العدد : ١٧٦٢٧ - السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٧ - السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حياة الناس العادية وكتابة التاريخ

بقلم: سعدية مفرح

السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

أحداثٌ‭ ‬تاريخية‭ ‬كبرى‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يؤرّخ‭ ‬لها‭. ‬للحروب‭ ‬مؤرّخوها،‭ ‬وللانقلابات‭ ‬شهودها،‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬تحفظها‭ ‬الوثائق،‭ ‬والملوك‭ ‬والرؤساء‭ ‬تلاحقهم‭ ‬السير‭ ‬الذاتية‭ ‬والكتب‭ ‬والأفلام‭. ‬أما‭ ‬الأيام‭ ‬العادية‭ ‬التي‭ ‬نعبرها‭ ‬كل‭ ‬صباح،‭ ‬وتتشكّل‭ ‬منها‭ ‬حياتنا‭ ‬كلها‭ ‬تقريباً،‭ ‬فمن‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬تاريخها؟

يلحّ‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬عليّ‭ ‬كلما‭ ‬وقعت‭ ‬عيناي‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬قديمة،‭ ‬أو‭ ‬رسالة‭ ‬منسية،‭ ‬أو‭ ‬دفتر‭ ‬ملاحظات‭ ‬امتلأت‭ ‬صفحاته‭ ‬بتفاصيل‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬عابرة‭ ‬حين‭ ‬كُتبت‭. ‬أكتشف‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬ظننته‭ ‬هامشاً‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬المتن‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬مرّ‭ ‬أمامنا‭ ‬كخبر‭ ‬صغير‭ ‬أو‭ ‬عادة‭ ‬يومية‭ ‬أو‭ ‬لقاء‭ ‬عابر‭ ‬كان‭ ‬يصنع‭ ‬بهدوء‭ ‬ملامح‭ ‬مرحلة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬أعمارنا‭.‬

التاريخ،‭ ‬كما‭ ‬نعرفه،‭ ‬مولع‭ ‬بالاستثناء‭. ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تغيّر‭ ‬المسار،‭ ‬وعن‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬يبدّل‭ ‬الخرائط،‭ ‬وعن‭ ‬الحدث‭ ‬الذي‭ ‬يلفت‭ ‬الأنظار‭. ‬أما‭ ‬الحياة‭ ‬فتجري‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭. ‬تجري‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتصدّر‭ ‬العناوين،‭ ‬وفي‭ ‬الساعات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يذكرها‭ ‬أحد،‭ ‬وفي‭ ‬الأعمال‭ ‬المتكرّرة‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الأيام‭ ‬شكلها‭ ‬ومعناها‭.‬

كم‭ ‬من‭ ‬إنسان‭ ‬أمضى‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬تعليم‭ ‬الأجيال‭ ‬ولم‭ ‬يرد‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬تاريخ‭. ‬وكم‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬حفظت‭ ‬تماسك‭ ‬عائلة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أفعال‭ ‬صغيرة‭ ‬متراكمة‭ ‬لم‭ ‬يصفق‭ ‬لها‭ ‬أحد‭. ‬وكم‭ ‬من‭ ‬معلّم،‭ ‬وممرّض،‭ ‬وموظف،‭ ‬وسائق،‭ ‬وبائع،‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬فعل‭ ‬أصحاب‭ ‬المناصب‭ ‬اللامعة‭. ‬هؤلاء‭ ‬جميعاً‭ ‬يمرّون‭ ‬غالباً‭ ‬خارج‭ ‬عدسة‭ ‬المؤرّخ،‭ ‬مع‭ ‬أنهم‭ ‬يشكلون‭ ‬النسيج‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأي‭ ‬مجتمع‭.‬

وحين‭ ‬نقرأ‭ ‬مذكّرات‭ ‬شخصية‭ ‬صادقة،‭ ‬أو‭ ‬رسائل‭ ‬قديمة‭ ‬بين‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬أو‭ ‬يوميات‭ ‬كتبها‭ ‬أصحابها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬نية‭ ‬للنشر،‭ ‬نشعر‭ ‬بأننا‭ ‬اقتربنا‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬المرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نفعل‭ ‬أحياناً‭ ‬مع‭ ‬الكتب‭ ‬السياسية‭ ‬الضخمة،‭ ‬فالتاريخ‭ ‬الكبير‭ ‬يُخبرنا‭ ‬ماذا‭ ‬حدث،‭ ‬أما‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬فتخبرنا‭ ‬كيف‭ ‬عاش‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬حدث‭.‬

لهذا‭ ‬أحب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الأرشيفات‮»‬‭ ‬الشخصية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أحبّ‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬الرسمية‭. ‬صورة‭ ‬تجمع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬أمام‭ ‬مدرسة‭ ‬قديمة‭ ‬قد‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬مجتمع‭ ‬كامل‭. ‬تعليق‭ ‬عابر‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬قديمة‭ ‬قد‭ ‬يضيء‭ ‬جانباً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬أو‭ ‬ثقافياً‭ ‬لا‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬المطولة‭. ‬حتى‭ ‬قوائم‭ ‬المشتريات‭ ‬المنزلية‭ ‬القديمة‭ ‬تحمل‭ ‬أحياناً‭ ‬إشاراتٍ‭ ‬دقيقة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

ولعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬العادية‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تدرك‭ ‬أهميتها‭ ‬أثناء‭ ‬وقوعها‭. ‬نحن‭ ‬نعيشها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مجرّد‭ ‬أيام‭ ‬أخرى،‭ ‬ثم‭ ‬تبتعد‭ ‬فجأة،‭ ‬فنكتشف‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬العمر‭ ‬نفسه‭. ‬لا‭ ‬نتذكر‭ ‬دائماً‭ ‬المناسبات‭ ‬الكبرى‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نتذكّر‭ ‬الطريق‭ ‬إليها،‭ ‬والوجوه‭ ‬التي‭ ‬رافقتنا‭ ‬خلالها،‭ ‬والكلمات‭ ‬التي‭ ‬قيلت‭ ‬على‭ ‬عجل،‭ ‬والضحكات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تخطّط‭ ‬لشيء‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صادقة‭.‬

وأظن‭ ‬أن‭ ‬الثقافة،‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أدوارها‭ ‬العميقة،‭ ‬تحاول‭ ‬إنقاذ‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬من‭ ‬النسيان‭. ‬الرواية‭ ‬تفعل‭ ‬هذا،‭ ‬والشعر‭ ‬أيضا،‭ ‬والسينما‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬وفية‭ ‬للحياة‭. ‬وحتى‭ ‬المقالة‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭ ‬صغيرة‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬وثيقة‭ ‬غير‭ ‬مقصودة‭ ‬عن‭ ‬مرحلة‭ ‬كاملة؛‭ ‬فالأدب،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬ليس‭ ‬سجلاً‭ ‬للوقائع‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬محاولة‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بما‭ ‬يتسرّب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أصابع‭ ‬الذاكرة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبدو‭ ‬الكتابة‭ ‬فعلاً‭ ‬يتجاوز‭ ‬التعبير‭ ‬الشخصي‭. ‬إنها‭ ‬مقاومة‭ ‬هادئة‭ ‬للنسيان‭. ‬حين‭ ‬يكتب‭ ‬أحدُهم‭ ‬عن‭ ‬شارع‭ ‬قديم،‭ ‬أو‭ ‬مقهى‭ ‬اختفى،‭ ‬أو‭ ‬عادة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تبدلت،‭ ‬فإنه‭ ‬يحفظ‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬لن‭ ‬تهتم‭ ‬به‭ ‬السجلات‭ ‬الرسمية‭. ‬وحين‭ ‬تسجل‭ ‬امرأة‭ ‬مشاعرها‭ ‬تجاه‭ ‬بيت‭ ‬تركته،‭ ‬أو‭ ‬مدينة‭ ‬غادرتها،‭ ‬أو‭ ‬صديقة‭ ‬فقدتها،‭ ‬فإنها‭ ‬تمنح‭ ‬المستقبل‭ ‬فرصة‭ ‬لرؤية‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تراه‭ ‬الإحصاءات‭ ‬والأرقام‭.‬

ربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬أشعر‭ ‬أحياناً‭ ‬بأن‭ ‬مسؤولية‭ ‬الكاتب‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬ملاحقة‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبيرة‭. ‬ثمّة‭ ‬حياة‭ ‬كاملة‭ ‬تتحرّك‭ ‬خارج‭ ‬المنصات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتستحق‭ ‬من‭ ‬يصغي‭ ‬إليها‭. ‬ثمّة‭ ‬تاريخ‭ ‬يومي‭ ‬يكتب‭ ‬نفسه‭ ‬بصمت‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬والجامعات‭ ‬والمكاتب‭ ‬والشوارع‭ ‬والأسواق‭. ‬تاريخ‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬القرارات‭ ‬المصيرية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬تصنعه‭ ‬أيضاً‭ ‬تفاصيل‭ ‬البشر‭ ‬وهم‭ ‬يحاولون‭ ‬العيش،‭ ‬والعمل،‭ ‬والحب،‭ ‬والنجاة،‭ ‬وحفظ‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬كرامتهم‭ ‬وأحلامهم‭.‬

ومن‭ ‬يدري؟‭ ‬ربما‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬يفتش‭ ‬فيه‭ ‬أحدهم‭ ‬عن‭ ‬ملامح‭ ‬عصرنا،‭ ‬فلا‭ ‬يجدها‭ ‬في‭ ‬الخطب‭ ‬الرسمية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬قصيرة،‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬عائلية،‭ ‬أو‭ ‬مقال‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬يوم‭ ‬طويل‭. ‬عندها‭ ‬سيكتشف‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬الأيام‭ ‬العادية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عادياً‭ ‬أبداً،‭ ‬وأن‭ ‬العمر‭ ‬كله‭ ‬كان‭ ‬مختبئاً‭ ‬هناك،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬عبرناها‭ ‬ونحن‭ ‬نظن‭ ‬أنها‭ ‬ستبقى‭ ‬عابرة‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

{‭ ‬شاعرة‭ ‬وكاتبة‭ ‬كويتية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا