تبنت دول مجلس التعاون الخليجي موقفاً حاسماً ومعلناً برفض الانخراط كطرف في الصراع الدائر بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، متمسكةً بسياسة النأي بالنفس لحماية أمنها واستقرارها الاقتصادي، وقد أبلغت دول المجلس الولايات المتحدة رسمياً بمنع استخدام القواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضيها، أو السماح لطائراتها باختراق الأجواء الخليجية لشن أي ضربات هجومية ضد إيران، وقد نقلت العواصم الخليجية رسائل دبلوماسية واضحة ومباشرة إلى المسؤولين في إيران تؤكد فيها التزامها بالحياد التام وعدم الوقوف مع أي طرف في هذا النزاع العسكري.
ويأتي هذا القرار لحرمان طهران من أي ذريعة لاستهداف منشآت النفط والغاز والبنية التحتية الخليجية تحت مسمى الرد بالمثل لمنع خروج المواجهات العسكرية عن السيطرة وانزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة ومدمرة.
في المقابل كانت تؤكد طهران عبر دبلوماسيتها الرسمية أهمية علاقات حسن الجوار وتسعى إلى تبرير سياساتها الإقليمية بأنها تأتي في إطار الدفاع عن النفس وحماية مصالحها القومية ومحاربة النفوذ الأجنبي في المنطقة، إلا أن هذا الخطابات الدبلوماسية غالباً ما تصطدم بالوقائع الميدانية التي تعزز القناعة العربية بوجود مسار تصعيدي يبتعد تماماً عن مفهوم الجيرة المسالمة التي طالما تشدقت به طهران ظاهرياً فقط.
ماذا كشف العداء الإيراني على دول الخليج العربية؟!
كشف العدوان أن طهران لم تتخل يوماً عن نزعتها الإمبراطورية القائمة على فكرة التوسع الإقليمي والهيمنة على محيطها العربي، معتبرة الخليج العربي عمقاً حيوياً تابعاً لمد نفوذها، كما أعادت الأحداث بروز الحقد الفارسي الدفين تجاه العرب وتحديداً تجاه دول مجلس التعاون الخليجي والجزيرة العربية مهد الرسالة النبوية ومنطلق الفتوحات الإسلامية التي قضت على أمال وطموحات الإمبراطورية الفارسية، كما يرى النظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه في نهضة واستقرار دول الخليج العربية عائقاً أمام مشروعه الإقليمي مما يفسر استهدافه المباشر لرموز الاستقرار الاقتصادي والمدني في دول الخليج.
كذلك أكد هذا العداء أن الدستور الإيراني القائم على تصدير الثورة الخمينية ليس مجرد شعار، بل هو عقيدة تحرك الآلة العسكرية والمسيّرات لزعزعة استقرار الدول المجاورة ومحاولة فرض التبعية الأيديولوجية عليها من خلال توظيف النزعات الطائفية لتمزيق النسيج الاجتماعي، وقد كشفت الأزمة الاستخدام الممنهج للبعد العقدي والطائفي كأداة لاختراق المجتمعات العربية عبر دعم الولاءات العابرة للحدود من خلال الوكلاء والمليشيات التي تديرها طهران وتمولها وترسم أجنداتها مما يهدد مفهوم الدولة الوطنية الخليجية، كما كشفت الأزمة بوضوح فكرة التقية السياسية في الخطاب السياسي الإيراني حيث تتحدث طهران علناً عن الأخوّة الإسلامية وحسن الجوار، بينما تصدر الأوامر ميدانياً لإطلاق الصواريخ الباليستية والمسيّرات باتجاه المنشآت النفطية والمرافق المدنية الخليجية، وتحريك الخلايا التابعة لفكر «ولاية الفقيه».
إذًا ماذا أثبتت لنا هذه الأزمة؟!
أثبت العدوان الإيراني الغاشم أن الاتفاقيات الدبلوماسية السابقة بين دول مجلس التعاون الخليجي وطهران مثل اتفاق بكين 2023 الذي سعت إليه المملكة العربية السعودية لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر وفتح صفحة جديدة من حسن الجوار لم تكن كافية لكبح جماح العداء الإيراني تجاه أشقائه العرب ووقف تدخل إيران في الشأن الخليجي مما أدى إلى فقدان الثقة الحاد بطهران كشريك سلام، وأكدت الأحداث أن النظام الإيراني مستعد لتجاوز الخطوط الحمراء واستهداف جيرانه مباشرة بالصواريخ والمسيّرات عند شعوره بالضغط الدولي دون مراعاة لروابط الجوار ولا لمستقبل العلاقات مع محيطه الإقليمي.
ماذا بعد العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي؟!
لقد انتهى زمن الاتفاقيات أو التفاهمات الدبلوماسية المفتوحة بين دول الخليج العربي وإيران، وأي حوار مستقبلي مع طهران سيكون مشروطاً بضمانات دولية صارمة وكبح كامل لوكلائها في المنطقة، وسوف يدخل مستقبل المنطقة بعد هذا العدوان مرحلة الواقعية الصارمة والردع الذاتي، حيث طوت دول مجلس التعاون الخليجي صفحة الرهان على النوايا الدبلوماسية الإيرانية التي انكشف غدرها، وبدأت عملياً في صياغة واقع أمني وسياسي جديد لحماية مكتسباتها التنموية، وأي حوار خليجي مستقبلي مع طهران لن يرتكز على الوعود الشفهية بل سيشترط تفكيك شبكات الوكلاء والمليشيات وتقديم ضمانات ميدانية صارمة ومراقبة دولياً، وستبقى العلاقات الدبلوماسية في حدها الأدنى لإدارة الأزمات فقط، ولن يعود هناك أي مجال للاتفاقيات المفتوحة أو الشراكات الاقتصادية أو التعاون الدبلوماسي والأمني، وستدرك طهران أن أي حماقة عسكرية قادمة تجاه دول مجلس التعاون الخليجي ستقابل بردع جماعي وعزلة دولية خانقة مما سيفرض عليها التراجع نحو التهدئة القسرية لتفادي انهيارها الداخلي.
{ باحث وكاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك