لطالما رسمت وسائل الإعلام الغربية العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بوصفها تحالفاً استراتيجياً يفوق منطق الدولة ومصالحها، حتى بات الجمهور المتلقي يتعامل مع هذه العلاقة كأنها ثابت جيوسياسي لا تطوله رياح التغيير، غير أن ما كشفته الأشهر الأخيرة من تطورات متسارعة أثبت أن هذه العلاقة كسائر العلاقات بين الدول، تحكمها في المقام الأول المصالح المتقاطعة والمتباينة في آنٍ واحد، وأن ما يُسمى الصداقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب لا يعدو كونه تعبيراً دبلوماسياً يُخفي تحته توترات حقيقية وتباينات استراتيجية بالغة العمق.
حين فاز دونالد ترامب في انتخابات نوفمبر 2024 لم يكن أحد أسعد بهذا الفوز من بنيامين نتنياهو، فقد قضى رئيس الوزراء الإسرائيلي سنوات أربعاً يُراوغ إدارة بايدن، ويُسوّف في القرارات المصيرية، ويُؤجّل أي حل للأوضاع في غزة، وينتظر عودة الرجل الذي أعطاه في ولايته الأولى ما لم يُعطه أحد: نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ولم يُخفِ نتنياهو أنه كان يؤجل قرارات مفصلية، مثل ملف غزة والرهائن، في انتظار عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
لكن الأيام الأولى من الولاية الثانية كشفت بسرعة لافتة أن ترامب الثاني ليس ترامب الأول بالمعنى ذاته بالنسبة إلى إسرائيل. كان الفارق الجوهري بين الولايتين يتمثل في شيء واحد: ترامب الثاني يريد ترتيب المنطقة وفق أجندته هو، لا أجندة نتنياهو، في ولايته الأولى كان ترامب يمنح إسرائيل أوراق قوة ويتركها تستخدمها كيفما تشاء، أما في ولايته الثانية فأراد ترامب ان يكون المتحكم في هندسة النظام الإقليمي من دون الصلة تماماً بحسابات إسرائيل.
هذا التحول لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل تراكم عبر سلسلة من اللحظات الكاشفة التي رصدها الإعلام الدولي بدقة، فبينما كان نتنياهو يحلم بأن ترامب سيمنحه شيكاً على بياض في غزة ولبنان وإيران، كانت الحقيقة مختلفة جذرياً: ترامب يريد انتصارات سريعة وقابلة للتسويق، بينما نتنياهو منجذب تماماً نحو نمط الحروب المفتوحة التي طالما وعد ترامب بالابتعاد عنها.
لقد كانت إيران النقطة التي تقاطعت عندها أهداف الرجلين، وكانت كذلك النقطة التي كشف عندها تباعدهما؛ اذ تواجه إدارة ترامب خلافاً داخلياً حول المدى الذي يجب أن تذهب إليه واشنطن في دعم إسرائيل: وزارة الدفاع تميل إلى ضبط النفس وتفضّل بقاء التدخل الأمريكي في حدود الدعم الاستخباراتي واللوجستي، في المقابل دفع مستشارو الأمن القومي وبعض شخصيات الحزب الجمهوري باتجاه دعم إسرائيل بشكل أكثر وضوحاً، فالحرب الاخيرة كانت لحظة ذروة التحالف الميداني، لكنها كانت في الوقت ذاته بداية الانفصال الاستراتيجي، فحين أطالت إسرائيل الحرب وتجاوزت الأهداف المتفق عليها، وبدأ نتنياهو يتصرف في لبنان باستقلالية تتجاوز ما أجازته واشنطن، وصلت الأمور إلى نقطة التحوّل حين استخدمت إيران مضيق هرمز كورقة ضغط، ولم يعد تركيز ترامب منصبّاً على تغيير النظام الإيراني أو مواصلة استنزاف قدراته العسكرية، بل أصبح هدفه إعادة فتح المضيق واستقرار أسواق الطاقة وإنهاء حرب باتت أطول وأكثر كلفة مما توقّع.
ما يلفت النظر في المشهد الإعلامي المتعلق بهذه العلاقة هو ظاهرة لافتة باتت متكررة: هي التسريبات المحسوبة عن توترات ترامب-نتنياهو، تقارير أكسيوس وبوليتيكو ومحطة سي إن إن عن مكالمات غاضبة بين الزعيمين أصبحت تتكرر في الإعلام الأمريكي. ترامب يصف نتنياهو بأنه مجنون، والبيت الأبيض يوبّخ تل أبيب على انتهاكات وقف إطلاق النار في لبنان هذه التسريبات، التي كانت تُحدث موجات من التحليل والتعليق على منصات التواصل الاجتماعي ولكن يُشكك فيها عدد من المحللين الموضوعيين.
محللون يرون أن التسريبات الاستراتيجية تهدف إلى التأثير على التصورات العامة في لحظات الجمود الدبلوماسي، وأن تسريب التوتر بين ترامب ونتنياهو قد يكون موجهاً لإظهار ترامب بمظهر المتشدد مع إسرائيل لاحتواء غضب الرأي العام الأمريكي من الحرب، وهذا النمط من الغضب المُصرَّح به من دون أفعال رادعة ليس جديداً: بعض أشد المواجهات العلنية بين الرئيس الأمريكي والقيادة الإسرائيلية كان يعقبها في أغلب الأحيان توطيد أعمق للتعاون الأمني ودعم عسكري أوسع لإسرائيل.
إن ما يُميّز المشهد الراهن عن سابقاته هو أن نتنياهو يدير حسابات سياسية داخلية بالغة التعقيد في مواجهة شريك أمريكي لا يسمح بالمناورة هذه المرة. التوترات باتت جلية حين يصطدم مسعى ترامب نحو وقف إطلاق النار مع الطموحات الانتخابية لنتنياهو، ما يجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي يختبر الحدود الممكنة مع ترامب الذي هو نفسه يعتمد اعتماداً كبيراً على اللوبيات الإسرائيلية النافذة في واشنطن لدعمه سياسيا وماليا وخاصة خلال انتخابات الكونجرس المقبلة.
أما نتنياهو فيتحرك في فضاء ضيق: من جهة، الحرب على إيران تحظى بتأييد شعبي إسرائيلي يبلغ نحو 93 بالمائة، وهو ما يجعل التصعيد العسكري أيسر سياسياً من أي اتفاق دبلوماسي، وخاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، ومن جهة أخرى، يخوض محاكمة فساد ممتدة في سنتها السادسة، وعليه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، ما يجعل خسارة السلطة مقامرة وجودية لا يستطيع تحمّل تبعاتها.
السؤال الأكثر إلحاحاً في دوائر التحليل الاستراتيجي اليوم ليس: هل يختلف ترامب ونتنياهو؟ السؤال الحقيقي هو: هل تمتلك واشنطن رغبة حقيقية في الضغط على تل أبيب حين تتعارض المصالح؟
الإجابة المتاحة من المشهد الراهن تميل نحو التشكيك في فاعلية هذا الضغط منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023. قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل ما يقارب 25 مليار دولار من المساعدات العسكرية، وأحبطت قرارات وقف إطلاق النار في مجلس الأمن، ولم تتوقف عن الدعم السياسي حتى في أحلك لحظات التوتر العلني، ويرى المحللون المنصفون أن كثيرين في إسرائيل وقعوا في خطأ استراتيجي فادح حين تعاملوا مع كل خطوات ترامب باعتبارها موجّهة لخدمة إسرائيل تحديداً، متجاهلين أن الإدارة الأمريكية كانت في الوقت ذاته تتحرك انطلاقاً من اعتبارات الأمن القومي الأمريكي، وحرية الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، والاستقرار الإقليمي، وهي أهداف تتجاوز المصالح الإسرائيلية المباشرة.
الصورة التي تُشكّلها وسائل الإعلام الكبرى، الغربية والعربية على حد سواء، لهذه العلاقة تتوزع على روايتين متوازيتين: الأولى تُقدّم التوترات بوصفها أزمة حقيقية قد تُعيد رسم ملامح التحالف، والثانية تُصوّرها باعتبارها ضجيجاً إعلامياً يُخفي استمرارية الدعم الفعلي وثباته، فنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قال علناً إن ترامب هو آخر حليف قوي لإسرائيل في العالم، وهو تصريح لافت يكشف في آنٍ واحد عن حجم العزلة الإسرائيلية المتنامية دولياً، وعن ثقل الورقة الأمريكية في حسابات تل أبيب.
أما على منصات السوشيال ميديا فالمشهد أكثر تعقيداً وأقل انضباطاً: تيارات من التعليقات تُصوّر أي توتر أمريكي إسرائيلي بوصفه انهياراً وشيكاً للتحالف، في مقابل تيارات مضادة تُقلّل من كل شيء وتُصنّفه في خانة العلاقات العامة السياسية، وكلا التيارين يُفتقر إلى الدقة التحليلية.
إن قراءة هذه العلاقة من منظور الباحث الموضوعي تفرض الإقرار بحقيقتين متوازيتين لا تقبلان التجاهل: الأولى أن ثمة توترات حقيقية موثّقة بين ترامب ونتنياهو، نابعة من تباين المصالح الآني والوقتي، وليس من اختلاف في الثوابت الاستراتيجية، والثانية أن هذه التوترات لا ترقى حتى الآن على الأقل إلى مستوى التهديد البنيوي للتحالف، لأن البنية التحتية للعلاقة العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية لا تزال راسخة بعيداً عن أضواء الصراعات اللفظية.
لكن اللافت هنا انه حين هدّدت العمليات الإسرائيلية في لبنان مسار التفاوض الأمريكي مع إيران اكتشفت إسرائيل أن نفوذها في واشنطن له سقف، وأن الشريك الأمريكي، مهما أُعلن صداقته، يبقى في نهاية المطاف دولة كبرى تنطلق من حساباتها هي، لا من حسابات شركائها.
{ باحثة مختصة في الشؤون الإسرائيلية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك