مراحل الشعور في الإنسان ثلاثة: الإدراك، والوجدان، والنزوع، فأنت حر في أن تدرك أو لا تدرك، وأنت حر في أن تجد في نفسك وفي مشاعرك ما ليس لأحد الحق في مصادرة هذا الحق، ويأتي التدخل في حريتك، ومحاولة السيطرة عليها، وتوجيهها الوجهة التي قد لا ترضى عنها، ويأتي هذا التدخل في مرحلة النزوع للاستجابة لما تجد في نفسك التي تلح عليك بالأمر أو النهي، وأنت مؤاخذ على توجيه الإرادة التي خلقها الله تعالى صالحة للفعل أو لعدمه.. هنا تتدخل الشريعة الإسلامية لضبط سلوكك وتوجيهه الوجهة التي لا تتعارض مع أوامر الدين ونواهيه، والله تعالى إذا أعطى حاسب، وإذا سلب ما وهب أسقط ما وجب.
إذًا، فأنت حر في أن توجه طاقتك الفاعلة الوجهة التي تريد، فإذا فعلت ذلك، ومارست حريتك في الطاعة أو المعصية فاعلم أن الذي أعطاك الحرية في اختيار ما تشاء قادر على أن يسلبك هذا الحق ويجعلك مجبرًا كالملائكة: «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» التحريم: 6 .
ولكن هذا ليس في صالحك؛ لأنه لو رفع الحق سبحانه وتعالى وصايته ورعايته عنك فإن بعض أعضاء جسمك التي ليس لك سلطان عليها لن تعمل، فهو سبحانه وتعالى من يديرها لك وأنت نائم، وهكذا فجميع أجهزة جسمك التي لا إرادة لك عليها من يتولاها عنك، ويسدد خطاها لك، ويرسم لها الصراط السوي لتؤدي مهماتها التي خلقت من أجلها من عمليات التنفس والهضم والحركة، وكل هذه الأمور لا تخضع لإرادتك، وعندما تكون نائما لا بد أن يتولاها الإله الحكيم الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد.
إن الإنسان حين يمتثل لأوامر الله تعالى ونواهيه يأوي إلى ركن شديد، ومن يأخذ الحيطة عليه أن يحرص على البعد عن مواطن الشبهات، قال (صلى الله عليه وسلم): «الحلال بَيِّنْ، والحرام بَيِّنْ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» صحيح البخاري.
إذًا، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحذر من أن يحوم الإنسان حول الشبهات التي قد يستهين بها، فتأتي المعصية عن طريق هذه الاستهانة.
ومعلوم أن مرحلة النزوع قد لا يستطيع الإنسان فيها أن يملك نفسه، فينزع نزوعًا، غير مشروع، ويقع في الحرام، ولذلك أمرنا الشرع الحكيم أن نغلق منافذ الشيطان، وأن نبتعد عن الشبهات حتى لا تزل بنا الأقدام.
لذلك فان من يقرأ سورة النور، ويتدبر آياتها يجد تأكيد غَض البصر، والتحذير في السورة ليس خاصًا بالرجال من دون النساء، بل هو موجه إلى الجميع لأنه خطوة من خطوات الشيطان، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم» النور: 21.
ويقول تعالى: «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها» (31) سورة النور.
ورحم الله تعالى أمير الشعراء أحمد شوقي الذي جمع ولخص خطوات الشيطان في بيت واحد من الشعر، فقال:
نظرة، فابتسامة، فسلام
فكلام، فموعد، فلقاء
هذا التداخل بين هذه الخطوات يجعل من الصعب أو قد يكون من شبه المستحيل أن يتمالك الإنسان. نفسه ونزوعه، فيقع في الحرام، ولهذا عندما يشعر الإنسان، بمشاعره تتجاوز الوجدان إلى النزوع عليه أن يبادر إلى إغلاق منافذ الشهوة، ويغض بصره لأن النظرة الأولى لك أما الثانية فهي عليك، والآية تشير إلى أن ليس كل البصر محرم عليك، بل الحديث هنا خاص بالنساء؛ لأن قول الحق هنا مقصور على علاقة الرجال بالنساء، ولهذا فحديث السورة المباركة مقصور على علاقة الرجال بالنساء، ولتأكيد هذا المعنى.
تلك هي الشريعة الإسلامية، وتلك هي مجالات عملها: من أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وإيمان بالله تعالى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك