واجهت أوروبا منذ السنوات الماضية موجات حر شديد في ذروة الصيف، وأدت إلى وفاة ما يزيد على 200 ألف شخص في القارة العجوز، واليوم، تعاني هذه القارة من موجة حر غير مسبوقة، ما دفع وكالات الأرصاد الجوية إلى إصدار التحذير الأحمر.
اللوم دائماً يقع على الاحتباس المناخي الذي بات يُعطّل الكثير من الدول ويعبث بأوضاعها الاقتصادية والصحية والبيئية، وهو لوم صحيح في ظل تواضع الجهود الدولية للحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي تؤثر بمجملها على الكون والسلوك البشري.
ما يحدث الآن في بعض الدول الأوروبية من موجة حر لاهبة وحرارة عالية تصل إلى 40 درجة مئوية، يعود إلى تداخل عدة عوامل مناخية وجوية، أبرزها ظهور فقاعة حرارية أو قبة ساخنة ناتجة عن احتجاز كتلة ضخمة من الهواء الساخن في القارة الأوروبية.
هذه القبة الحرارية المتمركزة فوق القارة الأوروبية، منعت تبادل الكتل الهوائية وأسهمت في تثبيت الأجواء الحارة، فضلاً عن تغيرات طرأت على التيار النفاث وتدفق رياح جنوبية حملت هواءً حاراً وجافاً من الصحراء الكبرى إلى جنوب وغرب أوروبا.
هذه الموجات تحدث باستمرار لأسباب طبيعية ومنطقية، لكن العامل الخطر هنا يتمثل في ظاهرة الاحتباس الحراري التي تدفع العالم إلى اختبار موجات جديدة من الحر مردها انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
ثاني أكسيد الكربون هو المسؤول الأول عن الاحترار العالمي، إلى جانب وجود غازات دفيئة أخرى تسهم في تسريع الاحتباس الحراري واحتجاز الحرارة في الأرض، وبالتالي حدوث تغيرات في بيئة الأرض والتأثير المتدرج على توازنها البيئي.
التأثير الجغرافي أيضاً يلعب دوراً في احترار أوروبا، والسبب أنها تقع بين المحيط المتجمد الشمالي فوق في الشمال، وفي الجنوب الأسفل يفصل بينها وبين إفريقيا البحر الأبيض المتوسط، والمنطقتان متأثرتان بشدة من الاحتباس الحراري.
المنطقة القطبية الشمالية تشهد في هذه الأوقات أسرع معدلات احترار في العالم، وهناك كتل جليدية بحرية تذوب يوماً بعد يوم، في حين تقع أغلب القارة الإفريقية بالقرب من خط الاستواء، ما يعرضها إلى أشعة شمس قوية طوال العام تقريباً.
كذلك يمكن القول، إن وجود الصحراء الكبرى في وسط وشمال افريقيا وهي موطن طبيعي لأعلى درجات الحرارة، وقلة الغطاء النباتي، وضعف الجهود الإفريقية لمواجهة الاحترار العالمي، جميعها عوامل تؤثر في بيئة هذه القارة، ما يؤدي إلى تبدلات في حالة الطقس وسحب هوائية ساخنة مسافرة.
إضافةً إلى أن المناخ الأوروبي عموماً بارد، وبالتالي تتركز كل الجهود الأوروبية في العمل على تقليل البرد القارس في الشتاء وتمكين البنية التحتية من التعامل مع صعوبة الطقس في هذا الفصل البارد، ولم تكن هناك خطط لتهيئة البلدان لأزمات حرارية طارئة.
كل العوامل المناخية والبشرية أعلاه تؤثر في بيئة ومناخ القارة الأوروبية، والسؤال هنا: هل ستسمح أوروبا باستمرار سياسات الاستهتار والعبث بشأن ظاهرة الاحتباس الحراري وتدفق موجات الحر تباعاً، أم تسعى لإنقاذ العالم بتخفيف وطأة الاحترار العالمي وبالتالي تخفيف الحرارة المقبلة إليها عاما بعد عام؟
في الحقيقة، هناك جهود أوروبية حثيثة لتخفيف الأثر البيئي الناتج عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وكثير من الدول الأوروبية غيّرت من سياساتها وقوانينها ووضعت أهدافاً لخفض الانبعاثات بنسبة 55% مع حلول عام 2030، وصولاً إلى الحياد المناخي العام 2050.
وبدأنا نشهد توسعاً في الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والاستثمار في الطاقة النظيفة وتخصيص موارد مالية ضخمة للتحول النظيف، غير أن كل هذه الجهود لا تؤثر كثيراً على ظاهرة الاحتباس الحراري.
السبب أن القارة الأوروبية تمثل من 6 إلى 7% من مجموع الانبعاثات العالمية، في حين أن الصين وحدها تمثل حوالي 30% من الانبعاثات العالمية، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 14%، ثم الهند 7 إلى 8%، وروسيا من 4 إلى 5%.
هذا يعني أن العالم إذا لم يجتمع على قلب رجل واحد للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، فإنه لن يحقق هدف حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، وهذا يعني كارثة كبيرة تحل على البشرية وقد يكون لها بصمة في تدهور حضارتها.
قليلة هي الدول التي تعتمد سياسات لتقليل البصمتين البيئية والكربونية، وأوروبا تسير في هذه الاتجاه، لكن وحدها لا يمكنها فرملة تفاقم الاحتباس الحراري، حتى لو قررت الانكفاء على نفسها والتعامل مع هذه الظاهرة أوروبياً فقط.
المطلوب إعادة إحياء وتفعيل الجهود الدولية للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، والضغط على الدول الكبرى وتحديداً الصين والولايات المتحدة، لبذل الجهد الأكبر في خفض انبعاثات الكربون وتكثيف العمل الجماعي لتقليل الأثر البيئي الناتج عن الاحترار العالمي.
عدا ذلك، ستشهد أوروبا مزيدا من التطرف المناخي الذي يهدد أمنها ومستقبلها، وستضعها السنوات المقبلة أمام أجواء ساخنة جداً، فإما أن تستعجل في اتخاذ الإجراءات للحد من أثر الحر «المسافر» إليها، وإما تتعامل معه - أي الحر - بنظام المعالجات المؤقتة.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك