حسناً، كرة القدم مصدر سعادة وبهجة، ووسيلة تسلية وتشويق محببة، وتمثل شكلا راقيا للتنافس بين الشعوب بدلا من الحروب.. ولكن كرة القدم مثل أي ظاهرة في الكون لها أوجه متعددة، وليست كلها إيجابية؛ فإذا كانت توحّد الشعوب فإنها تفرق الشعب الواحد حين تتعصب كل منطقة لناديها، وإذا كانت تمنع الحروب فقد أشعلت حربا ذات مرة (بين السلفادور وهندوراس 1969)، كما تسببت مباريات لكرة القدم بكوارث مؤسفة راح ضحيتها عشرات المواطنين، منها حادثة مباراة ليفربول ونوتنجهام فورست عام 1989 حيث توفي 97 مشجعاً بسبب التدافع والاختناق، وفي إندونيسيا اقتحمت الجماهير الملعب سنة 2022، ما دفع الشرطة إلى إطلاق قنابل الغاز، وتسبب التدافع بوفاة أكثر من 130 شخصا.. وغيرها الكثير.. لكنها تبقى مجرد حوادث منفصلة، سواء كانت مقصودة أو بسبب التدافع وعنف المشجعين.
معارضو كرة القدم، ممن لا تروق لهم هذه اللعبة، يقولون إنها «مؤامرة ماسونية» لإلهاء الشعوب.. لكنّ كرة القدم ليست اختراعا لشخص، أو ابتكارا ظهر فجأة واكتسح العالم.. بل هي أيضا مثل أي ظاهرة طبيعية نشأت ضمن بدايات متواضعة ومرتبكة (في إنجلترا)، ثم مع مرور الوقت انتشرت حول العالم كلعبة مسلية.. وفيما بعد جرى تنظيمها وتأطيرها، ومازالت «الفيفا» تراجع قوانينها وتحدّثها وتدخل عليها تحسينات وتغييرات من حين إلى آخر.
لكنّ نفي سمة المؤامرة عن كرة القدم وبطولاتها المتعددة لا يعني أن هذه اللعبة لا يجري توظيفها سياسيا من قبل الحكومات، أو استغلالها ماليا من قبل القوى الرأسمالية.
يُقدر حجم الاستثمار في كرة القدم بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً، وفي كأس العالم 2026 يُتوقع أن يضخ المونديال ما يزيد على 80 مليار دولار في الاقتصاد العالمي، في حين تستهدف «الفيفا» إيرادات تتخطى 9 مليارات دولار، وحجم رهانات يتجاوز 50 مليار دولار. الكل يستثمر في هذه اللعبة بدءا من الشركات العملاقة حتى مقاهي الترفيه.
أما عن التوظيف السياسي، فكل دولة تسعى للوصول إلى نهائيات كأس العالم، لأسباب متعددة، منها استخدامها كقوة ناعمة، وأداة للترويج السياحي، أو حتى لإعلان حضورها، فمثلا فوجئ العالم بوجود دولة اسمها كوراساو في البحر الكاريبي، مساحتها 444 كم مربعا، وعدد سكانها 160 ألف نسمة، ولولا مشاركتها في المونديال لظلت منسية ومجهولة.
التوظيف الأهم والأخطر لكرة القدم هو سعي الأنظمة والحكومات لخلق ما يُعرف بـ«المواطن المستقر»، أي المواطن الذي يخضع للسلطة بالكامل، وجعله راضيا وقانعا بوضعه الراهن، ومن ثم إخضاع وتكييف المجتمع بأكمله مع الواقع السياسي والاقتصادي كما هو سائد، حيث تنجح السلطات الدكتاتورية وخاصة في دول العالم الثالث في خلق المواطن المستقر من خلال آليات معينة؛ اذ تستخدم السلطة ثلاثة ضوابط: إشغال المواطن بلقمة العيش، وتوظيف الدين سياسيا وشعبويا، وأخيرا توفير وسائل التسلية والسلوان.. وأهمها وأكثرها انتشارا كرة القدم.
هنا ستعوّض وسائل التسلية (كرة القدم ومتابعتها) حاجات المواطن النفسية غير الملبّاة، وبدلا من انشغاله في قضايا الغلاء، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، والسياسات الاقتصادية التي ترهق المواطنين، كل هذه القضايا تصبح ثانوية أو مغيّبة، ويجري استبدالها بالانشغال بكرة القدم.
في الدول المتقدمة والديمقراطية، ينشغل المجتمع بكرة القدم بكل شغف، ويتابع كل شخص تقريبا منتخبه الوطني أو ناديه المفضل بكل حماسة.. لكن الوقت والجهد والمال الذي ينفقه في متابعة المباريات لا ينسيه حقوقه ومطالبه وواقعه.. حتى لو أرادت الدولة توظيف الرياضة لخلق «المواطن المستقر» لا تستطيع.. فالآليات الديمقراطية تحول دون ذلك.
المشكلة ليست في كرة القدم، ولا في الرياضة عموما، ولا في المباريات والبطولات ومتابعتها.. المشكلة في وعي المواطن بحقوقه وواجباته، وحين يوظف هو نفسه كرة القدم كأداة إلهاء ذاتية.
نعم، كرة القدم جميلة وممتعة.. لكن المنتخبات القوية لا تأتي جزافا، وانتصاراتها لا تأتي بالحظ.. هي حصيلة تطور المجتمع والدولة، ونتاج تخطيط شامل وجهود مضنية وناجحة في كل القطاعات.
باختصار، هي صناعة متكاملة، وقطاع قائم بذاته.. ومن العبث فصلها عن سائر قطاعات الدولة والمجتمع، أو اعتبارها بديلا مريحا وسهلا عن الانشغال بالعلم والتكنولوجيا والثقافة والتنمية والتخطيط.. لذا ليست مصادفة أن تحتل الدول المتطورة صدارة المونديال في كل مرة تقريبا.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك