يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية عالميًا، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط من الخليج العربي إلى الأسواق الدولية، ما جعله نقطة توتر دائمة في العلاقات الإيرانية-الأمريكية، ومن ثم فإن أي تصعيد سياسي أو عسكري في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الاقتصاد الإيراني.
وخلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) تحول المضيق إلى ساحة مواجهة، وخاصة مع تصاعد «حرب الناقلات» في النصف الثاني من الحرب خلال الثمانينيات.
وقد شكلت تجربة «حرب الناقلات» رصيدًا مهمًا في فهم كيفية إدارة الضغوط الاقتصادية والتعامل مع تهديدات الملاحة، وهو ما يجعل قراءة السيناريوهات الحالية مرتبطة بدرجة كبيرة بدروس تلك المرحلة، سواء فيما يتعلق بقدرة الاقتصاد الإيراني على التكيف أو بأساليب إدارة الصراع من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ومع اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980م أدرك الطرفان أن النفط يمثل الركيزة الأساسية للقوة العسكرية والاقتصادية، لذا تدرج الصراع نحو استهداف المنشآت النفطية وطرق التصدير، وبحلول أواخر 1987م بدأت مرحلة «حرب الناقلات»، حيث تعرضت السفن التجارية وناقلات النفط الخليجية لهجمات متكررة في الخليج العربي ومحيط مضيق هرمز، وسعى العراق إلى تقليص قدرة إيران على تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية، فيما استخدمت إيران الضغط على الملاحة لإبراز قدرتها على تهديد أمن الطاقة الإقليمي والدولي.
أدى هذا التصعيد إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتراجع حركة بعض السفن التجارية، ما دفع قوى دولية إلى التدخل لحماية الملاحة، على رأسها الولايات المتحدة في عهد الرئيس رونالد ريجان، مع تعزيز وجودها العسكري في الخليج، وهكذا لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر اقتصادي، بقدر ما أصبح أداة ضغط سياسية واقتصادية مرتبطة بتوازنات الحرب.
وقد مثّل تعطيل الملاحة تحديًا مباشرًا للاقتصاد الإيراني، لاعتماده الكبير على صادرات النفط لتمويل الحرب وتلبية احتياجات الدولة، ومع تزايد استهداف الناقلات والمنشآت النفطية تراجعت الصادرات وانخفضت الإيرادات بشكل ملحوظ، كما واجهت إيران صعوبات في الاستيراد بسبب ارتفاع تكاليف النقل والمخاطر الأمنية.
انعكس ذلك داخليًا في صورة تضخم ونقص في بعض السلع الأساسية، إلى جانب ضغط على العملة وتراجع في معدلات التنمية، ما اضطر الحكومة الإيرانية إلى إعادة توجيه الموارد نحو الجبهة العسكرية والاحتياجات الضرورية.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية والحكومة في إيران تدرك أن المضيق يمثل ورقة إستراتيجية مؤثرة في أسواق الطاقة العالمية، لذلك استخدمته سابقًا خلال الحرب العراقية-الإيرانية، كما استخدمته اليوم في مواجهة الضغوط الأمريكية، مؤكدة أن أمن الملاحة يرتبط بمصالحها الحيوية.
اعتمدت طهران في الثمانينيات على ما عُرف بـ«اقتصاد الحرب»، عبر تدخل واسع للدولة في إدارة الموارد، وتطبيق نظام صارم لتوزيع السلع الأساسية والاعتماد على البطاقات التموينية، إلى جانب دعم الأسعار للحد من التضخم وتخفيف الأعباء المعيشية.
كما سعت إلى تنويع طرق تصدير النفط وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة، وتطوير وسائل تأمين بديلة، وإعادة تنظيم حركة التصدير بما يتناسب مع ظروف الحرب، مع تعزيز التعاون التجاري الخارجي لضمان تدفق محدود للعملة الصعبة.
إلى جانب ذلك، لعب البعد الأيديولوجي دورًا مهمًا في تعزيز القدرة على التحمل، إذ ربطت القيادة بين الصمود الاقتصادي والدفاع عن الثورة، ما ساعد على تعبئة المجتمع وتحمل سنوات طويلة من الضغوط والأزمات المرتبطة بالحرب.
ورغم الخسائر الكبيرة في النفط والتجارة البحرية، ساعدت هذه السياسات على استمرار مؤسسات الدولة حتى نهاية الحرب.
يعتبر الاقتصاد الإيراني هو الساحة الأكثر تأثرًا بأي اضطراب في مضيق هرمز، نظرًا إلى اعتماد إيران التقليدي على صادرات الطاقة والتجارة البحرية، وفي حال تصاعد المواجهة العسكرية أو تعرض الملاحة لاضطرابات أوسع مما يحدث الآن ستواجه إيران صعوبات إضافية في تصدير النفط وخاصة إذا لم يتم فك الحصار البحري الأمريكي، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يؤدي إلى ضغوط على العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة.
وقد حرصت الحكومة الإيرانية على استمرار سلسلة إمداد السلع الأساسية، الذي يعتبر بمثابة العمود الفقري للاقتصاد الداخلي لأي دولة، وكان العامل الرئيسي وراء هذا النجاح أن أكثر من 85% من الأمن الغذائي الإيراني يعتمد على الإنتاج المحلي، الأمر الذي قلل من الاعتماد على مسارات الاستيراد الدولية التي تصبح شديدة الهشاشة في أوقات الحرب.
وبالتوازي مع تأمين السلع الأساسية، كان استقرار شبكة النقل والخدمات اللوجستية في إيران مرهونًا بتوفير الطاقة من دون انقطاع؛ ففي الأيام الأولى للحرب أعلنت الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع المشتقات النفطية أنها لن تفرض أي قيود على توزيع الوقود، بهدف تجنب خلق صدمة نفسية داخل المجتمع.
لكن بعد بدء الهجمات على إيران التي وقعت أواخر مارس الماضي وما تلاها من صراع بشأن مضيق هرمز، ومن أجل ضمان استقرار شبكة التوزيع على مستوى البلاد، تم تنفيذ سياسة «تقنين الاستهلاك اليومي» بدقة وحذر.
وفي ظروف الحرب، من الطبيعي أن تتعرض السيولة المالية للشركات المنتجة إلى الشلل بسرعة، لذا فضل صانعو السياسات النقدية والمالية في إيران استخدام أدوات ائتمانية عبر سوق رأس المال بدلًا من ضخ السيولة النقدية المباشرة ذات الأثر التضخمي.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، اعتُبر هذا التوجه صحيحًا؛ لأن الحكومة الإيرانية لو لجأت إلى تلبية احتياجات الشركات بالكامل عبر ضخ نقدي مباشر لارتفع خطر التضخم والانهيار النقدي بشكل كبير، أما استخدام الأدوات الائتمانية والتعهدية فقد مكن من تلبية الاحتياجات نفسها بكلفة تضخمية أقل.
لكن هذه التجربة كشفت أيضًا عن نقاط ضعف خطيرة، مثل التركز الشديد للصناعات والاحتياطيات في مناطق محددة، والاعتماد الكبير على الموانئ الجنوبية، وهشاشة البنية المصرفية المركزية أمام الهجمات السيبرانية، وضعف قدرة الشركات على الصمود.
والخلاصة، تكشف المقارنة بين التصعيد الحالي في مضيق هرمز وتجربة الحرب العراقية-الإيرانية عن مدى حساسية الداخل الإيراني لأي مواجهة مع الولايات المتحدة، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، ولذلك فإن استمرار التوتر يفرض تحديات قد تمس الاستقرار الداخلي وبنية الاقتصاد الإيراني في ظل بقاء احتمالات التصعيد المحدود والمواجهات غير المباشرة، بما يجعل مضيق هرمز نقطة توتر دائمة في الأمن الإقليمي والدولي.
كذلك فإن التصعيد الراهن كشف أيضًا عن مشكلات يمكن أن تتحول إلى نقاط قاتلة للاقتصاد الإيراني لو طال أمد الصراع. ومن منظور الاقتصاد الجغرافي والدفاعي، تحتاج إيران إلى إعادة هيكلة عدة قطاعات، أبرزها تنويع مسارات التجارة الخارجية لتقليل الاعتماد الكبير على موانئها المطلة على الخليج العربي، وإعادة توزيع البنية التحتية والاحتياطيات الاستراتيجية، إذ إن تمركز صوامع الحبوب ومستودعات الوقود في مناطق محددة يمثل خطرًا استراتيجيًا.
وأخيرًا، هناك خطر اتساع نطاق البطالة في الداخل الإيراني إذا ما استمرت أجواء الحرب والحصار، ما قد يتحول إلى أزمة أمن اجتماعي، لذلك من مصلحة ايران عدم الرهان على إطالة أمد الأزمة، والتوقف عن المناورات والتصعيد الإقليمي؛ لأن ذلك قد يسفر عن أحداث أزمة اقتصادية خانقة في داخل إيران تؤدي إلى اندلاع موجات جديدة من التظاهرات والاحتجاجات ضد النظام الإيراني.
{ باحثة مختصة في الشؤون الإيرانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك