بعدما انتهيت من إلقاء ورقتي البحثية التي بعنوان هذا المقال، في إحدى الدول الشقيقة ذات يوم، تقدم مني أحد الرجال، وقال لي: هل يمكنني أن أتحدث معك؟ ومن باب الأدب لم أمانع، وخرجنا من قاعة المنتدى وجلسنا في قاعة الاستراحة.
قال: أنا رجل أعمال، لدي عدة شركات، وأعتقد أني رجل أعمال ناجح، ولكن أجد أن هناك الكثير من الفجوات في أرجاء الشركات، هنا وهناك، ولا أعرف ماذا أفعل؟ ولكن وجدت من تلك الورقة التي تحدثت فيها عن الحوكمة والعمل المؤسسي جزءا مهما يمكن أن يردم بعضا من تلك الفجوات، فما رأيك أن تزورني في المؤسسة غدًا، حتى ترى بنفسك بعض الأمور.
قمنا بترتيب موضوع الإقامة فيما بعد الملتقى، وقمت بزيارة المؤسسة وفروعها في عدة أماكن، وجلست هناك حوالي أسبوع أدرس ما يمكن دراسته، وفي نهاية الأسبوع رفعت إليه تقريراً عن عدد من النواقص في أروقة العمل المؤسسي وكذلك الإداري والأنظمة واللوائح الداخلية، وما إلى ذلك.
انتهت مهمتي وغادرت، وبعد حوالي أسبوع اتصل بي، وطلب مني العودة، استوضحت عن السبب وقال: عندما تحضر ستفهم كل شيء.
عدت، فوجدت أمامي مهمة شاقة، هي أن أقوم بتدريب فريق عمل مكون من مجموعة من الموظفين لعمل منهجية متكاملة بين الحوكمة والعمل الإداري المؤسسي في مؤسسة هذا الرجل. مبدئيًا لم أمانع، ولكني طلبت مهلة لعمل برنامج تدريبي منسق، فليس من المعقول تقديم مثل هذا البرنامج بصورة عشوائية أو ترقيعية. وافق، ولكنه طلب مني عدم المغادرة، وأعطاني فرصة مدة شهر، فشمرت عن ساعدي، فهذا تحد جديد، وأنا أحب التحديات.
والآن دعوني ألخص لكم ما تم تقديمه..
لا يزال مفهوم الحوكمة المؤسسية يفتقر إلى تعريف موحد متفق عليه في الأدبيات العلمية؛ فبينما يركز تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على البنية التي توزع من خلالها الحقوق والمسؤوليات بين مختلف المعنيين بالمؤسسة من مجلس إدارة ومديرين ومساهمين وأصحاب مصلحة، إلا أنها في الحقيقة المنظومة التي تُدار بها المؤسسة وتُوجَّه، مُسلّطًا الضوء على آليات الرقابة الداخلية والخارجية. وعلى الصعيد العملي، تتجلى الحوكمة في المبادئ الخمسة الكبرى: الشفافية والمساءلة والعدالة والمسؤولية والاستقلالية، وهي مبادئ تتقاطع تقاطعًا عضويًا مع المتطلبات الجوهرية للعمل الإداري الرشيد.
وتتعدد أبعاد الحوكمة المؤسسية وتتشابك لتشمل: البُعد الهيكلي المتعلق بتصميم مجالس الإدارة ولجانها، والبُعد التشريعي المنظّم للأطر القانونية والتنظيمية، والبُعد الأخلاقي الذي يرسّخ منظومة القيم والسلوك المؤسسي، فضلاً عن البُعد الرقابي الذي يضمن سلامة المعلومات ودقتها وشفافيتها أمام جميع أصحاب المصلحة. ويتفاعل هذا النسيج البُعدي مع العمل الإداري تفاعلاً ديناميكيًا يُفرز ثقافة مؤسسية قائمة على الانضباط والمبادرة والمساءلة في آنٍ معًا.
وتكشف الأبحاث التجريبية أن المؤسسات التي تُرسّخ ممارسات الحوكمة الرشيدة تتمتع بمستويات أعلى من الثقة المؤسسية لدى المستثمرين والجمهور، وتُحقق نتائج مالية أفضل على المدى البعيد، وتمتلك قدرةً أكبر على إدارة المخاطر والاستجابة للأزمات. وهذه الشواهد التجريبية تُرسّخ القناعة بأن الحوكمة ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية لا تقبل التأجيل.
وفي المقابل فقد قطع الفكر الإداري شوطًا طويلاً منذ أن أرسى (تايلور) قواعد الإدارة العلمية في مطلع القرن العشرين، مرورًا بمدرسة العلاقات الإنسانية التي نبّهت إلى الأبعاد الإنسانية والنفسية في بيئة العمل، وصولاً إلى النظريات الموقفية والمنهجية التي وجّهت الإدارة نحو التكيّف مع تعقيد البيئة الخارجية. ومع مطلع الألفية الثالثة، اتجه الفكر الإداري الحديث نحو تبنّي مفاهيم القيادة التحويلية، والإدارة بالقيم، والمؤسسات المتعلمة، والفكر الاستراتيجي القائم على الكفاءات والموارد.
فتتجسّد وظائف العمل الإداري في أبعادها الأربعة الكلاسيكية: التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة، إلا أن هذه الوظائف تتخذ في البيئة المعاصرة طابعًا تكامليًا متشابكًا بعيدًا عن التسلسل الخطي التقليدي. فالتخطيط الاستراتيجي اليوم لا يُصاغ في معزل عن متطلبات الحوكمة والتنمية المستدامة، والتنظيم الهيكلي لا ينفصل عن اشتراطات المساءلة والشفافية، والقيادة الفعّالة تستلزم تجذير ثقافة الحوكمة في نسيج المؤسسة، فيما تُمثّل الرقابة المؤسسية الجسرَ الطبيعي الرابط بين الإدارة التنفيذية ومتطلبات الحوكمة الرقابية.
الحوكمة كمنظومة
تحكم العمل الإداري
في هذا السياق تبرز الحوكمة المؤسسية بوصفها مرساةً تُثبّت المؤسسة وتُوفّر لها الحوامل الأخلاقية والهيكلية اللازمة للإبحار في بحار التغيير والتكيّف مع تقلباتها من دون أن تفقد هويتها أو تُهدر مواردها. بيد أن تحقيق هذا التوازن الدقيق بين متطلبات الحوكمة ومرونة العمل الإداري يبقى تحديًا إداريًا حقيقيًا.
لذلك فإن الحوكمة المؤسسية توفر للعمل الإداري إطارًا مرجعيًا من القيم والمعايير والآليات التي تُحدد حدود السلطة وتُوزّع المسؤوليات وتُرسي ضمانات المساءلة. ويتجلى هذا التكامل على الصعيد العملي في مستويات متعددة: على مستوى مجلس الإدارة، تُشكّل الحوكمة الضوابط الكفيلة بتوافق قرارات الإدارة التنفيذية مع مصالح المساهمين وأصحاب المصلحة على اختلافهم؛ وعلى المستوى التنفيذي، تُقدّم الحوكمة الدليل المرجعي للاختيار بين البدائل الاستراتيجية المتاحة؛ وعلى المستوى التشغيلي، تُترجَم مبادئ الحوكمة إلى سياسات وإجراءات وضوابط رقابة داخلية تحكم الأنشطة اليومية.
وقد رصدت الأبحاث الحديثة تأثيرًا إيجابيًا دالاً إحصائيًا لجودة الحوكمة على فاعلية العمل الإداري، إذ تُرتبط درجة تطبيق مبادئ الحوكمة ارتباطًا طرديًا بمؤشرات الأداء المؤسسي من جودة القرارات الاستراتيجية وكفاءة توزيع الموارد إلى مستوى الرضا الوظيفي وانخفاض معدلات الفساد المؤسسي.
وفي المقابل، لا تقتصر العلاقة بين الحوكمة والعمل الإداري على الاتجاه الواحد، بل هي علاقة تكاملية ثنائية الاتجاه؛ فالعمل الإداري الفعّال هو الذي يُحوّل مبادئ الحوكمة من نصوص ووثائق إلى ممارسات حية ومُجسّدة في الواقع. فعبر وظيفة التخطيط، تُدمج الإدارة متطلبات الحوكمة في صلب الاستراتيجية المؤسسية لا في هامشها؛ وعبر وظيفة التنظيم، تُصمّم هياكل وآليات تكفل فصل السلطات ومنع تعارض المصالح؛ وعبر وظيفة القيادة، تُرسّخ ثقافة الشفافية والنزاهة في شخصية المؤسسة؛ وعبر وظيفة الرقابة، تُوفّر معلومات موثوقة تُمكّن مجلس الإدارة وسائر الجهات الرقابية من أداء دورها على الوجه الأمثل.
وتبرز في هذا السياق أهمية التواصل بين طبقات الهرم الإداري لضمان أن مبادئ الحوكمة لا تبقى حكرًا على مستوى القمة الاستراتيجية، بل تتسرّب إلى صلب الثقافة التنظيمية وتُصبح جزءًا من الهوية المؤسسية المُعاشة على مختلف المستويات.
وهذه التكاملية تمثل تفاعلاً ديناميكيًا يربط بين مستويات اتخاذ القرار الاستراتيجي والتنفيذ الإداري اليومي.
وانتهت الدورة وتشكل فريق العمل بسلام ووضعنا الدليل التطبيقي ومنهجية التنفيذ، وبدأ العمل، وعندما شعرت أن الأمور تسير وفق منهجية علمية جيدة غادرت، وبعد حوالي سنة تلقيت مكالمة من رجل الأعمال، لدعوتي لمراجعة التقرير السنوي، وفي الحقيقة كانت النتيجة مذهلة، ففريق العمل كان رائعًا، لذلك فإن العمل أنجز بأفضل مما كنت متوقعا.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك