العدد : ١٧٦٢٩ - الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٩ - الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

القرآن.. بين الإدراك والنزوع !

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

مراحل‭ ‬الشعور‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬ثلاثة‭: ‬الإدراك،‭ ‬والوجدان،‭ ‬والنزوع،‭ ‬فأنت‭ ‬حر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تدرك،‭ ‬وأنت‭ ‬حر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬نفسك‭ ‬وفي‭ ‬مشاعرك‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬لأحد‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬مصادرة‭ ‬هذا‭ ‬الحق،‭ ‬ويأتي‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬حريتك،‭ ‬ومحاولة‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬وتوجيهها‭ ‬الوجهة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ترضى‭ ‬عنها،‭ ‬ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬النزوع‭ ‬للاستجابة‭ ‬لما‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬نفسك‭ ‬التي‭ ‬تلح‭ ‬عليك‭ ‬بالأمر‭ ‬أو‭ ‬النهي،‭ ‬وأنت‭ ‬مؤاخذ‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬الإرادة‭ ‬التي‭ ‬خلقها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬صالحة‭ ‬للفعل‭ ‬أو‭ ‬لعدمه‭.. ‬هنا‭ ‬تتدخل‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬لضبط‭ ‬سلوكك‭ ‬وتوجيهه‭ ‬الوجهة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬أوامر‭ ‬الدين‭ ‬ونواهيه،‭ ‬والله‭ ‬تعالى‭ ‬إذا‭ ‬أعطى‭ ‬حاسب،‭ ‬وإذا‭ ‬سلب‭ ‬ما‭ ‬وهب‭ ‬أسقط‭ ‬ما‭ ‬وجب‭.‬

إذًا،‭ ‬فأنت‭ ‬حر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬طاقتك‭ ‬الفاعلة‭ ‬الوجهة‭ ‬التي‭ ‬تريد،‭ ‬فإذا‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك،‭ ‬ومارست‭ ‬حريتك‭ ‬في‭ ‬الطاعة‭ ‬أو‭ ‬المعصية‭ ‬فاعلم‭ ‬أن‭ ‬الذي‭ ‬أعطاك‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬ما‭ ‬تشاء‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يسلبك‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬ويجعلك‭ ‬مجبرًا‭ ‬كالملائكة‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يعصون‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬أمرهم‭ ‬ويفعلون‭ ‬ما‭ ‬يؤمرون‮»‬‭ ‬التحريم‭: ‬6‭ .‬

ولكن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬صالحك؛‭ ‬لأنه‭ ‬لو‭ ‬رفع‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬وصايته‭ ‬ورعايته‭ ‬عنك‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬أعضاء‭ ‬جسمك‭ ‬التي‭ ‬ليس‭ ‬لك‭ ‬سلطان‭ ‬عليها‭ ‬لن‭ ‬تعمل،‭ ‬فهو‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬من‭ ‬يديرها‭ ‬لك‭ ‬وأنت‭ ‬نائم،‭ ‬وهكذا‭ ‬فجميع‭ ‬أجهزة‭ ‬جسمك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬إرادة‭ ‬لك‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬يتولاها‭ ‬عنك،‭ ‬ويسدد‭ ‬خطاها‭ ‬لك،‭ ‬ويرسم‭ ‬لها‭ ‬الصراط‭ ‬السوي‭ ‬لتؤدي‭ ‬مهماتها‭ ‬التي‭ ‬خلقت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التنفس‭ ‬والهضم‭ ‬والحركة،‭ ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لإرادتك،‭ ‬وعندما‭ ‬تكون‭ ‬نائما‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يتولاها‭ ‬الإله‭ ‬الحكيم‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أقرب‭ ‬إلينا‭ ‬من‭ ‬حبل‭ ‬الوريد‭.‬

إن‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬يمتثل‭ ‬لأوامر‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ونواهيه‭ ‬يأوي‭ ‬إلى‭ ‬ركن‭ ‬شديد،‭ ‬ومن‭ ‬يأخذ‭ ‬الحيطة‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬مواطن‭ ‬الشبهات،‭ ‬قال‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭): ‬‮«‬الحلال‭ ‬بَيِّنْ،‭ ‬والحرام‭ ‬بَيِّنْ،‭ ‬وبينهما‭ ‬أمور‭ ‬مشتبهات‭ ‬لا‭ ‬يعلمها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬فمن‭ ‬اتقى‭ ‬الشبهات‭ ‬فقد‭ ‬استبرأ‭ ‬لدينه‭ ‬وعرضه،‭ ‬ومن‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬الشبهات‭ ‬كراعٍ‭ ‬يرعى‭ ‬حول‭ ‬الحمى‭ ‬يوشك‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬فيه،‭ ‬ألا‭ ‬وإن‭ ‬لكل‭ ‬ملك‭ ‬حمى،‭ ‬وحمى‭ ‬الله‭ ‬محارمه،‭ ‬ألا‭ ‬وإن‭ ‬في‭ ‬الجسد‭ ‬مضغة‭ ‬إذا‭ ‬صلحت‭ ‬صلح‭ ‬الجسد‭ ‬كله،‭ ‬وإذا‭ ‬فسدت‭ ‬فسد‭ ‬الجسد‭ ‬كله‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬القلب‮»‬‭ ‬صحيح‭ ‬البخاري‭.‬

إذًا،‭ ‬فرسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يحوم‭ ‬الإنسان‭ ‬حول‭ ‬الشبهات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يستهين‭ ‬بها،‭ ‬فتأتي‭ ‬المعصية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬هذه‭ ‬الاستهانة‭.‬

ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬مرحلة‭ ‬النزوع‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الإنسان‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬يملك‭ ‬نفسه،‭ ‬فينزع‭ ‬نزوعًا،‭ ‬غير‭ ‬مشروع،‭ ‬ويقع‭ ‬في‭ ‬الحرام،‭ ‬ولذلك‭ ‬أمرنا‭ ‬الشرع‭ ‬الحكيم‭ ‬أن‭ ‬نغلق‭ ‬منافذ‭ ‬الشيطان،‭ ‬وأن‭ ‬نبتعد‭ ‬عن‭ ‬الشبهات‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تزل‭ ‬بنا‭ ‬الأقدام‭.‬

لذلك‭ ‬فان‭ ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬سورة‭ ‬النور،‭ ‬ويتدبر‭ ‬آياتها‭ ‬يجد‭ ‬تأكيد‭ ‬غَض‭ ‬البصر،‭ ‬والتحذير‭ ‬في‭ ‬السورة‭ ‬ليس‭ ‬خاصًا‭ ‬بالرجال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬النساء،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬موجه‭ ‬إلى‭ ‬الجميع‭ ‬لأنه‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬خطوات‭ ‬الشيطان،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬لا‭ ‬تتبعوا‭ ‬خطوات‭ ‬الشيطان‭ ‬ومن‭ ‬يتبع‭ ‬خطوات‭ ‬الشيطان‭ ‬فإنه‭ ‬يأمر‭ ‬بالفحشاء‭ ‬والمنكر‭ ‬ولولا‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬عليكم‭ ‬ورحمته‭ ‬ما‭ ‬زكى‭ ‬منكم‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أبدا‭ ‬ولكن‭ ‬الله‭ ‬يزكي‭ ‬من‭ ‬يشاء‭ ‬والله‭ ‬سميع‭ ‬عليم‮»‬‭ ‬النور‭: ‬21‭.‬

ويقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬قل‭ ‬للمؤمنين‭ ‬يغضوا‭ ‬من‭ ‬أبصارهم‭ ‬ويحفظوا‭ ‬فروجهم‭ ‬ذلك‭ ‬أزكى‭ ‬لهم‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬خبير‭ ‬بما‭ ‬يصنعون‭. (‬30‭) ‬وقل‭ ‬للمؤمنات‭ ‬يغضضن‭ ‬من‭ ‬أبصارهن‭ ‬ويحفظن‭ ‬فروجهن‭ ‬ولا‭ ‬يبدين‭ ‬زينتهن‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬منها‮»‬‭ (‬31‭) ‬سورة‭ ‬النور‭.‬

ورحم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬ولخص‭ ‬خطوات‭ ‬الشيطان‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الشعر،‭ ‬فقال‭:‬

نظرة،‭ ‬فابتسامة،‭ ‬فسلام

فكلام،‭ ‬فموعد،‭ ‬فلقاء

هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬شبه‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬يتمالك‭ ‬الإنسان‭. ‬نفسه‭ ‬ونزوعه،‭ ‬فيقع‭ ‬في‭ ‬الحرام،‭ ‬ولهذا‭ ‬عندما‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان،‭ ‬بمشاعره‭ ‬تتجاوز‭ ‬الوجدان‭ ‬إلى‭ ‬النزوع‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يبادر‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬منافذ‭ ‬الشهوة،‭ ‬ويغض‭ ‬بصره‭ ‬لأن‭ ‬النظرة‭ ‬الأولى‭ ‬لك‭ ‬أما‭ ‬الثانية‭ ‬فهي‭ ‬عليك،‭ ‬والآية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬البصر‭ ‬محرم‭ ‬عليك،‭ ‬بل‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬خاص‭ ‬بالنساء؛‭ ‬لأن‭ ‬قول‭ ‬الحق‭ ‬هنا‭ ‬مقصور‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬الرجال‭ ‬بالنساء،‭ ‬ولهذا‭ ‬فحديث‭ ‬السورة‭ ‬المباركة‭ ‬مقصور‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬الرجال‭ ‬بالنساء،‭ ‬ولتأكيد‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭.  ‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬مجالات‭ ‬عملها‭: ‬من‭ ‬أمر‭ ‬بمعروف،‭ ‬ونهي‭ ‬عن‭ ‬منكر،‭ ‬وإيمان‭ ‬بالله‭ ‬تعالى‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا