العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

سقوط القناع وانكشاف العداء الإيراني لدول الخليج

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تبنت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬موقفاً‭ ‬حاسماً‭ ‬ومعلناً‭ ‬برفض‭ ‬الانخراط‭ ‬كطرف‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬متمسكةً‭ ‬بسياسة‭ ‬النأي‭ ‬بالنفس‭ ‬لحماية‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وقد‭ ‬أبلغت‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬رسمياً‭ ‬بمنع‭ ‬استخدام‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬المقامة‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬أو‭ ‬السماح‭ ‬لطائراتها‭ ‬باختراق‭ ‬الأجواء‭ ‬الخليجية‭ ‬لشن‭ ‬أي‭ ‬ضربات‭ ‬هجومية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وقد‭ ‬نقلت‭ ‬العواصم‭ ‬الخليجية‭ ‬رسائل‭ ‬دبلوماسية‭ ‬واضحة‭ ‬ومباشرة‭ ‬إلى‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬تؤكد‭ ‬فيها‭ ‬التزامها‭ ‬بالحياد‭ ‬التام‭ ‬وعدم‭ ‬الوقوف‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬العسكري‭.‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬لحرمان‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ذريعة‭ ‬لاستهداف‭ ‬منشآت‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الخليجية‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬الرد‭ ‬بالمثل‭ ‬لمنع‭ ‬خروج‭ ‬المواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬وانزلاق‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة‭ ‬ومدمرة‭.‬

في‭ ‬المقابل‭ ‬كانت‭ ‬تؤكد‭ ‬طهران‭ ‬عبر‭ ‬دبلوماسيتها‭ ‬الرسمية‭ ‬أهمية‭ ‬علاقات‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬تبرير‭ ‬سياساتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬بأنها‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬وحماية‭ ‬مصالحها‭ ‬القومية‭ ‬ومحاربة‭ ‬النفوذ‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخطابات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تصطدم‭ ‬بالوقائع‭ ‬الميدانية‭ ‬التي‭ ‬تعزز‭ ‬القناعة‭ ‬العربية‭ ‬بوجود‭ ‬مسار‭ ‬تصعيدي‭ ‬يبتعد‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬الجيرة‭ ‬المسالمة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تشدقت‭ ‬به‭ ‬طهران‭ ‬ظاهرياً‭ ‬فقط‭.‬

ماذا‭ ‬كشف‭ ‬العداء‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية؟‭!‬

كشف‭ ‬العدوان‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬يوماً‭ ‬عن‭ ‬نزعتها‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬التوسع‭ ‬الإقليمي‭ ‬والهيمنة‭ ‬على‭ ‬محيطها‭ ‬العربي،‭ ‬معتبرة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬عمقاً‭ ‬حيوياً‭ ‬تابعاً‭ ‬لمد‭ ‬نفوذها،‭ ‬كما‭ ‬أعادت‭ ‬الأحداث‭ ‬بروز‭ ‬الحقد‭ ‬الفارسي‭ ‬الدفين‭ ‬تجاه‭ ‬العرب‭ ‬وتحديداً‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭  ‬والجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬مهد‭ ‬الرسالة‭ ‬النبوية‭ ‬ومنطلق‭ ‬الفتوحات‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬أمال‭ ‬وطموحات‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الفارسية،‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬واستقرار‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬عائقاً‭ ‬أمام‭ ‬مشروعه‭ ‬الإقليمي‭ ‬مما‭ ‬يفسر‭ ‬استهدافه‭ ‬المباشر‭ ‬لرموز‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمدني‭ ‬في‭  ‬دول‭ ‬الخليج‭.‬

كذلك‭  ‬أكد‭ ‬هذا‭ ‬العداء‭ ‬أن‭ ‬الدستور‭ ‬الإيراني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة‭ ‬الخمينية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬شعار،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عقيدة‭ ‬تحرك‭ ‬الآلة‭ ‬العسكرية‭ ‬والمسيّرات‭ ‬لزعزعة‭ ‬استقرار‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬ومحاولة‭ ‬فرض‭ ‬التبعية‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توظيف‭ ‬النزعات‭ ‬الطائفية‭ ‬لتمزيق‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وقد‭ ‬كشفت‭ ‬الأزمة‭ ‬الاستخدام‭ ‬الممنهج‭ ‬للبعد‭ ‬العقدي‭ ‬والطائفي‭ ‬كأداة‭ ‬لاختراق‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬الولاءات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوكلاء‭ ‬والمليشيات‭ ‬التي‭ ‬تديرها‭ ‬طهران‭ ‬وتمولها‭ ‬وترسم‭ ‬أجنداتها‭ ‬مما‭ ‬يهدد‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬الخليجية،‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬الأزمة‭ ‬بوضوح‭ ‬فكرة‭ ‬التقية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الإيراني‭ ‬حيث‭ ‬تتحدث‭ ‬طهران‭ ‬علناً‭ ‬عن‭ ‬الأخوّة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وحسن‭ ‬الجوار،‭ ‬بينما‭ ‬تصدر‭ ‬الأوامر‭ ‬ميدانياً‭ ‬لإطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬والمسيّرات‭ ‬باتجاه‭ ‬المنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬والمرافق‭ ‬المدنية‭ ‬الخليجية،‭ ‬وتحريك‭ ‬الخلايا‭ ‬التابعة‭ ‬لفكر‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭.‬

إذًا‭ ‬ماذا‭ ‬أثبتت‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة؟‭! ‬

أثبت‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الغاشم‭ ‬أن‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬السابقة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬وطهران‭ ‬مثل‭ ‬اتفاق‭ ‬بكين‭ ‬2023‭ ‬الذي‭ ‬سعت‭ ‬إليه‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬لرأب‭ ‬الصدع‭ ‬وتقريب‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬وفتح‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كافية‭ ‬لكبح‭ ‬جماح‭ ‬العداء‭ ‬الإيراني‭ ‬تجاه‭ ‬أشقائه‭ ‬العرب‭ ‬ووقف‭ ‬تدخل‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الخليجي‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬الحاد‭ ‬بطهران‭ ‬كشريك‭ ‬سلام،‭ ‬وأكدت‭ ‬الأحداث‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬مستعد‭ ‬لتجاوز‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬واستهداف‭ ‬جيرانه‭ ‬مباشرة‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيّرات‭ ‬عند‭ ‬شعوره‭ ‬بالضغط‭ ‬الدولي‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬لروابط‭ ‬الجوار‭ ‬ولا‭ ‬لمستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬محيطه‭ ‬الإقليمي‭. ‬

ماذا‭ ‬بعد‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي؟‭!‬

‭ ‬لقد‭ ‬انتهى‭ ‬زمن‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬أو‭ ‬التفاهمات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المفتوحة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وإيران،‭ ‬وأي‭ ‬حوار‭ ‬مستقبلي‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬سيكون‭ ‬مشروطاً‭ ‬بضمانات‭ ‬دولية‭ ‬صارمة‭ ‬وكبح‭ ‬كامل‭ ‬لوكلائها‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وسوف‭ ‬يدخل‭ ‬مستقبل‭ ‬المنطقة‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬مرحلة‭ ‬الواقعية‭ ‬الصارمة‭ ‬والردع‭ ‬الذاتي،‭ ‬حيث‭ ‬طوت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬صفحة‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬النوايا‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬انكشف‭ ‬غدرها،‭ ‬وبدأت‭ ‬عملياً‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬واقع‭ ‬أمني‭ ‬وسياسي‭ ‬جديد‭ ‬لحماية‭ ‬مكتسباتها‭ ‬التنموية،‭ ‬وأي‭ ‬حوار‭ ‬خليجي‭ ‬مستقبلي‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬لن‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬الوعود‭ ‬الشفهية‭ ‬بل‭ ‬سيشترط‭ ‬تفكيك‭ ‬شبكات‭ ‬الوكلاء‭ ‬والمليشيات‭ ‬وتقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬ميدانية‭ ‬صارمة‭ ‬ومراقبة‭ ‬دولياً،‭ ‬وستبقى‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬حدها‭ ‬الأدنى‭ ‬لإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬فقط،‭ ‬ولن‭ ‬يعود‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬مجال‭ ‬للاتفاقيات‭ ‬المفتوحة‭ ‬أو‭ ‬الشراكات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬التعاون‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والأمني،‭ ‬وستدرك‭ ‬طهران‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬حماقة‭ ‬عسكرية‭ ‬قادمة‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬ستقابل‭ ‬بردع‭ ‬جماعي‭ ‬وعزلة‭ ‬دولية‭ ‬خانقة‭ ‬مما‭ ‬سيفرض‭ ‬عليها‭ ‬التراجع‭ ‬نحو‭ ‬التهدئة‭ ‬القسرية‭ ‬لتفادي‭ ‬انهيارها‭ ‬الداخلي‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا