العدد : ١٧٦٣٥ - الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٥ - الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يمكن الرهان على الخلافات الإسرائيلية-الأمريكية؟

بقلم: د. رضا عادل فاضل

السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬لطالما‭ ‬رسمت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية‭ ‬العلاقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بوصفها‭ ‬تحالفاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يفوق‭ ‬منطق‭ ‬الدولة‭ ‬ومصالحها،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬الجمهور‭ ‬المتلقي‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬كأنها‭ ‬ثابت‭ ‬جيوسياسي‭ ‬لا‭ ‬تطوله‭ ‬رياح‭ ‬التغيير،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كشفته‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬تطورات‭ ‬متسارعة‭ ‬أثبت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬كسائر‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬تحكمها‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬المصالح‭ ‬المتقاطعة‭ ‬والمتباينة‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬الصداقة‭ ‬الخاصة‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬كونه‭ ‬تعبيراً‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬يُخفي‭ ‬تحته‭ ‬توترات‭ ‬حقيقية‭ ‬وتباينات‭ ‬استراتيجية‭ ‬بالغة‭ ‬العمق‭.‬

حين‭ ‬فاز‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬نوفمبر‭ ‬2024‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬أسعد‭ ‬بهذا‭ ‬الفوز‭ ‬من‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬فقد‭ ‬قضى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬سنوات‭ ‬أربعاً‭ ‬يُراوغ‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن،‭ ‬ويُسوّف‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬المصيرية،‭ ‬ويُؤجّل‭ ‬أي‭ ‬حل‭ ‬للأوضاع‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وينتظر‭ ‬عودة‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬أعطاه‭ ‬في‭ ‬ولايته‭ ‬الأولى‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُعطه‭ ‬أحد‭: ‬نقل‭ ‬السفارة‭ ‬إلى‭ ‬القدس،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالسيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬الجولان،‭ ‬ولم‭ ‬يُخفِ‭ ‬نتنياهو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يؤجل‭ ‬قرارات‭ ‬مفصلية،‭ ‬مثل‭ ‬ملف‭ ‬غزة‭ ‬والرهائن،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬عودة‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭.‬

لكن‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الولاية‭ ‬الثانية‭ ‬كشفت‭ ‬بسرعة‭ ‬لافتة‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬الثاني‭ ‬ليس‭ ‬ترامب‭ ‬الأول‭ ‬بالمعنى‭ ‬ذاته‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭. ‬كان‭ ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬الولايتين‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭: ‬ترامب‭ ‬الثاني‭ ‬يريد‭ ‬ترتيب‭ ‬المنطقة‭ ‬وفق‭ ‬أجندته‭ ‬هو،‭ ‬لا‭ ‬أجندة‭ ‬نتنياهو،‭ ‬في‭ ‬ولايته‭ ‬الأولى‭ ‬كان‭ ‬ترامب‭ ‬يمنح‭ ‬إسرائيل‭ ‬أوراق‭ ‬قوة‭ ‬ويتركها‭ ‬تستخدمها‭ ‬كيفما‭ ‬تشاء،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية‭ ‬فأراد‭ ‬ترامب‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬المتحكم‭ ‬في‭ ‬هندسة‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الصلة‭ ‬تماماً‭ ‬بحسابات‭ ‬إسرائيل‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها،‭ ‬بل‭ ‬تراكم‭ ‬عبر‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬اللحظات‭ ‬الكاشفة‭ ‬التي‭ ‬رصدها‭ ‬الإعلام‭ ‬الدولي‭ ‬بدقة،‭ ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬نتنياهو‭ ‬يحلم‭ ‬بأن‭ ‬ترامب‭ ‬سيمنحه‭ ‬شيكاً‭ ‬على‭ ‬بياض‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان‭ ‬وإيران،‭ ‬كانت‭ ‬الحقيقة‭ ‬مختلفة‭ ‬جذرياً‭: ‬ترامب‭ ‬يريد‭ ‬انتصارات‭ ‬سريعة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتسويق،‭ ‬بينما‭ ‬نتنياهو‭ ‬منجذب‭ ‬تماماً‭ ‬نحو‭ ‬نمط‭ ‬الحروب‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬وعد‭ ‬ترامب‭ ‬بالابتعاد‭ ‬عنها‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬إيران‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬تقاطعت‭ ‬عندها‭ ‬أهداف‭ ‬الرجلين،‭ ‬وكانت‭ ‬كذلك‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬كشف‭ ‬عندها‭ ‬تباعدهما؛‭ ‬اذ‭ ‬تواجه‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬خلافاً‭ ‬داخلياً‭ ‬حول‭ ‬المدى‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬إليه‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭: ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬وتفضّل‭ ‬بقاء‭ ‬التدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الدعم‭ ‬الاستخباراتي‭ ‬واللوجستي،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬دفع‭ ‬مستشارو‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬وبعض‭ ‬شخصيات‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬باتجاه‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً،‭ ‬فالحرب‭ ‬الاخيرة‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬ذروة‭ ‬التحالف‭ ‬الميداني،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬بداية‭ ‬الانفصال‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬فحين‭ ‬أطالت‭ ‬إسرائيل‭ ‬الحرب‭ ‬وتجاوزت‭ ‬الأهداف‭ ‬المتفق‭ ‬عليها،‭ ‬وبدأ‭ ‬نتنياهو‭ ‬يتصرف‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬باستقلالية‭ ‬تتجاوز‭ ‬ما‭ ‬أجازته‭ ‬واشنطن،‭ ‬وصلت‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬التحوّل‭ ‬حين‭ ‬استخدمت‭ ‬إيران‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬كورقة‭ ‬ضغط،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬تركيز‭ ‬ترامب‭ ‬منصبّاً‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬مواصلة‭ ‬استنزاف‭ ‬قدراته‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬هدفه‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬واستقرار‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬وإنهاء‭ ‬حرب‭ ‬باتت‭ ‬أطول‭ ‬وأكثر‭ ‬كلفة‭ ‬مما‭ ‬توقّع‭.‬

ما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬المتعلق‭ ‬بهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬هو‭ ‬ظاهرة‭ ‬لافتة‭ ‬باتت‭ ‬متكررة‭: ‬هي‭ ‬التسريبات‭ ‬المحسوبة‭ ‬عن‭ ‬توترات‭ ‬ترامب‭-‬نتنياهو،‭ ‬تقارير‭ ‬أكسيوس‭ ‬وبوليتيكو‭ ‬ومحطة‭ ‬سي‭ ‬إن‭ ‬إن‭ ‬عن‭ ‬مكالمات‭ ‬غاضبة‭ ‬بين‭ ‬الزعيمين‭ ‬أصبحت‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكي‭. ‬ترامب‭ ‬يصف‭ ‬نتنياهو‭ ‬بأنه‭ ‬مجنون،‭ ‬والبيت‭ ‬الأبيض‭ ‬يوبّخ‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬على‭ ‬انتهاكات‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬هذه‭ ‬التسريبات،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُحدث‭ ‬موجات‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬والتعليق‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ولكن‭ ‬يُشكك‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬الموضوعيين‭.‬

محللون‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬التسريبات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬التصورات‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الجمود‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬وأن‭ ‬تسريب‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬موجهاً‭ ‬لإظهار‭ ‬ترامب‭ ‬بمظهر‭ ‬المتشدد‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لاحتواء‭ ‬غضب‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬وهذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الغضب‭ ‬المُصرَّح‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أفعال‭ ‬رادعة‭ ‬ليس‭ ‬جديداً‭: ‬بعض‭ ‬أشد‭ ‬المواجهات‭ ‬العلنية‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬والقيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬كان‭ ‬يعقبها‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬توطيد‭ ‬أعمق‭ ‬للتعاون‭ ‬الأمني‭ ‬ودعم‭ ‬عسكري‭ ‬أوسع‭ ‬لإسرائيل‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يُميّز‭ ‬المشهد‭ ‬الراهن‭ ‬عن‭ ‬سابقاته‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو‭ ‬يدير‭ ‬حسابات‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬شريك‭ ‬أمريكي‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بالمناورة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭. ‬التوترات‭ ‬باتت‭ ‬جلية‭ ‬حين‭ ‬يصطدم‭ ‬مسعى‭ ‬ترامب‭ ‬نحو‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬مع‭ ‬الطموحات‭ ‬الانتخابية‭ ‬لنتنياهو،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يختبر‭ ‬الحدود‭ ‬الممكنة‭ ‬مع‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬يعتمد‭ ‬اعتماداً‭ ‬كبيراً‭ ‬على‭ ‬اللوبيات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬النافذة‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬لدعمه‭ ‬سياسيا‭ ‬وماليا‭ ‬وخاصة‭ ‬خلال‭ ‬انتخابات‭ ‬الكونجرس‭ ‬المقبلة‭.‬

أما‭ ‬نتنياهو‭ ‬فيتحرك‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬ضيق‭: ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬تحظى‭ ‬بتأييد‭ ‬شعبي‭ ‬إسرائيلي‭ ‬يبلغ‭ ‬نحو‭ ‬93‭ ‬بالمائة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬أيسر‭ ‬سياسياً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬دبلوماسي،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يخوض‭ ‬محاكمة‭ ‬فساد‭ ‬ممتدة‭ ‬في‭ ‬سنتها‭ ‬السادسة،‭ ‬وعليه‭ ‬مذكرة‭ ‬اعتقال‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬خسارة‭ ‬السلطة‭ ‬مقامرة‭ ‬وجودية‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬تحمّل‭ ‬تبعاتها‭.‬

السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬التحليل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭: ‬هل‭ ‬يختلف‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو؟‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬تمتلك‭ ‬واشنطن‭ ‬رغبة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬حين‭ ‬تتعارض‭ ‬المصالح؟

الإجابة‭ ‬المتاحة‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الراهن‭ ‬تميل‭ ‬نحو‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬فاعلية‭ ‬هذا‭ ‬الضغط‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭. ‬قدمت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬25‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وأحبطت‭ ‬قرارات‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬لحظات‭ ‬التوتر‭ ‬العلني،‭ ‬ويرى‭ ‬المحللون‭ ‬المنصفون‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬وقعوا‭ ‬في‭ ‬خطأ‭ ‬استراتيجي‭ ‬فادح‭ ‬حين‭ ‬تعاملوا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬خطوات‭ ‬ترامب‭ ‬باعتبارها‭ ‬موجّهة‭ ‬لخدمة‭ ‬إسرائيل‭ ‬تحديداً،‭ ‬متجاهلين‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تتحرك‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وحرية‭ ‬الملاحة،‭ ‬واستقرار‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وهي‭ ‬أهداف‭ ‬تتجاوز‭ ‬المصالح‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المباشرة‭.‬

الصورة‭ ‬التي‭ ‬تُشكّلها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الكبرى،‭ ‬الغربية‭ ‬والعربية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬تتوزع‭ ‬على‭ ‬روايتين‭ ‬متوازيتين‭: ‬الأولى‭ ‬تُقدّم‭ ‬التوترات‭ ‬بوصفها‭ ‬أزمة‭ ‬حقيقية‭ ‬قد‭ ‬تُعيد‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬التحالف،‭ ‬والثانية‭ ‬تُصوّرها‭ ‬باعتبارها‭ ‬ضجيجاً‭ ‬إعلامياً‭ ‬يُخفي‭ ‬استمرارية‭ ‬الدعم‭ ‬الفعلي‭ ‬وثباته،‭ ‬فنائب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جيه‭ ‬دي‭ ‬فانس‭ ‬قال‭ ‬علناً‭ ‬إن‭ ‬ترامب‭ ‬هو‭ ‬آخر‭ ‬حليف‭ ‬قوي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهو‭ ‬تصريح‭ ‬لافت‭ ‬يكشف‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬العزلة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتنامية‭ ‬دولياً،‭ ‬وعن‭ ‬ثقل‭ ‬الورقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬السوشيال‭ ‬ميديا‭ ‬فالمشهد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وأقل‭ ‬انضباطاً‭: ‬تيارات‭ ‬من‭ ‬التعليقات‭ ‬تُصوّر‭ ‬أي‭ ‬توتر‭ ‬أمريكي‭ ‬إسرائيلي‭ ‬بوصفه‭ ‬انهياراً‭ ‬وشيكاً‭ ‬للتحالف،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬تيارات‭ ‬مضادة‭ ‬تُقلّل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وتُصنّفه‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة‭ ‬السياسية،‭ ‬وكلا‭ ‬التيارين‭ ‬يُفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الدقة‭ ‬التحليلية‭.‬

إن‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬الباحث‭ ‬الموضوعي‭ ‬تفرض‭ ‬الإقرار‭ ‬بحقيقتين‭ ‬متوازيتين‭ ‬لا‭ ‬تقبلان‭ ‬التجاهل‭: ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬توترات‭ ‬حقيقية‭ ‬موثّقة‭ ‬بين‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو،‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬تباين‭ ‬المصالح‭ ‬الآني‭ ‬والوقتي،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬الثوابت‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬والثانية‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التوترات‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التهديد‭ ‬البنيوي‭ ‬للتحالف،‭ ‬لأن‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للعلاقة‭ ‬العسكرية‭ ‬والاستخباراتية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬راسخة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أضواء‭ ‬الصراعات‭ ‬اللفظية‭.‬

لكن‭ ‬اللافت‭ ‬هنا‭ ‬انه‭ ‬حين‭ ‬هدّدت‭ ‬العمليات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬مسار‭ ‬التفاوض‭ ‬الأمريكي‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬اكتشفت‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬له‭ ‬سقف،‭ ‬وأن‭ ‬الشريك‭ ‬الأمريكي،‭ ‬مهما‭ ‬أُعلن‭ ‬صداقته،‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬دولة‭ ‬كبرى‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬حساباتها‭ ‬هي،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬حسابات‭ ‬شركائها‭.‬

{ باحثة‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا