العدد : ١٧٦٢٥ - الخميس ٢٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٥ - الخميس ٢٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الخسائر الإسرائيلية في ضوء الاتفاق الأمريكي – الإيراني

بقلم: عبد المجيد سويلم

الخميس ٢٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

الخسارات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬الخسارات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭. ‬الأولى‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الثانية،‭ ‬لكن‭ ‬الثانية‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬السياسية،‭ ‬وفي‭ ‬واقع‭ ‬الأزمة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وفي‭ ‬التغيرات‭ ‬المرتقبة‭ ‬حزبياً‭ ‬وسياسياً،‭ ‬وربما‭ ‬اجتماعياً‭ ‬أيضاً،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬الحدث‭ ‬الانتخابي‭ ‬القادم‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الخسارات‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬للأولى،‭ ‬لكن‭ ‬تأثيرات‭ ‬الثانية‭ ‬ستكون‭ ‬لها‭ ‬أبعاد‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬خسارات‭ ‬الحرب‭ ‬الكبرى‭. ‬الخسارات‭ ‬الكبرى‭ ‬للحرب‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بأسئلة‭ ‬المكانة‭ ‬والدور،‭ ‬وبقضايا‭ ‬القدرة‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬الجيواستراتيجي،‭ ‬حاضراً‭ ‬ومستقبلاً،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬خسارات‭ ‬الاتفاق‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬آخر،‭ ‬وهو‭ ‬سياق‭ ‬يتعلق‭ ‬بهوامش‭ ‬المناورة‭ ‬وحدود‭ ‬وقيود‭ ‬اللحظة‭ ‬السياسية،‭ ‬ومكبلات‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يحد‭ ‬أو‭ ‬يشل‭ ‬القدرة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬المشاكسة‭ ‬أو‭ ‬الإفشال‭ ‬والتخريب،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬خلط‭ ‬الأوراق،‭ ‬وعلى‭ ‬مناورات‭ ‬التوريط‭ ‬وإعادة‭ ‬التوريط‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬المباشرة‭ ‬لهذا‭ ‬الاتفاق،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬أن‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الابتزاز‭ ‬المباشر‭ ‬للرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاختناق،‭ ‬وإلى‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يغامر‭ ‬فيها‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يسارع‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الأوراق‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬بيد‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬وجاهزة‭ ‬للاستخدام‭.‬

والحقيقة‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬خسارات‭ ‬الاتفاق‭ ‬ستؤدي‭ ‬دورها‭ ‬لتأكيد‭ ‬خسارات‭ ‬الحرب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬جدلية‭ ‬هذا‭ ‬التأثر‭ ‬والتأثير‭ ‬ستبقى،‭ ‬إلى‭ ‬حين،‭ ‬مرهونةً‭ ‬بتطورات‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬جزء‭ ‬جوهري‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬طيّ‭ ‬المستور‭.‬

خسرت‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تظن‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬أرسته‭ ‬وحققته‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬العقود‭ ‬السبعة‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسها،‭ ‬فقد‭ ‬خسرت،‭ ‬وإلى‭ ‬الأبد،‭ ‬ودون‭ ‬أي‭ ‬أمل‭ ‬بأي‭ ‬نوع‭ ‬أو‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬استعادة‭ ‬روايتها‭ ‬حول‭ ‬مشروعية‭ ‬التوسع‭ ‬والعدوان،‭ ‬وحول‭ ‬أحقية‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬وشرعية‭ ‬هذه‭ ‬العدوانية،‭ ‬تحت‭ ‬ذرائع‭ ‬وحجج‭ ‬ومبررات‭ ‬كانت‭ ‬تتلطى‭ ‬خلفها،‭ ‬وانكشف‭ ‬زيف‭ ‬هذه‭ ‬الرواية،‭ ‬وافتُضحت‭ ‬فصولها،‭ ‬وتعرى‭ ‬كل‭ ‬مضمونها،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وضعت‭ ‬كل‭ ‬أوراقها‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬الإبادة‭ ‬والإجرام‭.‬

وبعدها‭ ‬حولت‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬لعبة‭ ‬دموية‭ ‬انتقامية‭ ‬متوحشة،‭ ‬دمجت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الأساطير‭ ‬والخرافات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬بالعنصرية‭ ‬السياسية‭ ‬السافرة،‭ ‬وحولت‭ ‬كل‭ ‬ممارسة‭ ‬سياسية‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬وسلوك‭ ‬إجراميَّين‭ ‬فاقدين‭ ‬بوعي‭ ‬وعن‭ ‬سابق‭ ‬إصرار،‭ ‬ومتحرّرَين‭ ‬عن‭ ‬قصدية‭ ‬تامة‭ ‬من‭ ‬السلوك‭ ‬والأخلاق‭ ‬الإنسانية‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬خسارة‭ ‬اتفاق،‭ ‬هذه‭ ‬خسارة‭ ‬حرب،‭ ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬خسارة‭ ‬حرب‭ ‬نشبت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬خسارة‭ ‬تراكمت‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وخسرت‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬لدولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬من‭ ‬درع‭ ‬سياسية‭ ‬واقية‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬شعبي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله،‭ ‬وخسرت‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬وإلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة،‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي،‭ ‬وأصبحت‭ ‬هذه‭ ‬المعركة‭ ‬أو‭ ‬الحرب‭ ‬إن‭ ‬شئتم‭ ‬خلفه،‭ ‬وبدأت‭ ‬تخسر،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الإجرام‭ ‬الذي‭ ‬مارسته‭ ‬بحق‭ ‬شعبنا‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وشعوب‭ ‬المنطقة،‭ ‬وبحق‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬حاول‭ ‬رفع‭ ‬رأسه‭ ‬للوقوف‭ ‬في‭ ‬وجهها‭.‬

أيضا‭ ‬ولأسباب‭ ‬تتعلق‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬المصالح‭ ‬والأزمات‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وباعتبارات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والقيم‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬خسرت‭ ‬أو‭ ‬بدأت‭ ‬تخسر‭ ‬كل‭ ‬مؤسسات‭ ‬ومنظمات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬الغربية‭ ‬نفسها،‭ ‬وهي‭ ‬البلدان‭ ‬المؤسسة‭ ‬للدولة‭ ‬الصهيونية،‭ ‬والتي‭ ‬دعمت‭ ‬وساندت‭ ‬كل‭ ‬توسعيتها‭ ‬وعدوانيتها‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬عقود‭ ‬كاملة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬انحصر‭ ‬الآن‭ ‬الدعم‭ ‬والمساندة‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬يمينية‭ ‬وعنصرية‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬البلدان،‭ ‬ولتبقى‭ ‬أمريكا‭ ‬هي‭ ‬حامية‭ ‬وراعية‭ ‬سياسة‭ ‬هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الإبادة‭ ‬والإجرام‭ ‬والتوحش،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصلنا‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬اقتصار‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬السافر‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬حزب،‭ ‬وهو‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري،‭ ‬وإلى‭ ‬ربع‭ ‬هذا‭ ‬النصف،‭ ‬وهو‭ ‬الجناح‭ ‬الترامبي‭ ‬منه‭.‬

وقد‭ ‬نكون‭ ‬أمام‭ ‬اهتزاز‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الدعم‭ ‬المطلق‭ ‬وغير‭ ‬المشروط‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الترامبية‭ ‬نفسها‭.‬

لقد‭ ‬خسرت‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬أو‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬خسرت،‭ ‬قوة‭ ‬ردعها‭ ‬وسطوة‭ ‬جيشها‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬هذا‭ ‬الردع‭ ‬وصورة‭ ‬هذا‭ ‬الجيش،‭ ‬ثم‭ ‬عادت‭ ‬لتخسرهما‭ ‬معاً‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الحافة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬عُرفت‭ ‬بحرب‭ ‬الإسناد،‭ ‬ثم‭ ‬عادت‭ ‬لتخسر‭ ‬الحرب‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬مرة‭ ‬أخرى؛‭ ‬لأنها‭ ‬تفشل،‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭ ‬ونصف‭ ‬الشهر،‭ ‬ومن‭ ‬استخدام‭ ‬خمس‭ ‬أو‭ ‬ست‭ ‬فرق‭ ‬عسكرية،‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬أي‭ ‬وقائع‭ ‬عسكرية‭ ‬قابلة‭ ‬للديمومة‭ ‬أو‭ ‬الاستقرار،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الثمن‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬النتيجة‭ ‬أو‭ ‬المردود‭ ‬السياسي‭ ‬والميداني‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

والمصيبة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬حولت‭ ‬مسألة‭ ‬الردع‭ ‬والقوة‭ ‬ونزعة‭ ‬الهيمنة‭  ‬للدولة‭ ‬الصهيونية‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬المردوعة،‭ ‬وإلى‭ ‬الدولة‭ ‬المذعورة‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬والتحدي‭ ‬الإيراني،‭ ‬وتحولت‭ ‬القوة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المهيمنة‭ ‬ومطلقة‭ ‬التفوق‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬مشاغبة‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬وتحاول‭ ‬عرقلة‭ ‬مساعي‭ ‬وقف‭ ‬اطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ولبنان،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬القوة‭  ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬قرار‭ ‬الحرب،‭ ‬وفقدت‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة،‭ ‬وتحولت،‭ ‬كما‭ ‬أثبتت‭ ‬الوقائع،‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬الشريك‭ ‬المبادر‭ ‬ورأس‭ ‬الحرب‭ ‬وطليعة‭ ‬حرب‭ ‬الهجوم‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬الخدمات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬يقتصر‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬التنفيذ‭ ‬الميداني،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬العامة‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب،‭ ‬والانضباط‭ ‬لقواعد‭ ‬الإيقاع‭ ‬السياسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬لها‭.‬

ويكمن‭ ‬جوهر‭ ‬المصيبة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬التمرد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإيقاع‭ ‬أصبح‭ ‬مكلفاً‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬المقامرة،‭ ‬وأصبح،‭ ‬بكل‭ ‬المعايير،‭ ‬مغامرة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الحزبية،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬المجتمع‭ ‬السياسي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ويرقى‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التهديد‭ ‬القومي‭ ‬الشامل،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انكشفت‭ ‬حدود‭ ‬القوة‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

باختصار،‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬حجمت‭ ‬الدور‭ ‬الإقليمي‭ ‬لدولة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وأعادت‭ ‬موضعة‭ ‬المكانة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬الخارطة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬للإقليم،‭ ‬بما‭ ‬يوازي‭ ‬مكانة‭ ‬الدولة‭ ‬الخاصة،‭ ‬والحليفة‭ ‬لأمريكا،‭ ‬والشريكة‭ ‬التنفيذية‭ ‬الفريدة،‭ ‬ولكن‭ ‬ليست‭ ‬المهيمنة،‭ ‬وليست‭ ‬مطلقة‭ ‬اليدين،‭ ‬وليست‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬حرية‭ ‬التصرف‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الأوراق‭ ‬التي‭ ‬تملكها‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ورغم‭ ‬قوة‭ ‬أوراق‭ ‬التأثير‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬في‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬وعلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التشريعية‭ ‬نفسها‭.‬

خسارات‭ ‬الحرب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وأكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات،‭ ‬وعلى‭ ‬مختلف‭ ‬الأصعدة‭ ‬والمستويات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية،‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬هي‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬موضعة‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬الإقليم‭ ‬بصورة‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬عن‭ ‬تصورات‭ ‬وخطط‭ ‬ومخططات‭ ‬هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬وأهدافها‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

وكما‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬قادة‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬مؤخراً‭: ‬‮«‬كان‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬لنا‭ ‬لو‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نخض‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬نتائجها‮»‬‭.‬

بعد‭ ‬إعلان‭ ‬بنود‭ ‬الاتفاق،‭ ‬نستطيع‭ ‬بكل‭ ‬هدوء‭ ‬أن‭ ‬نستنتج،‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬شعور‭ ‬بالمبالغة،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬يؤكد‭ ‬صحة‭ ‬خسارات‭ ‬الحرب،‭ ‬ودقة‭ ‬الاستنتاج‭ ‬القائم‭ ‬بإعادة‭ ‬موضعة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬الإقليم،‭ ‬إذ‭ ‬تخلو‭ ‬البنود‭ ‬الأربعة‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬إشارة،‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬بعيد،‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مراعاة‭ ‬أو‭ ‬إعطاء‭ ‬أي‭ ‬ميزة‭ ‬أو‭ ‬مكافأة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬رشوة‭ ‬للائتلاف‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬تل‭ ‬أبيب،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬مكاسب‭ ‬أمريكية‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬البنود‭ ‬باستثناء‭ ‬مكاسب‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المأزق،‭ ‬وطمأنة‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتهدئة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬المأزوم‭ ‬والمقسوم‭ ‬والغاضب،‭ ‬وإعطاء‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬فرصة‭ ‬التفرغ‭ ‬لترميم‭ ‬أوضاعه‭ ‬المنهارة‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬النصفية‭ ‬لمجلسَي‭ ‬الكونجرس‭.‬

الخسارة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬شاملة‭ ‬وكاملة،‭ ‬عامة‭ ‬وطامة،‭ ‬وقد‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬افتراع‭ ‬ومفارقة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نتنياهو‭ ‬يتصورها‭ ‬مطلقاً،‭ ‬وهي‭ ‬مفارقة‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬أصبح‭ ‬مجبراً‭ ‬على‭ ‬إيقاف‭ ‬الحرب،‭ ‬وربما‭ ‬على‭ ‬إنهائها،‭ ‬وبينما‭ ‬هو‭ ‬مضطر‭ ‬لإبقائها‭ ‬مشتعلة؛‭ ‬لأنه‭ ‬سيخسر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إن‭ ‬توقفت‭ ‬وانتهت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬الفارقة‭.‬

‭ ‬أخطأ‭ ‬نتنياهو‭ ‬الحسابات‭ ‬بالجملة،‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬أحسن‭ ‬تلك‭ ‬الحسابات‭ ‬بالمفرق،‭ ‬وتاجر‭ ‬الجملة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ ‬أمريكا‭ ‬وترامب،‭ ‬وليست‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬ولا‭ ‬نتنياهو؛‭ ‬لأنها‭ ‬ولأنه‭ ‬عرف‭ ‬متى‭ ‬وكيف‭ ‬يهرب‭ ‬منها‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومحلل‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا