العدد : ١٧٦٢٩ - الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٩ - الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التغير المناخي وموجات الحر الشديد في أوروبا

بقلم: هاني عوكل

الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

واجهت‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬موجات‭ ‬حر‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الصيف،‭ ‬وأدت‭ ‬إلى‭ ‬وفاة‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬200‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬العجوز،‭ ‬واليوم،‭ ‬تعاني‭ ‬هذه‭ ‬القارة‭ ‬من‭ ‬موجة‭ ‬حر‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬وكالات‭ ‬الأرصاد‭ ‬الجوية‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬التحذير‭ ‬الأحمر‭.‬

اللوم‭ ‬دائماً‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬الاحتباس‭ ‬المناخي‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يُعطّل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬ويعبث‭ ‬بأوضاعها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والصحية‭ ‬والبيئية،‭ ‬وهو‭ ‬لوم‭ ‬صحيح‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تواضع‭ ‬الجهود‭ ‬الدولية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬بمجملها‭ ‬على‭ ‬الكون‭ ‬والسلوك‭ ‬البشري‭.‬

ما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬موجة‭ ‬حر‭ ‬لاهبة‭ ‬وحرارة‭ ‬عالية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬درجة‭ ‬مئوية،‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬تداخل‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬مناخية‭ ‬وجوية،‭ ‬أبرزها‭ ‬ظهور‭ ‬فقاعة‭ ‬حرارية‭ ‬أو‭ ‬قبة‭ ‬ساخنة‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬احتجاز‭ ‬كتلة‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الهواء‭ ‬الساخن‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭.‬

هذه‭ ‬القبة‭ ‬الحرارية‭ ‬المتمركزة‭ ‬فوق‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬منعت‭ ‬تبادل‭ ‬الكتل‭ ‬الهوائية‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬الأجواء‭ ‬الحارة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تغيرات‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬التيار‭ ‬النفاث‭ ‬وتدفق‭ ‬رياح‭ ‬جنوبية‭ ‬حملت‭ ‬هواءً‭ ‬حاراً‭ ‬وجافاً‭ ‬من‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬جنوب‭ ‬وغرب‭ ‬أوروبا‭.‬

هذه‭ ‬الموجات‭ ‬تحدث‭ ‬باستمرار‭ ‬لأسباب‭ ‬طبيعية‭ ‬ومنطقية،‭ ‬لكن‭ ‬العامل‭ ‬الخطر‭ ‬هنا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬موجات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الحر‭ ‬مردها‭ ‬انبعاثات‭ ‬غاز‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭.‬

ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬هو‭ ‬المسؤول‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬الاحترار‭ ‬العالمي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬وجود‭ ‬غازات‭ ‬دفيئة‭ ‬أخرى‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري‭ ‬واحتجاز‭ ‬الحرارة‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬وبالتالي‭ ‬حدوث‭ ‬تغيرات‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الأرض‭ ‬والتأثير‭ ‬المتدرج‭ ‬على‭ ‬توازنها‭ ‬البيئي‭.‬

التأثير‭ ‬الجغرافي‭ ‬أيضاً‭ ‬يلعب‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬احترار‭ ‬أوروبا،‭ ‬والسبب‭ ‬أنها‭ ‬تقع‭ ‬بين‭ ‬المحيط‭ ‬المتجمد‭ ‬الشمالي‭ ‬فوق‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬وفي‭ ‬الجنوب‭ ‬الأسفل‭ ‬يفصل‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬إفريقيا‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬والمنطقتان‭ ‬متأثرتان‭ ‬بشدة‭ ‬من‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري‭.‬

المنطقة‭ ‬القطبية‭ ‬الشمالية‭ ‬تشهد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأوقات‭ ‬أسرع‭ ‬معدلات‭ ‬احترار‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهناك‭ ‬كتل‭ ‬جليدية‭ ‬بحرية‭ ‬تذوب‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تقع‭ ‬أغلب‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬الاستواء،‭ ‬ما‭ ‬يعرضها‭ ‬إلى‭ ‬أشعة‭ ‬شمس‭ ‬قوية‭ ‬طوال‭ ‬العام‭ ‬تقريباً‭.‬

كذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول،‭ ‬إن‭ ‬وجود‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬وشمال‭ ‬افريقيا‭ ‬وهي‭ ‬موطن‭ ‬طبيعي‭ ‬لأعلى‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة،‭ ‬وقلة‭ ‬الغطاء‭ ‬النباتي،‭ ‬وضعف‭ ‬الجهود‭ ‬الإفريقية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاحترار‭ ‬العالمي،‭ ‬جميعها‭ ‬عوامل‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬هذه‭ ‬القارة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تبدلات‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الطقس‭ ‬وسحب‭ ‬هوائية‭ ‬ساخنة‭ ‬مسافرة‭.‬

إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المناخ‭ ‬الأوروبي‭ ‬عموماً‭ ‬بارد،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تتركز‭ ‬كل‭ ‬الجهود‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬البرد‭ ‬القارس‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭ ‬وتمكين‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬صعوبة‭ ‬الطقس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬البارد،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬خطط‭ ‬لتهيئة‭ ‬البلدان‭ ‬لأزمات‭ ‬حرارية‭ ‬طارئة‭.‬

كل‭ ‬العوامل‭ ‬المناخية‭ ‬والبشرية‭ ‬أعلاه‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬ومناخ‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬والسؤال‭ ‬هنا‭: ‬هل‭ ‬ستسمح‭ ‬أوروبا‭ ‬باستمرار‭ ‬سياسات‭ ‬الاستهتار‭ ‬والعبث‭ ‬بشأن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري‭ ‬وتدفق‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬تباعاً،‭ ‬أم‭ ‬تسعى‭ ‬لإنقاذ‭ ‬العالم‭ ‬بتخفيف‭ ‬وطأة‭ ‬الاحترار‭ ‬العالمي‭ ‬وبالتالي‭ ‬تخفيف‭ ‬الحرارة‭ ‬المقبلة‭ ‬إليها‭ ‬عاما‭ ‬بعد‭ ‬عام؟

في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬هناك‭ ‬جهود‭ ‬أوروبية‭ ‬حثيثة‭ ‬لتخفيف‭ ‬الأثر‭ ‬البيئي‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬غيّرت‭ ‬من‭ ‬سياساتها‭ ‬وقوانينها‭ ‬ووضعت‭ ‬أهدافاً‭ ‬لخفض‭ ‬الانبعاثات‭ ‬بنسبة‭ ‬55‭% ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬عام‭ ‬2030،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الحياد‭ ‬المناخي‭ ‬العام‭ ‬2050‭.‬

وبدأنا‭ ‬نشهد‭ ‬توسعاً‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬وتخصيص‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭ ‬للتحول‭ ‬النظيف،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬كثيراً‭ ‬على‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري‭.‬

السبب‭ ‬أن‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬تمثل‭ ‬من‭ ‬6‭ ‬إلى‭ ‬7‭% ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬الانبعاثات‭ ‬العالمية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬وحدها‭ ‬تمثل‭ ‬حوالي‭ ‬30‭% ‬من‭ ‬الانبعاثات‭ ‬العالمية،‭ ‬تليها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بنسبة‭ ‬14‭%‬،‭ ‬ثم‭ ‬الهند‭ ‬7‭ ‬إلى‭ ‬8‭%‬،‭ ‬وروسيا‭ ‬من‭ ‬4‭ ‬إلى‭ ‬5‭%.‬

هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يجتمع‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬رجل‭ ‬واحد‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري،‭ ‬فإنه‭ ‬لن‭ ‬يحقق‭ ‬هدف‭ ‬حصر‭ ‬الاحترار‭ ‬عند‭ ‬1‭.‬5‭ ‬درجة‭ ‬مئوية،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬كارثة‭ ‬كبيرة‭ ‬تحل‭ ‬على‭ ‬البشرية‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬بصمة‭ ‬في‭ ‬تدهور‭ ‬حضارتها‭.‬

قليلة‭ ‬هي‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬سياسات‭ ‬لتقليل‭ ‬البصمتين‭ ‬البيئية‭ ‬والكربونية،‭ ‬وأوروبا‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاه،‭ ‬لكن‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬فرملة‭ ‬تفاقم‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬قررت‭ ‬الانكفاء‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أوروبياً‭ ‬فقط‭.‬

المطلوب‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬وتفعيل‭ ‬الجهود‭ ‬الدولية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري،‭ ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬وتحديداً‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لبذل‭ ‬الجهد‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬انبعاثات‭ ‬الكربون‭ ‬وتكثيف‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬لتقليل‭ ‬الأثر‭ ‬البيئي‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الاحترار‭ ‬العالمي‭.‬

عدا‭ ‬ذلك،‭ ‬ستشهد‭ ‬أوروبا‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬التطرف‭ ‬المناخي‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬أمنها‭ ‬ومستقبلها،‭ ‬وستضعها‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬أمام‭ ‬أجواء‭ ‬ساخنة‭ ‬جداً،‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تستعجل‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬الحر‭ ‬‮«‬المسافر‮»‬‭ ‬إليها،‭ ‬وإما‭ ‬تتعامل‭ ‬معه‭ - ‬أي‭ ‬الحر‭ - ‬بنظام‭ ‬المعالجات‭ ‬المؤقتة‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا