في صندوق جدي الحديدي وجدت هذه القصاصة التي تحمل هذه الحكاية التي تقول:
في منتصف القرن التاسع عشر، كانت هناك شركة شحن بحرية كبرى تُدعى (أطلس)، يمتلكها رجل أعمال صارم يدعى (إدوارد)، كان إدوارد يؤمن بالخطط المحكمة، والخرائط الدقيقة، والجداول الزمنية التي لا تقبل النقاش.
في إحدى الرحلات التجارية الحسيمة عبر المحيط الأطلسي، عيّن إدوارد قبطانين لسفينتين متطابقتين تحملان بضائع بمبالغ كبيرة جدًا.
السفينة الأولى: قادها القبطان (توماس)؛ وهو رجل عسكري ذو خبرة، يتبع الكتيبات والقوانين بدقة، ويرفض بصرامة أي تعديل في خط السير المحدد له مسبقًا.
السفينة الثانية: قادها القبطان (أليكس)؛ وهو قبطان معروف بذكائه الهادئ، وقدرته العالية على قراءة المتغيرات الجوية، ويؤمن بأن (البحر هو من يفرض شروطه، وليس الخارطة أو القوانين).
وبعد أسبوع من الإبحار، حدث ما لم يكن في الحسبان. واجهت السفينتان عاصفة استوائية غير مسبوقة، لم تكن مذكورة في أي من التوقعات الجوية أو الخرائط الملاحية التي يمتلكانها.
نظر توماس إلى خريطته وقال: «الخطة تقول إن مسارنا مستقيم، والتراجع أو تغيير المسار سيكلفنا وقتًا ومالاً، وسيجعلنا نتأخر عن الموعد الذي حدده إدوارد»، فرفض توماس الاستماع لتحذيرات بحارته، وأمر بزيادة السرعة لمجابهة الأمواج العاتية معتمدًا على قوة هيكل السفينة. فماذا كانت النتيجة؟ تحطمت صواري السفينة، وتسربت المياه إلى البضائع، ونجت السفينة بأعجوبة بعد خسائر فادحة جعلتها غير صالحة للإبحار مجددًا.
ولكن بمجرد أن نظر أليكس إلى الغيوم السوداء وارتفاع الأمواج، أدرك أن (الخريطة القديمة لم تعد صالحة لهذا الواقع الجديد)، لذلك لم يتمسك بالخطة الأصلية كمسألة كبرياء. وإنما عقد فورًا اجتماعًا سريعًا مع طاقمه على سطح السفينة، واستمع لآراء صغار البحارة الذين لديهم خبرة في هذه المياه.
فأخذ أليكس قرارًا جريئًا وصعبًا، فما كان منه إلا أن غيّر مسار السفينة 45 درجة نحو الجنوب، والتمس ملجأً مؤقتًا خلف أرخبيل من الجزر الصغيرة، منتظرًا هدوء العاصفة. فتسبب هذا في تأخير الرحلة يومين، لكن السفينة وصلت إلى وجهتها بكامل طاقمها، وبضائعها سليمة بنسبة 100%.
ينهي جدي قصاصته بهذه العبارة التي كتبها وكأنه يحدث أحدهم: «ما رأيك في إدارة القبطان توماس؟ وما رأيك في إدارة القبطان أليكس؟».
أجد في نفسي الجرأة بعد كل هذه السنوات أن أحدث جدي وأقول له إن إدارة القبطان توماس تسمى اليوم الإدارة التقليدية للأزمات، أما إدارة القبطان أليكس فإنها تعرف بالقيادة التكيفية للأزمات، وهذه النوعية من القيادة لا يعرفها كثير من الإداريين، لأنهم بكل بساطة يقومون بإدارة المؤسسات بالأنظمة والقوانين واللوائح الداخلية من غير النظر إلى الكثير من الاعتبارات الأخرى.
ما هو مفهوم القيادة التكيفية (Adaptive Leadership)؟
هي ممارسة إدارية ديناميكية تهدف إلى مساعدة المؤسسات والأفراد على التكيف والازدهار وسط بيئات تتسم بالغموض والاضطراب. إنها لا تعني امتلاك القائد جميع الإجابات، بل قدرته على إدارة عملية التعلم والابتكار داخل الفريق للوصول إلى حلول جديدة مبتكرة.
ففي ظل بيئة عالمية غير مستقرة اقتصاديًا وسياسيًا كما هو في عصرنا الحالي، أصبح (إدارة توقع غير المتوقع) هو النهج الإداري السائد. حيث يبحث القادة اليوم عن بناء مرونة مؤسسية من خلال العودة إلى أساسيات الإدارة القوية، وتبسيط هياكل اتخاذ القرار، والاعتماد على سيناريوهات التخطيط المرنة بدلاً من الخطط الإستراتيجية الجامدة طويلة المدى، بمعنى أن يمتلك القائد التفكير الاستراتيجي بدلاً من الخطط الاستراتيجية الورقية.
وقد أسهمت أعمال هايفتز ولينسكي في تأصيل هذا المفهوم بوصفه ممارسة سلوكية لا صفة شخصية ثابتة، تقوم على قدرة القائد على (الصعود إلى الشرفة) لمراقبة الأنماط التنظيمية من مسافة تحليلية، وتنظيم الضغط النفسي والاجتماعي المصاحب للتغيير ضمن مستوى يمكن للأفراد تحمّله، وتمكين الجماعات من مواجهة الواقع بدلًا من تجنّبه. وقد توسّعت الأدبيات اللاحقة في ربط هذا المفهوم بنظريات التعقيد، والتعلّم التنظيمي، والذكاء العاطفي، وإدارة التغيير، بما يجعل القيادة التكيّفية حقلًا بينيًا يتقاطع فيه علم الإدارة مع علم النفس التنظيمي والعلوم السلوكية.
وعلى الرغم من الزخم النظري الذي حظي به مفهوم القيادة التكيّفية في الأدبيات الأجنبية، ولا سيما في حقلي إدارة الأعمال والسياسات العامة، فإن الدراسات العربية والتطبيقية في السياقات المؤسسية المحلية لا تزال محدودة من حيث: (أ) غياب أدوات قياس مُعرَّبة ومُحقَّقة سيكومتريًا لمفهوم القيادة التكيّفية بأبعاده المتعددة، (ب) قلّة الدراسات التي تختبر العلاقة بين القيادة التكيّفية ومتغيرات تنظيمية حرجة كالأداء المؤسسي، والمرونة التنظيمية، والاستعداد للتغيير، (ج) التداخل المفاهيمي غير المحسوم بين القيادة التكيّفية وأنماط قيادية مجاورة كالقيادة التحويلية والقيادة الموزّعة، بما يستدعي تمييزًا نظريًا وتجريبيًا أدق.
وربما هنا يمكننا أن نسأل: إلى أي مدى تسهم ممارسات القيادة التكيّفية في تعزيز قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات المعقدة وغير المحددة المعالم، وما العوامل الوسيطة والمعدِّلة التي تحكم هذه العلاقة؟
وعادة تمارس القيادة التكيفية في الأزمات التي تفاجئ المؤسسة، حينئذ فإنه على القائد أن يتعرف على الركائز الأساسية للقيادة التكيفية أثناء الأزمات؛ وهي كالآتي:
1. الصعود إلى الشرفة (Get on the Balcony)؛ وهي القدرة على الابتعاد خطوة إلى الوراء عن تفاصيل الأزمة اليومية المجهدة، والنظر إلى المشهد من الأعلى لرؤية الأنماط العامة وتوقع الخطوات القادمة، بدلاً من الغرق في ردود الأفعال اللحظية.
2. تحديد التحدي التكيفي بدقة؛ وهي عدم خلط التحديات التكيفية بالمشكلات التقنية؛ فالأزمة المعقدة لا تُحل بقرار إداري تقليدي أو بزيادة ميزانية فقط، بل تحتاج إلى تغيير نمط العمل.
3. تنظيم بيئة الضغط (Regulating Distress)؛ فالأزمات تولد خوفًا وقلقًا يعطل الإنتاجية. وهنا يأتي دور القائد التكيفي هو توفير (أمان نفسي) وضبط مستويات التوتر داخل المؤسسة؛ بحيث يكون الضغط محفزًا للابتكار وليس مشلّاً للحركة.
4. تفويض الصلاحيات (Give the Work Back)؛ القيادة التكيفية تكره المركزية الشديدة؛ ففي الأزمة يجب تفعيل الإدارة اللامركزية وتمكين الصفوف الأمامية من اتخاذ القرارات لأنهم الأقرب إلى الحدث والأسرع في الاستجابة.
لنعد إلى حكاية جدي وقصاصته، ولنحاول ربطها بالواقع الإداري اليوم، إذ يمكننا أن نقول إنه في هذا العالم المتغير المضطرب نحن جميعًا نقود سفنًا في محيطات شديدة الاضطراب. الأسواق تتغير، التكنولوجيا كالذكاء الاصطناعي تستحدث، وحتى في الحياة اليومية فإن كل تلك الأمور تفرض علينا عواصفها، والأزمات بكل أنواعها لا تستأذن أحدًا.
وأمام كل هذا فنحن نحتاج إلى أن نكون كالقبطان (أليكس) إذ إنه يجسد القيادة التكيفية؛ تلك القيادة التي لا تتخلى عن الهدف وهو الوصول إلى الشاطئ، ولكنها تمتلك الشجاعة والمرونة لتغيير الوسيلة والمسار عندما يتغير الواقع.
والآن، انظر حولك، على مستوى الحياة اليومية، على مستوى الإقليم على كل المستويات، واسأل نفسك: ألسنا بحاجة إلى قيادة تكيفية اليوم؟
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك