في عام 1971، انعقدت بطولة تنس الطاولة -البنج بونج- في اليابان. وفى أحد أيام المسابقة، استيقظ بطل اللعبة الأمريكي «جلين كوين» متأخرا ووجد أن الحافلة التي تقل فريقه قد غادرت، فانطلق مسرعًا ليقفز بحافلة لم تكن قد انطلقت بعد، فإذا بها التي تقل الوفد الصيني. وقتها كانت العلاقات مقطوعة تمامًا بين الصين وأمريكا ومحظور على مواطني كلا الدولتين دخول الأخرى.
وبعد دقائق من انطلاق الحافلة، حيا بطل الفريق الصيني «زوانج زيدونج» اللاعب الأمريكي فرد التحية. فما كان من الفريق الصيني إلا أن أهدى «كوين» لوحة من الحرير. والتقطت كاميرات العالم صورا للبطلين الأمريكي والصيني يتصافحان.
عندئذ دعا الرئيس الصيني الفريق الأمريكي كله لزيارة الصين في طريق العودة لبلادهم، فكانوا أول من يزور الصين من الأمريكيين منذ عقود طويلة. وقد جابوا الصين والتقوا بقطاعات مختلفة من الناس. وسجلت كاميرات الصحفيين كل دقيقة.
وقد عرفت تلك الواقعة «بدبلوماسية البنج بونج» لأنها أحدثت تحولا سياسيا راديكاليا وصل ذروته بزيارة نيكسون للصين وإقامة علاقات رسمية بين البلدين، وقيل ان هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الشهير استغل تلك الواقعة لتحقيق التقارب مع الصين ومحاولة إحداث شرخ في المعسكر الاشتراكي واضعاف الاتحاد السوفيتي آنذاك في خضم صراع القطبين خلال الحرب الباردة. وهنا نجد أن الرياضة خلقت أواصر إنسانية غيرت مسار السياسة.
ما أبعد تلك المشاهد عما تفعله أمريكا اليوم بكأس العالم. فالدولة المضيفة عادة ما تعتبر تنظيم البطولة على أرضها فرصة ذهبية. فوجود الفرق الرياضية ومشجعيها فضلا عن ملايين المشاهدين أمام الشاشات حول العالم يضمن تغطية إعلامية مكثفة، تستغله الدولة المضيفة لتقدم شعبها وثقافتها وتاريخها في أبهى صورة.
لكن ترامب فعل العكس تماما. فبدلا من السعي لغسيل سمعة أمريكا، التي هي في الحضيض في الوقت الراهن، بدا عازما على تصدير أسوأ ما في الثقافة والتاريخ الأمريكيين. فسلوك الولايات المتحدة في التعامل مع البطولة سلوك امبراطورية جريحة تتصرف من احساس بأنها في طريقها للانهيار، فراحت تنفث كراهيتها لتنتقم من عالم ضاق ذرعا بنزقها.
فنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قبل أشهر استخدم طرفة غير مناسبة حين قال إن أمريكا سترحب بالعالم عشية المباريات لكن سيكون عليه التعامل مع «بام بوندي»، وزيرة الأمن الداخلي الأمريكي وقتها، لو خالف شروط التأشيرة!
والحقيقة أن الفرق الرياضية وعشاق كرة القدم الذين كانوا يفكرون في حضور المباريات لم يكونوا في حاجة لأن يذكرهم فانس بمشاهد قوات دائرة الهجرة الامريكية التي تجوب عناصرها شوارع المدن بالسلاح تلاحق الناس، ولم ينسوا فتح السجون الأمريكية، «للمشتبه» فيهم من دون دليل، ناهيك عن قتل اثنين من الأمريكيين.
إن الحصول على التأشيرة تحول إلى صداع مزمن لكل الراغبين في المشاركة في الحدث. فالعنصرية قفزت من عمق التاريخ وواقع إدارة ترامب لتتصدر المشهد.
فعلى سبيل المثال، جنوب إفريقيا، التي اتهمها ترامب «بإبادة البيض» اضطر فريقها إلى تأجيل سفره إلى الولايات المتحدة لأن السفارة الأمريكية كانت تماطل في إصدار تأشيرة عشرين شخصا على الأقل في البعثة.
ثم اضطر الفريق الى السفر بينما طبيب الفريق ومساعد المدرب ظلا ينتظران رد السفارة. والحَكَم الحاصل على لقب «الأفضل في إفريقيا» تم ترحيله.
فهو صومالي الجنسية بينما الرئيس الأمريكي ترامب يكره نائبة الكونجرس إلهان عمر ذات الأصول الصومالية ووصف الصومال أكثر من مرة «بالقمامة». ومنتخب السنغال تعرض لتفتيش ذاتي بطريقة مهينة للغاية في المطار بينما لم يحصل مشجعوه على التأشيرة أصلا.
لقد تخطى صداع التأشيرة حدود العنصرية. فبدون إبداء أسباب، تم إلغاء تأشيرة عشرات المشجعين الإسكتلنديين وجرت إهانة فريق أوزبكستان. باختصار، لم أجد ما يشبه سلوك أمريكا تجاه أكبر مسابقة لكرة القدم في العالم بل سلوكها عموما سوى صورة فيل غاضب يدهس كل ما في طريقه انتقامًا لإمبراطوريته الجريحة!
{ باحثة مختصة في الشؤون الأمريكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك