مع اقتراب نهاية كل عام أكاديمي، يتوج الطلبة في مختلف الجامعات والكليات مسيرتهم التعليمية بتقديم مشاريع تخرج تمثل حصيلة ما اكتسبوا من معارف ومهارات، وتراكم خبرات خلال مسيرتهم التعليمية، وباعتبار أن هذه المشاريع متطلبًا أكاديميًا للحصول على الدرجة العلمية في مختلف التخصصات فإنها تعُد فرصة حقيقية لإبراز الإبداع والابتكار، والقدرة على تحويل أفكارهم إلى مبادرات، ومشاريع قابلة للتطبيق تسهم في تنمية مستدامة للمجتمع المحلي.
وهنا تظهر أهمية الربط بين التعليم والإبداع في صناعة المشاريع الريادية الناجحة، انطلاقًا من الأنشطة التعليمية والمشاريع، وورش العمل، التي أسهمت بشكل كبير في تمكين الطلبة من اكتساب مهارات بحثية، وتحليله، واكتشاف أفكار جديدة، وتطويرها إلى حلول علمية من الممكن تطبيقها في الواقع.
فالكثير من المشاريع الريادية الناجحة هي في الحقيقة نتاج فكرة بسيطة بدأت انطلاقتها من الفصول الدراسية أو من خلال استعراض المناقشات التعليمية، وبذلك فإن هذا النوع من التعليم كذلك يسهم في تزويد الطلبة بالمهارات الريادية الأساسية كالتخطيط والتنظيم والعمل الجماعي وصوًلا إلى قيادة المجموعات والتواصل الفعال عبر تمثيل مجموعاتهم، ما تساعدهم على فهم كيف يتم إدارة المشاريع وتحويل الأفكار إلى خطط عملية قابلة للتنفيذ، وتطبيقها على أرض الواقع؛ لذا نلاحظ أن التعليم الحديث الذي تنتهجه مؤسساتنا الوطنية هو من أهم العوامل الأساسية في بناء المجتمع البحريني، والإسهام في تطوره، فهو لا يقتصر فقط على نقل المعارف النظرية، بل يمتد ليشمل تنمية المهارات والقدرات الذاتية لدى الأفراد، ما تساعد في تنمية جوانب الابتكار والتفكير الإبداعي لدى الطلبة. ومع التطور السريع الذي يشهده عالمنا اليوم من تغيرات متسارعة في التكنولوجيا والاقتصاد وسوق العمل أصبح التعليم أداة رئيسة لتحويل الأفكار البسيطة إلى مشاريع ابتكارية ريادية ناجحة ومبادرات واقعية ذات جدوى اقتصادية، مراعية البعد الاجتماعي والبيئي للتنمية المستدامة، ومواجهة التحديات المعاصرة.
إضافة إلى ذلك، فإن التعليم الحديث القائم على المشاريع ودمج التكنولوجيا أصبح يركز بشكل كبير على التعليم التطبيقي أكثر من التعليم التقليدي القائم على الحفظ والتلقين، وفي جانب آخر فإن التعليم الإلكتروني أتاح الوصول إلى المعرفة والمعارف والخبرات العالمية الرائدة، وفقًا لكل تخصص ومجال؛ لذا نرى أن أغلبية المشروعات المتميزة فعًلا نشأت من فكرة بسيطة قائمة على ملاحظة حقيقية لمشكلة أو بواسطة الاحتياجات المجتمعية، وهي نتاج استغلال الفرص المتاحة. وهنا فإن قيمة الفكرة لا تكمن في حداثتها فقط، وإنما في قدرتها على إحداث أثر حقيقي ذي قيمة مضافة للفئة المستهدفة منها، لذلك فمن الضروري التأكد من أن الفكرة المطروحة تم النظر إليها بعين الباحث والمبتكر في الوقت نفسه، والأفكار التي لا تحدث صراعًا داخليًا لدى صاحبها، فهي أفكار ضعيفة وغير مجدية؛ لذا يجب أن يتساءل في داخله عن مدى قابليتها للتحقيق، والفئة التي من الممكن أن تستفيد منها، والنتائج التي ستحققها على المديين القريب والبعيد.
وبناء عليه فإن أي فكرة تحتاج إلى عدة أدوات إذا تم توظيفها بشكل صحيح فستكون قابلة للتطوير، والتحويل إلى مشروعات عملية واقعية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية التسويق لتصل إلى الجمهور والمستثمرين وصناع القرار بشكل احترافي يبرز أهميتها وقيمتها والأثر الناتج في المجتمع، وذلك بالاستفادة من وسائل التواصل والمنصات الرقمية وخاصة الرسمية، لإعطاء تلك المشاريع قوة تحفيزية ودافعة، ومن المؤكد أن أي فكرة ستواجه تحديات، وهنا لا يكتفى بالنظر إلى التحدي الذي يواجه على انه عقبة من الممكن تجاوزها لكن يتعامل مع هذا التحدي باعتباره فرصة للتحسين والتطوير.
ومن هذا المنطلق من الممكن أن تصبح المشاريع، ولا سيما الجامعية، مساحة حرة للتجريب والاستكشاف وإعادة التفكير والتأمل في الحلول التقليدية، وتحويلها إلى ابتكارية، بما يسهم في إنتاج أفكار أكثر إبداعا وتتوافق مع احتياجات المجتمع الذي يواجه تحديات تتطلب التفكير خارج الصندوق، وهذا ما يجعل الابتكار عنصرًا أساسيًا في التعليم الجامعي الحديث الذي اتسمت به مؤسسات التعليم العالي في المملكة.
كذلك فإن التميز في المشاريع الطلابية لم يعد مرتبطًا بجمع المعلومات أو إعداد الدراسات التقليدية، مع أنها أساسية كنقطة بداية وانطلاق بحثية، بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على توليد أفكار جديدة وتحويلها إلى حلول عملية ذات قيمة اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية؛ لذا فإن هذه التوجهات تنسجم كذلك مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما الهدف (4) المتعلق بالتعليم الجيد، والهدف (8) الخاص بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والهدف (9) المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، وكذلك الهدف (11) المرتبط بالمدن والمجتمعات المستدامة.
إن ارتباط هذه المشروعات بأهداف التنمية المستدامة يكتسب أهمية إضافية، ويسهم في اخراج جيل من الطلبة لديه قرة على تطوير مشروعات تسهم في معالجة كل القضايا سواء المرتبطة بالبيئة والطاقة والسياحة والثقافة والتعليم والصحة والتنمية المجتمعية. ثم إن نجاح أي مشروع يتطلب المرور بمراحل متدرجة تبدأ بفهم حقيقي للمشكلة، والحاجة الملحة إلى معالجتها، ثم العمل على جمع المعلومات وتحليلها، يليه تطوير نموذج أولي أو تصوّر تجريبي لاختبار الفكرة وتقييمها وفقًا لـ SWOT Analysis وهنا في هذه المرحلة تتيح للطلبة فرصة للتعرف على نقاط القوة والتطوير، ودراسة التهديدات والفرص، قبل التنفيذ الكامل، وهو ما يعزز جودة المخرجات النهائية للمشاريع.
كذلك من الأساليب الإبداعية التي من الممكن توظيفها في اعداد المشروعات استراتيجية «والت ديزني» للتفكير الإبداعي، التي تقوم على ثلاث مراحل مترابطة، هي: مرحلة الحالم، وهنا يتشجع الطلبة على التفكير الحر من دون قيود وطرح أفكار جريئة وغير تقليدية قد تبدو مستحيلة التنفيذ، وهنا يكون الهدف من ذلك هو التوسع في التفكير واستكشاف أي فرصة مستقبلية رائدة. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الواقعية التي يتم الانتقال فيها إلى التفكير العلمي القائم على معايير وأسس محددة ويبدأ فيها بتحويل الأفكار إلى خطط عملية قابلة للتطبيق. أما المرحلة الثالثة فيطلق عليها مرحلة الناقد، وهنا يتم العمل على تقييم الفكرة بصورة موضوعية، ويقوم في هذه المرحلة بتحليل نقاط القوة والضعف ودراسة المخاطر والتحديات وإجراء التحسينات قبل تنفيذ المشروع، وهذا الأسلوب في الحقيقة له دور كبير في تحقيق التوازن بين الإمكانات في الواقع والطموح الناتج عن الأفكار الحالمة التي قد تبدو للوهلة الأولي غير واقعية ومستحيلة التحقيق.
لقد تنوعت تطبيقات هذه المشروعات باختلاف التخصصات الأكاديمية؛ فمثلا في ظل التطور المستمر في القطاع السياحي في البحرين فقد أصبح تخصص السياحة من التخصصات الواعدة التي تفتح للطلبة المتخرجين فرصًا مهنية متعددة، حيُث يمكن للطلبة إعداد مشروعات متنوعة كتصميم مسارات سياحية مبتكرة أو تطبيقات رقمية للمواقع الأثرية التي تعتبر من أهم مقومات السياحة والموارد المهمة التي تمتلك قيمة تاريخية وسياحية كبيرة، وتمتد إلى 5000 سنة قبل الميلاد كمدافن دلمون، ومنطقة صناعة الفخار في عالي، التي نلاحظ أنها تشهد قلة توافد السياح عليها مقارنة ببعض المواقع الأثرية؛ لذا فهي بحاجة إلى مزيد من التطوير، وتهيئة البنية التحتية السياحية فيها، ومن هنا تظهر فرصة أمام الطلبة للاستفادة من المشروعات المستقبلية باستعراض تقديم أفكار تنموية مبتكرة تناسب احتياجات هذه المواقع الأثرية، ما يسهم في تحويلها إلى مواقع ذات جذب سياحي وثقافي، ومن هنا تكمن أهمية إعداد دراسات ومشاريع مبتكرة ذات جدوى اقتصادية تدعم الاقتصاد المحلي، وتستجيب لمتطلبات التنمية، وسوق العمل، وفي الوقت نفسه تحافظ على التراث التاريخي للأجيال القادمة.
وفي النهاية، يمكن القول إن التعليم يمثل الأساس القوى لتحويل الأفكار إلى مشاريع ريادية ناجحة، حيثُ إن كل فكرة مبدعة من الممكن أن تصبح مشروعًا مؤثرًا عندما تجد التعليم؛ لذا فإن رحلة تحويل الفكرة إلى مشروع ناجح ليست حدثًا لحظيًا، وإنما هي عملية تعليمية مستمرة من التعلم والتطوير والتقييم، وقائمة على منهجية واضحة، موظفة بذلك أدوات التفكير الابتكاري، مثل استراتيجية ديزني، وربط المشاريع بالرؤية الوطنية الاقتصادية 2030، وأهداف التنمية المستدامة والحاجة المجتمعية، وعندما تقترن الفكرة بالإبداع والتخطيط السليم والعمل الجاد وبروح الفريق، والقدرة على التكيف مع كل المتغيرات، تصبح تلك الفكرة قادرة على صناعة أثر حقيقي ومستدام متجاوزًا حدود الدراسة الجامعية نحو خدمة المجتمع وبناء المستقبل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك