‭ ‬مخاطر‭ ‬فرط‭ ‬التمدّد‭ ‬التي‭ ‬حذّرت‭ ‬منها‭ ‬نظريات‭ ‬صعود‭ ‬القوى‭ ‬وانحدارها‭.‬

في‭ ‬المحصّلة،‭ ‬تعيش‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬لحظة‭ ‬أولوية‭ ‬إقليمية‭ ‬ربّما‭ ‬تكون‭ ‬الاوضح‭ ‬في‭ ‬تاريخها،‭ ‬وثمّة‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬تحالفها‭ ‬الوثيق‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الأسبقية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الهيمنة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الكامل‭ ‬للكلمة،‭ ‬لأنّها‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬الشرعية،‭ ‬وإلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬قبول‭ ‬إقليمي‭ ‬واسع‭ ‬وصلب‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬العالم‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتّجه‭ ‬نحو‭ ‬هيمنة‭ ‬أحادية‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬نحو‭ ‬تعدّدية‭ ‬قطبية‭ ‬تتنافس‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وقوى‭ ‬إقليمية‭ ‬أخرى،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬فكرة‭ ‬قيام‭ ‬إمبراطورية‭ ‬عالمية‭ ‬جديدة‭ ‬أقلّ‭ ‬واقعية‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬السابقة،‭ ‬لذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬السؤال‭ ‬الحاسم‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬هو‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تملكها‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬أي‭ ‬شرعية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وظهورها‭ ‬كقوة‭ ‬عدوانية‭ ‬توسعية‭ ‬غاشمة‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬سقوط‭ ‬أوهام‭ ‬فرض‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬كما‭ ‬حاول‭ ‬نتنياهو‭ ‬الترويج‭ ‬له‭. ‬

{ أكاديمي‭ ‬فلسطيني‭- ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬

السياسية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بير‭ ‬زيت‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا