العدد : ١٧٦٢٥ - الخميس ٢٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٥ - الخميس ٢٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

بطولة كأس العالم ومظاهر العولمة

بقلم: د. وليد عبد الحي

الخميس ٢٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تقوم‭ ‬العولمة،‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أبعادها،‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الإحلال‮»‬‭ ‬التي‭ ‬عبَّر‭ ‬عنها‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الفرنسي‭ ‬إميل‭ ‬دوركهايم‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬ويتمثل‭ ‬الإحلال‭ ‬في‭ ‬زحزحة‭ ‬الروابط‭ ‬الآلية‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬وشرائح‭ ‬المجتمعات‭ (‬Mechanical‭ ‬Solidarity‭)‬،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬الروابط‭ ‬العرقية‭ ‬والدينية‭ ‬واللغوية‭... ‬إلخ،‭ ‬واستبدالها‭ ‬بروابط‭ ‬عضوية‭ (‬Organic‭ ‬Solidarity‭) ‬تتضح‭ ‬في‭ ‬الروابط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتقنية‭ ‬والبيئية‭... ‬إلخ،‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬الويستفالية‭ ‬أي‭ ‬كما‭ ‬حددتها‭ ‬معاهدة‭ ‬ويستفاليا‭ ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الرياضة‭ ‬بدأت‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬العولمة‭ ‬بخيوط‭ ‬‮«‬الروابط‭ ‬الوجدانية‭ ‬والترفيهية‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬فرق‭ ‬الأندية‭ ‬الرياضية‭ ‬الشهيرة‭ ‬أو‭ ‬المنتخبات‭ ‬الرياضية‭ ‬البارزة‭ ‬تتم‭ ‬مؤازرتها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬شرائح‭ ‬مجتمعية‭ ‬عابرة‭ ‬لحدود‭ ‬الولاء‭ ‬القومي‭ ‬أو‭ ‬الإثني‭ ‬أو‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬المذهبي‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مجتمعات‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬يشجع‭ ‬فريق‭ ‬دولة‭ ‬غير‭ ‬دولته،‭ ‬ففي‭ ‬الأردن‭ ‬أو‭ ‬الدنمارك‭ ‬أو‭ ‬نيجيريا‭ ‬أو‭ ‬تشيلي‭ ‬أو‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬الكويت‭... ‬إلخ،‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يشجع‭ ‬المنتخب‭ ‬الإسباني‭ ‬أو‭ ‬البرازيلي‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يسجل‭ ‬الفريق‭ ‬‮«‬المحبوب‮»‬‭ ‬هدفًا‭ ‬حتى‭ ‬يقفز‭ ‬جمهوره‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬للرقص‭ ‬والابتهاج،‭ ‬وكأن‭ ‬الهدف‭ ‬نسج‭ ‬وشائج‭ ‬ترابط‭ ‬وجداني‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭. ‬إنها‭ ‬لحظات‭ ‬وجدانية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬كل‭ ‬الولاءات‭ ‬والروابط‭ ‬الآلية‭ ‬لخلق‭ ‬‮«‬عولمة‭ ‬وجدانية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬عولمة‭ ‬الفرح‮»‬‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬العولمة‭ ‬الوجدانية‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬ذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬الفرق‭ ‬الرياضية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الأندية‭ ‬أو‭ ‬المنتخبات‭ ‬الوطنية،‭ ‬حيث‭ ‬سنجد،‭ ‬طبقًا‭ ‬لمراجع‭ ‬أكاديمية،‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

1-‭ ‬نسبة‭ ‬اللاعبين‭ ‬الأجانب‭ ‬في‭ ‬الأندية‭ ‬الرياضية‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬تتوزع‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

59‭%‬‭ ‬من‭ ‬لاعبي‭ ‬أندية‭ ‬أوروبا‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬الأجانب‭ ‬ومن‭ ‬مواليد‭ ‬جنسيات‭ ‬أخرى‭ (‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬التجنيس‭ ‬اللاحق‭).‬

47‭%‬‭ ‬من‭ ‬لاعبي‭ ‬أندية‭ ‬آسيا‭ ‬يعودون‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬غير‭ ‬دولة‭ ‬النادي‭.‬

32‭%‬‭ ‬من‭ ‬لاعبي‭ ‬أندية‭ ‬إفريقيا‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬الأجانب‭.‬

25‭%‬‭ ‬من‭ ‬لاعبي‭ ‬أندية‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬أجانب‭.‬

2-‭ ‬نسبة‭ ‬اللاعبين‭ ‬الأجانب‭ ‬في‭ ‬‮«‬المنتخبات‭ ‬القومية‮»‬‭ ‬للدول‭ ‬المنافسة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬على‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬المقامة‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬وكندا‭ ‬والمكسيك‭ ‬هي‭ ‬34‭%‬‭.‬

3-‭ ‬لو‭ ‬أخذنا‭ ‬بعض‭ ‬الأندية‭ ‬الشهيرة،‭ ‬مثل‭ ‬نادي‭ ‬مانشستر‭ ‬سيتي‭ (‬Manchester‭ ‬City‭)‬،‭ ‬يتبين‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬81‭.‬5‭%‬‭ ‬من‭ ‬لاعبيه‭ ‬من‭ ‬الأجانب،‭ ‬وعلى‭ ‬غراره‭ ‬نجد‭ ‬أندية‭ ‬مثل‭ ‬ريال‭ ‬مدريد‭ ‬وغيرها‭... ‬إلخ‭.‬

4‭- ‬لو‭ ‬أخذنا‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬للأندية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬سنجد‭ ‬أن‭ ‬14‭ ‬فريقًا‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬32‭ ‬فريقًا‭ ‬يضمون‭ ‬‮«‬أغلبية‮»‬‭ ‬أجنبية،‭ ‬أي‭ ‬أنهم‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬غير‭ ‬دولة‭ ‬النادي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬حوالي‭ ‬44‭%‬‭ ‬من‭ ‬الأندية‭.‬

ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬فإن‭ ‬الرياضة،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬العولمة،‭ ‬خلقت‭:‬

أ‭- ‬‮«‬سوقًا‭ ‬رياضيًا‮»‬‭ ‬فيه‭ ‬سمسرة‭ ‬وأسعار‭ ‬وعقود‭ ‬وانتقال‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال،‭ ‬وكل‭ ‬مقتضيات‭ ‬الصفقات‭ ‬التجارية‭.‬

ب‭- ‬تدويلًا‭ ‬للمواهب‭ ‬الرياضية‭ ‬بالانتقال‭ ‬المتواصل‭ ‬من‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬لأخرى‮»‬‭ ‬بدافع‭ ‬رباط‭ ‬عضوي‭ ‬لا‭ ‬رباط‭ ‬آلي‭.‬

ت‭- ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬الأندية‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬المواهب،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬أو‭ ‬الأسواق‭ ‬أو‭ ‬الكفاءات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬تشيئ‭ ‬الإنسان‭ (‬Commodification‭).‬

ث‭- ‬هناك‭ ‬عولمة‭ ‬ثقافية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الفريق‭ ‬الواحد،‭ ‬فنجد‭ ‬مثلًا‭ ‬أن‭ ‬فريقًا‭ ‬يضم‭ ‬لاعبين‭ ‬ومدربين‭ ‬وإداريين‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬وأديان‭ ‬وألوان‭ ‬وأعراق‭... ‬إلخ‭ ‬مختلفة،‭ ‬فنجد‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬النادي‭ ‬لاعبًا‭ ‬نيجيريًا،‭ ‬ومدربًا‭ ‬هولنديًا،‭ ‬وطبيبًا‭ ‬مصريًا،‭ ‬ومستثمرًا‭ ‬قطريًا،‭ ‬وللنادي‭ ‬روابط‭ ‬تشجيع‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأرجاء‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬وما‭ ‬يجمعهم‭ ‬هو‭ ‬روابط‭ ‬عضوية‭ ‬تعلو‭ ‬على‭ ‬الولاءات‭ ‬الآلية‭.‬

ج‭- ‬تظهر‭ ‬حاليًا،‭ ‬وبشكل‭ ‬متزايد‭ ‬ومتسارع،‭ ‬شركات‭ ‬وروابط‭ ‬‮«‬للبحث‭ ‬وتصيد‭ ‬المواهب‮»‬‭ ‬الرياضية‭.‬

لكن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التنبه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عولمة‭ ‬الرياضة‭ ‬تضع‭ ‬بذورًا‭ ‬لولاءات‭ ‬آلية‭ ‬جديدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتضح‭ ‬في‭ ‬الارتباط‭ ‬بالنادي‭ (‬كأنه‭ ‬عشيرة‭ ‬أو‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬دين‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬النادي‭ ‬الرياضي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬كيان‭ ‬اجتماعي‭ ‬تتطلب‭ ‬عضويته‭ ‬الولاء‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬يتمظهر‭ ‬هذا‭ ‬الولاء‭ ‬برموز‭ ‬وشعارات‭ ‬وألوان‭ ‬ملابس‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬أعلام‭ ‬الدول،‭ ‬ولعل‭ ‬شغب‭ ‬الملاعب‭ ‬تعبير،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬عن‭ ‬‮«‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الحروب‭ ‬الويستفالية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الدلالة‮»‬،‭ ‬وكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬لعب‭ ‬الرياضيون‭ ‬ضد‭ ‬أندية‭ ‬أو‭ ‬منتخبات‭ ‬بلادهم،‭ ‬فكأنهم‭ ‬‮«‬منشقون‮»‬‭ ‬عن‭ ‬الولاء‭ ‬الآلي‭ ‬لصالح‭ ‬الولاء‭ ‬العضوي‭.‬

والخلاصة‭: ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬مزدوجة‭ ‬التأثير،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬تخلق‭ ‬روابط‭ ‬عضوية‭ (‬كما‭ ‬قلنا‭)‬،‭ ‬لكنها،‭ ‬بالمقابل،‭ ‬تفرز‭ ‬روابط‭ ‬آلية‭ ‬بتحويل‭ ‬النادي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬الوطن‭ ‬الرمزي‮»‬،‭ ‬ليتحول‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬الجماعية‭. ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬أعادت‭ ‬توزيع‭ ‬الوزن‭ ‬النسبي‭ ‬للولاء‭ ‬العضوي‭ ‬والولاء‭ ‬الآلي‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الرياضة،‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬قصده‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬منظري‭ ‬العولمة،‭ ‬وهو‭ ‬أنتوني‭ ‬جيدنز‭ (‬Anthony‭ ‬Giddens‭)‬،‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬إن‭ ‬الرياضة‭ ‬تمثل‭ ‬فضاءً‭ ‬يتعايش‭ ‬فيه‭ ‬الولاء‭ ‬العضوي‭ ‬والولاء‭ ‬الآلي،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فضاء‭ ‬جديد‭.. ‬هو‭ ‬العولمة‭.‬

 

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا